الرئيسية | مساهمات القراء | ثورة 23 تموز والأحلاف والقواعد العسكرية

ثورة 23 تموز والأحلاف والقواعد العسكرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ثورة 23 تموز والأحلاف والقواعد العسكرية

بقلم: محمد علي صايغ

 

لقد اثبتت التجارب الإنسانية ولا زالت تثبت ، بانه لاوجود لتجربة مثالية مكتملة الفعل والانجاز ، اذ يتحكم دائما قانون نسبية النجاحات في مساراتها . وتجربة 23 تموز 1952 جزء من تلك التجارب الانسانية التي تفاعلت وفعلت فيها محطات الانتصار والانكسار . ولكننا هنا لا نستعيد ذكراها للتغني بأمجادها وانتصاراتها او نتحسر على اخفاقاتهاونكساتها ،  وانما نتوقف في كل عام عند تلك التجربة لنستخلص الدروس والعبر ، محاولين إيجاد مقارنة بين تطلعاتها ومواقفها في زاوية من زوايا تجربتها ، وبين ما يجري في واقع أمتنا المرير اليوم.

 

بعد انطلاق الثورة خطت اولى خطواتها في تعزيز استقلالها الوطني وتثبيت سيادتها الوطنية على أراضيها بتوقيع اتفاقية الجلاء في1954/4/9 تبعها فيما بعد سحب آخر جندي أجنبي بتاريخ1956/6/18 بعد إعلان عبد الناصر تأميم قناة السويس بسبب امتناع الغرب وأمريكا عن تمويل السد العالي  ، لتكون أول ضربة موجعة لقاعدة عسكرية أجنبية هزت أركان امبراطوريات الدول الكبرى ودفعها لشن حرب السويس التي انتهت بفعل تماسك الشعب المصري وتضامن الشعب العربي إلى تحقيق الانتصار . لتثبت تلك المعركة ان الشعوب المغلوبة على أمرها قادرة على تحريك طاقتها الكامنة وهزيمة أعدائها .

 

ومنذ انتهاج قيادة الثورة سياسة وطنية مستقلة ، لم تقف الدول الغربية ومن ورائها أمريكا مكتوفة الايدي ، وانما باشرت حربا من نوع آخر ، بدأتها بحصار اقتصادي واسع ، ومحاربة خطوات مشاريع التنمية المستقلة ، وتطويقها بالقواعد والأحلاف العسكرية وفي مقدمتها حلف بغداد في شباط عام1955 . فكان رد عبد الناصر سريعا وحاسما بالاستدارة السياسة إلى المعسكر الشرقي تدعيما لمشاريعه التنموية وتقوية لجيشه الوطني ضد أي عدوان.

 

كان موقف عبد الناصر من الأحلاف والقواعد العسكرية في المنطقة العربية موقفا مبدئيا ، وكان يرى بنظرته القومية الثاقبة أن نهوض مصر مرتبط عضويا بنهوض الامة وتحريرها ، فدفع بحركة تحرر الشعب العربي ، ودعم ثورات استقلاله .

 

وتحقيقا للأمن الجماعي لوطنه وأمته كان رده على حلف بغداد وفي مواجهته ، الانخراط في تأسيس كتله عدم الانحياز في نيسان1955 بعد شهرين من تأسيس حلف بغداد ، في عصر بدا واضحا من الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين وتداعياتها ، بان لا مناص للدول الصغرى من تأسيس تحالف لتثبيت استقلالها وضمان سيادتها ، وإطلاق مشاريع التنمية فيما بينها ، وتجميع طاقات دولها الاقتصادية والعسكرية والسياسية للنأي بنفسها عن صراع الدول العظمى القائم على التنافس في استغلال الدول الضعيفة وفرض الهيمنة والتبعية عليها .

 

وبرحيل عبد الناصر توالت حلقات السقوط والانكسار في عالمنا العربي ، وازداد ارتباط الانظمة العربية بمشاريع الهيمنة والتبعية للولايات المتحدة الأمريكية ، ورهنت طاقاتها ومقدراتها وقرارها السياسي للامبريالية الامريكية ، خاصة بعد هيمنة القطب الأمريكي/ الغربي على السياسة الدولية بعد السقوط المدوي للاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية .

 

كان رحيل عبد الناصر إيذانا ببدء التحول والانعطاف الكامل نحو التبعية للنظم العربية ودورانها في فلك الراعي الأمريكي الذي تعهد بالحفاظ على سلطتها وسلطانها واستدامة حكمها وتحكمها بشعوبها .

 

ومن اجل استمرار ديمومة الانظمة العربية وتسهيل تبعيتها للسياسات الامريكية ، فإن تلك الانظمة قامت بإحكام الخناق على رقاب شعوبها ، وتدعيم النزعات والصراعات الانفصالية ماقبل الوطنية ، وإشاعة سياسة الفساد والافساد ، وحولت المواطنين الى رعايا يسبحون بحمد حاكميهم ، ليتحول الوطن إلى حاكم ، ويصبح الحاكم هو الوطن .

 

في ظل هذا المناخ القائم على الاستبداد وقهر الشعوب ، تحركت ثورات الربيع العربي ضد تلك الانظمة الاستبدادية المملوكية الشمولية ، التي عاثت فسادا  وإفسادا ، وأحكمت السيطرة على السلطة والثروة معا ، في عملية معقدة من النهب الممنهج استنادا على اجهزة أمنية أخطبوطية عملت على خنق مبادرات مواطنيها وحرياتهم وقمع أي حركة أو حراك يؤثر على استمرار هيمنتها وديمومتها . ولتتحول تلك الانتفاضات الشعبية بوجه أنظمتها في سورية وغيرها من انتفاضات سلمية تطالب بالحرية تحت شعار رفعته جموع السوريين " واحد واحد الشعب السوري واحد " الى حرب واحتراب دفع بها النظام والقوى الخارجية الى جحيم احرق الاخضر واليابس ، وحول الالتفاف الوطني السلمي الساعي للحرية الى حرب مجنونة حركتها وأزكت نارها دوافع الثأرية والطائفية والأثنية بدعم داخلي وخارجي بالاتكاء على حراك اعلامي واسع النطاق لتسهيل الانقسام المجتمعي وتفتيت النسيج الاجتماعي  تمهيدا للتدخل الخارجي الذي عمل ولا زال يعمل على تمزيق الوطن الى كانتونات مصنعة تفتح الباب الى تقسيم الوطن وتحويله الى مناطق نفوذ لأطماع الدول المتدخلة في الصراع السوري .

 

    ولقد تبدى بوضوح عبر مسار الازمة السورية بعد مرور سنوات على انفجارها ، أن الحل السياسي هو المدخل الوحيد لإنقاذ الوطن والحيلولة دون انقسامه وتقسيمه ، وان أوهام انتصار طرف على اخر  أطال عمر الصراع وأدخل الوطن في مأزق التجاذبات الإقليمية والدولية وفتح الباب لتدخلاتها العسكرية المباشرة وبالوكالة عن طريق ميليشيات وفصائل متعددة الجنسيات حولت الصراع بفعلها وحربها على الارض السورية الى مناطق نفوذ وقواعد عسكرية متعددة تم فرض إنشائها على خلفية تزاحم المصالح فيما بينها .

 

ويبقى الحل السياسي تطبيقا للقرارات الدولية وبيان جنيف 2012  والقرار رقم 2254 الارضية الوحيدة للخلاص من حرب انهكت البلاد والعباد ، ومدخلا لانشاء حكم انتقالي جامع وذي مصداقية عبر اتفاق سياسي بين النظام والمعارضة ، يقوم على منظومة جديدة تستند على ممارسة سيادة الدولة على أراضيها ، ومنع سائر اشكال التدخل الخارجي ، وإخراج جميع المقاتلين الأجانب من مليشيات وجماعات مسلحة ومرتزقة وقوات عسكرية أو شبه عسكرية او قواعد عسكرية تابعة لدول اجنبية من الاراضي السورية ، مع تبني برنامج شامل للتصدي للإرهاب ومكافحته والعمل على القضاء على الحواضن الفكرية والتنظيمية التي تغذي التطرف والطائفية والاستبداد السياسي ، والاستناد الى ضوابط دستورية وقانونية تهدف في مجموعها الى إرساء قواعد المصالحة الوطنية ، وتطبيق العدالة الانتقالية ، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية في وطن واحد للجميع .


 

ملاحظة: المقال للاطلاع وليس بالضرورة أن يعبر عن رأي الحزب أو الموقع, وإنما يعبر عن رأي كاتبه

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع