الرئيسية | مساهمات القراء | تحول الأزمة السورية من انتفاضة للتغيير السياسي إلى أزمة إرهاب دولي

تحول الأزمة السورية من انتفاضة للتغيير السياسي إلى أزمة إرهاب دولي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
تحول الأزمة السورية من انتفاضة للتغيير السياسي إلى أزمة إرهاب دولي

بقلم : محمد علي صايغ


كان سقوط الاتحاد السوفيتي إيذانا بانتهاء الحرب الباردة وتوقف الصراع بينه وبين أمريكا والغرب . وبانتهاء هذا الصراع وسقوط عدو الغرب بدون إطلاق طلقة واحدة لإسقاطه ، فإن الواقع الغربي والأمريكي كان يحتم عليه إيجاد عدو بديل ولو وهمي او مصنع من اجل تصدير المشكلات الداخلية في الغرب وأمريكا وشد الولايات الأمريكية 52  وحشدها في مواجهة عدو خارجي للحيلولة دون تمزقها أو احتمال مطالبتها بانفصالها ، فكان الإرهاب المصنع هو العدو الذي بات - كما روجت له وسائل إعلامهم - يهدد ويقلق الأمن والسلم العالمي .
وفي سبيل التحكم بظاهرة الإرهاب رفضت الأوساط السياسية الأمريكية والغربية تحديد تعريف محدد للإرهاب ، حتى تكون قادرة على إلصاق التهمة بمن تشاء وتريد , مهما كانت الدوافع والأسباب ، دون أن تلزم نفسها بمعايير محددة للتفريق بين الإرهاب والتحرر الوطني مثلا .
وقد تجاوبت النظم الاستبدادية مع ظاهرة الإرهاب الدولية الذي تحول إلى منظومة سياسية لبث الكراهية والحقد وذريعة للتدخل في الدول أو السيطرة عليها ، في إلصاق تهمة الإرهاب بمن يعارض هذه النظم أو يخرج عليها حفاظا على استمرارها وإمساكها بالحكم ، وأصدرت القوانين وشكلت محاكم الإرهاب في مواجهة أي حراك شعبي أو معارض ضدها .
وفي مواجهة الحراك السلمي في سورية الذي طالب بالإصلاح وتغيير نمط الحكم وإطلاق الحريات ورفع الأحكام العرفية وتأسيس نظام ديمقراطي ، فإن سوء إدارة الأزمة من قبل النظام ومقاومة الحراك الشعبي بالعنف أدى إلى عنف مضاد ليتحول فيما بعد إلى صراع مسلح وإلى تدويل الصراع واستدعاء القوى الخارجية وتدخلها في الساحة السورية ، عبر منظمات وميليشيات تم تمويلها وتدريبها من طرفي الصراع ، لتتحول الأزمة السورية من أزمة سياسية في الحكم إلى أزمة عنوانها مكافحة الإرهاب والقضاء عليه سواء من النظام أو من القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في هذا الصراع  والتغاضي أو تأجيل البحث في أساس الأزمة السورية وتجاهل الإقرار بأن تفجرها كان بالأصل من اجل التغيير السياسي . وهكذا تجاوزت القوى الدولية الفاعلة في الأزمة السورية تنفيذ وتطبيق قراراتها الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي .
وفي مقابل هذا الإهمال الدولي ، كان لابد من شيطنة كل الحراك السوري تدريجيا عبر تصنيف المنظمات والمليشيات بين المعتدلة وبين المليشيات المتطرفة . ومع فقدان محددات للإرهاب المعتدل أو المتطرف أصبحت صفة الإرهاب انتقائية لكل طرف من أطراف الصراع على الأرض .

ومع تماهي المجموعات المسلحة بالتيارات الإسلامية والسلفية ،واضطرارها للتمويل ( مالي ، سلاح .. ) لاستمرار دورها ، و اضطرارها تبعا لذلك الارتباط بأجندات إقليمية ودولية مختلفة مما أدى إلى أن قرارات الحرب والسلم في الصراع العسكري الدائر أضحت مرتهنة بالجهات الداعمة لها ، والرضوخ لأوامرها . كما أن تعدد الداعمين والممولين والنزاع على المنافع والمصالح قد أغرقها بالفساد المالي ومنع توحيد جهودها بكيان واحد ، وكذلك فإن العديد من المجموعات وتحت إطار دعم الثورة لجأت إلى النهب وفرض الإتاوات في أمكنة تواجدها فافقدها بذلك الحاضنة الشعبية والاجتماعية الداعمة لأي عمل أو فعل تغييري . وكان رفع تلك المجموعات المتعددة وغير المنسجمة ميدانيا العلم الخاص بها بما أطلق عليه علم الثورة مقابل العلم السوري - علم الوحدة السورية المصرية - . ثم بعد ذلك في المراحل المتقدمة من الأزمة طغت الأعلام بتلاوينها الدينية والمذهبية على المشهد السوري برمته . كان ذلك إيذانا بتقسيم المجتمع إلى: مع ، وضد ، والى تقسيم الوطن ، وبالتالي فرز المجتمع إلى أضداد متناحرة بدل تجميع أبناء الوطن كله ، معارض ومؤيد تحت شعار التغيير الوطني الديمقراطي والتحول إلى الحكم المدني على أساس قيم المواطنة المتساوية .
ولقد أثبتت الأحداث الدموية المتلاحقة في سورية والعالم ، أن الإرهاب ليس له دين أو وطن أو هوية  . كما أثبتت الأحداث أيضا أن الإرهاب لا يمكن اعتباره عملا فرديا استثنائيا ، بل يدخل في منظومة بث الكراهية والحقد والخوف وإعداد برمجة عقلية ونفسية للأفراد والمجموعات ، والقيام بتضخيم النزعات الدينية والتعصب الديني والعنصري ، من قبل جهات دولية متخصصة  ، وتخصيص ميزانيات خاصة لتمويله واستخدامه أداة للتحكم والسيطرة على الشعوب ونهب خيراتها .
ولا شك أن القضاء على ظاهرة الإرهاب ومواجهة التنظيمات والمليشيات الإرهابية المسلحة  ومخلفاتها الذهنية والعقلية المتطرفة التي ركبت ظهر الأزمة السورية ، لا يمكن أن تتم من قبل القوى والأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني بالعنف أو المواجهة المسلحة . كما أن مواجهته تتطلب تعاونا إقليميا ودوليا من منظمات المجتمع المدني والدول الحريصة على القضاء على حواضنه وداعميه وتجفيف منابع التمويل له . ولذلك فإن هذه المواجهة يجب أن تنصب على ما يأتي :
1- على القوى السياسية الوطنية توحيد جهودها للعمل معا من اجل إعادة إطلاق المطالبة بالتغيير الوطني الديمقراطي السلمي وحشد كل الطاقات من أجل هذا الهدف , وعلى أساس الحل السياسي التفاوضي وفق المرجعيات الدولية .
2- تعزيز الحقوق السياسية والاجتماعية وسيادة القانون عبر التحول الديمقراطي ، ومعالجة المظالم السياسية والاجتماعية . وخاصة المعالجة البنيوية القائمة على السياسات الاقتصادية القائمة على الفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية وسوء توزيع الثروة ، والفساد الحكومي والإداري , والتي تشكل بمجموعها عوامل تستغلها الجماعات المتطرفة وحواضنها لكسب التأييد لها .
3- مكافحة الجريمة المنظمة وإرساء أسس الصراع السياسي السلمي ، والمتمثل بإجازة الاحتجاج والتظاهر السلمي الملتزم بالقانون والدستور والرافض لأعمال العنف
4- بذل الجهود  لمكافحة التطرف والتعصب ومواجهته بفكر عصري من خلال التثقيف ، وتعزيز الحوار العام في المجتمع ، وفي مختلف وسائل الإعلام والانترنت والمعلوماتية لوقف تنامي الإرهاب ومحاصرته وإنهائه , مع التمييز  بين إجراءات الحرب على الإرهاب وبين حقوق الإنسان  .
5- لا يمكن مكافحة الإرهاب بالقوة العسكرية الصماء فقط  دون خيار سياسي يركز على فصل الحواضن والملاذات التي ترتكز عليها التنظيمات الإرهابية , ذلك لان هذه التنظيمات تراهن دائما على المواجهة العسكرية مع خصومها في ظل الأوضاع المختلة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا لكسب مزيد من المؤيدين لها .
6- أهمية الضغط من المجتمع الدولي في عقد مؤتمر دولي يحدد بوضوح تعريف الإرهاب , والتمسك بالاتفاقات الدولية في الأمم المتحدة التي تهدف إلى مكافحته وردعه , مع عدم الخلط بين العمليات الإرهابية وبين حركات التحرر الوطنية للخلاص من الاحتلال وتمكين الشعوب من ممارسة حقها في تقرير مصيرها .
7- للعوامل الخارجية الداعمة والمسببة لظاهرة الإرهاب  دور في تنامي الإرهاب ودعمه , وكذلك وجود نظام دولي جائر يقود إلى خلق حالات من الغضب والعداء المتمثل بحالات التنافس والصراع الذي تشهده الساحة الدولية عامة ، في وطننا السوري خاصة ، بسبب موقعه الجيوسياسي المتميز . 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0