الرئيسية | مساهمات القراء | الثورة السودانية - بين فخ مماطلة العسكر وصراع القوى السياسية

الثورة السودانية - بين فخ مماطلة العسكر وصراع القوى السياسية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الثورة السودانية - بين فخ مماطلة العسكر وصراع القوى السياسية

بقلم : محمد علي صايغ

 

 قامت ثورات وانقلابات عديدة على مساحة الوطن العربي ضد أنظمة الحكم . لكن من اللافت أن أول ثورة شعبية سلمية  في العصر الحديث ضد الحكم العسكري انطلقت من السودان . فكانت ثورة 1964 بعد الاستقلال ثورة سلمية أسقطت حكم العسكر الذي كان يمسك بالسلطة برئاسة إبراهيم عبود منذ انقلاب 1958 ، وأقامت الحكم المدني الديمقراطي من خلال قوى المجتمع المدني وأحزابه وعلى رأسهم حزب الاتحاد وحزب الامة والاحزاب الاخرى لينقض بعد ذلك  الجيش بانقلاب جعفر النميري على حكومة الصادق المهدي ويخطف السلطة ويعيد دكتاتورية العسكر الى واجهة الحكم في السودان . إلى أن ينتفض الشعب السوداني ثانية في ثورة شعبية جديدة في نيسان 1985 ليعلن الجنرال سوار الذهب انهاء حكم جعفر النميري ، وإعادة الحكم المدني من جديد ، ثم يعود العسكر مرة اخرى للاستيلاء على السلطة واعادة الدكتاتورية لمدة عشرين عاما برئاسة عمر البشير .

كان من أهم أسباب فشل الثورة الشعبية الاولى والثانية الصراع والتزاحم السياسي بين فصائل المعارضة وخاصة بين اليسار السوداني والحركة الاسلامية ، وقد قاد هذا الصراع الى إبعاد الحزب الشيوعي عن السلطة مما دفع اليسار الى التحالف مع الجيش والانقلاب على السلطة المدنية . ومن الاسباب ايضا استعجال إجراء الانتخابات استعجالا لتولي السلطة دون أن تتسلح القوى المعارضة الى رؤى و برامج سياسية للنهوض بالبلاد مما أدى إلى صراع على النفوذ والسلطة على حساب مصلحة الوطن ، وكذلك إصدار قوى التغيير قرارات خاصة بالخدمة العامة للدولة تحت شعار : "التطهير واجب وطني" . مما ادى الى حرمان مؤسسات الدولة الكفاءات والخبرات عبر الصراعات الحزبية والإقصاء المتبادل .

بعد عشرين عاما من حكم البشير الدكتاتوري بمظلة القوى الاسلامية ، انتفض الشارع السوداني بالبداية على احواله المعيشية المتدنية ثم توسعت مطالبه الى اسقاط النظام عبر التظاهر والاعتصام ، اضطر معه الجيش ، وقوات الدعم السريع - اسسها البشير للمحافظة على نظامه وضرب معارضيه - الى الوقوف الى جانب الحراك الشعبي وازاحة البشير واعتقاله .

صحيح أن الجيش اصطف مع المطالب الشعبية ، وحال بين تدخل البشير والقوى الامنية التي أعدها لقمع أي تمرد عليه ، وأكيد أيضا أن الجيش أعلن أنه سيسلم السلطة إلى القوى المدنية بعد سنتين من الحكم الانتقالي . إلا أن الدولة العميقة التي تأسست خلال عشرين عاما لا زالت تعمل على إفشال التفاوض والحوار بين الجيش ورموز قوى التغيير ، وإن تكرارحوادث إطلاق النار على المتظاهرين من قبل اجهزة الظل الامنية او العسكرية تدخل في عرقلة أو تخريب الوصول لاي اتفاق واللعب على الزمن من أجل المراهنة على انخفاض حماس الشارع أو دخول القوى السياسية في الصراعات البينية لتمهيد الأجواء للانقلاب على الحراك الشعبي . وقد تبدى الخلاف بين القوى السياسية من خلال دق اسفين الحصص التمثيلية في سلطات الحكم وتخصيص النسبة العليا من المقاعد التمثيلية لقوى الحرية والتغيير ، مما دفع القوى الاخرى الى إعادة تكتيل صفوفها ورفضها اعطاء الارجحية لقوى الحرية والتغيير ،  فظهر تكتل الحراك القومي السوداني الذي يضم قوى عسكرية  ، وتكتل القوى الاسلامية وعلى رأسها انصار الشريعة ، ودعواتهم لرفض اعتبار قوى الحرية والتغيير ممثلا وحيدا لحراك الشعب السوداني .

ومن اللافت حقا ، إعلان الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية رغبتها بتسليم السلطة للقوى المدنية في أسرع وقت ، بما يعاكس استراتيجيات هذه الدول القائمة على منع التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط ، ومنع نهوض السودان واستثمار ثرواته الضخمة الزراعية والمعدنية ... ، فهل الاصرار الامريكي تسليم السلطة للقوى المدنية بسرعة جزء من مخطط للعمل داخلها وازكاء الصراعات البينية فيها قبل نضوج عملية انتقال السلطة تمهيدا لإنقسام الشارع المنتفض ، ليجد  الجيش فرصته للانقضاض على السلطة منفردا وفق ذات السيناريو الذي تم في الثورات السابقة .

إن المشهد المرتبك في عملية التفاوض السياسي لنقل السلطة ، سواء في ما يبدو من صراع غير معلن داخل مراكز القوى العسكرية والامنية ، خاصة اذا علمنا ان الجنرال حميدتي نائب رئيس المجلس العسكري كان له اليد الطولى في عملية الردع في دافور . وايضا الصراع الذي بدأ يطفو على السطح بين قوى الطبقة السياسية واحزابها حول اقتسام الدور والسلطة قبل عملية الانتقال السياسي الفعلية ، هذا المشهد المرتبك ينذر بامتداد هذا الصراع الى الشارع المنتفض لإحداث الانقسام فيه ، بالرغم من ان الشارع الى الآن لا زال ممسكا بمطالبه ، ويمتاز بدرجة عالية من ضبط النفس والانضباط ، وعدم الانجرار الى فخ العنف بالرغم من محاولات إطلاق النار المباشر على جموع المعتصمين .

وتحت ضغط الشارع ، لازال التفاوض مستمرا ، ولازالت الولادة العسيرة ترافق عملية الوصول الى اتفاق والمراوحة بين شد وجذب ، بين توقيف الحوار ، وتأجيله مرة بعد أخرى ، تحت عناوين ظروف الشارع الطارئة او عدم التوصل الى اتفاق حول محتوى الوثيقة الدستورية او تحديد من يملك الاغلبية المدنيين أم العسكريين في المجلس السيادي . وفي كل مرة يلوح بالافق اقتراب الوصول الى اتفاق تتدخل قوى الظل او القوى الخفية العسكرية او الامنية لعرقلة انجاز الاتفاق وتأجيله .

فهل المجلس العسكري يستخدم عملية تأجيل الوصول الى اتفاق ،  واللعب على الزمن وامتداده لفرض أرجحية الدور العسكري على الدور المدني في إدارة البلاد ؟؟ أم انتظارا لإحداث اختراق في قيادة الحراك وقواه السياسية لاستعادة المبادرة في اعادة التحكم بالسلطة وضبط ايقاعها ؟؟ وهل تتعلم القوى السياسية الفاعلة الدرس من الثورات السابقة  في أن اكتمال إنجاز التغيير يكون في وحدتها وتلاحمها،  وفي إصرارها على التمسك ببرامج الانتقال السياسي والتحول الديمقراطي واستثمار تماسك الحراك الشعبي واستمرار وجوده في ساحات الاعتراض لفرض التغيير المدني الديمقراطي الذي خرج الشعب السوداني وضحى من أجله ؟؟؟

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0