الرئيسية | مساهمات القراء | الانتقال السياسي مرتكز لإنقاذ سوريا من التقسيم

الانتقال السياسي مرتكز لإنقاذ سوريا من التقسيم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الانتقال السياسي مرتكز لإنقاذ سوريا من التقسيم

الكاتب : محمد علي صايغ

 

بعد أن شارفت عملية الانتهاء من الحرب المسلحة  في سورية بين النظام والمجموعات المعارضة والمنظمات الارهابية على نهايتها ، تحركت الدول الفاعلة الاقليمية والدولية لرسم خطوط مصالحها على الخريطة السورية ، وكل منها يستخدم نفوذه وقدراته وموقعه في بازار الاستحصال على مناطق نفوذ عبر دعم القوى المحلية واستخدامها اداة في لعبة التوازنات فيما بينها ، وفرض أجندتها ولعب أوراقها سواء في إطار تكويع السياسة الاقليمية ووضعها في مسار استراتيجيتها الدولية او المقايضة عليها في صفقات على مواقع اخرى لها اهميتها الكبرى في الحسابات الدولية .

ونظرا لموقع سورية الجيوسياسي وتزاحم وتصارع المصالح الدولية على أرضها ، طالت الحرب السورية ، ولم تنتهي الى اليوم بسبب تعقيدات الوضع السوري ، وتعقيدات الحرب التي دفعت بها القوى الفاعلة للوصول بسورية الى ماوصلت اليه من دمار وقتل وهجرة وتهجير ، في محاولة منها لانتاج الدولة الفاشلة تمهيدا لتقسيمها ووضع يدها عليها عبر مناطق نفوذ تبدت لدى الكثيرين انها اصبحت واقعا لا يمكن الفكاك منه.

وكان يمكن أن تجري عمليات التقسيم بسرعة خاصة في شمال سورية ، لولا الدول الاقليمية المحيطة أو المحاذية لسورية وما ينعكس سلبا في حال وجود دويلة كردية او حكم ذاتي ناجز على امنها القومي المباشر ، مما فرض تعديلا في التصور الدولي قد يكون مؤقتا أو غير مؤقت في الوضع النهائي لمنطقة شرقي الفرات والشمال المحاذي للحدود التركية وفق ما اطلق عليه المنطقة الآمنة او العازلة او الامنية  ..والتي تريدها تركيا  بعمق 32 كم تحت ادعاء الحفاظ على الأمن القومي من المجموعات الارهابية المناوئة لتركيا ، والتخفيف من عبء اللاجئين السوريين في تركيا بإسكانهم في تلك المنطقة الآمنة . والتي قابلته روسيا بالتمسك باتفاقية اضنا عام 1998 باعتبارها كافية للحفاظ على الأمن القومي التركي ، ودخول امريكا على خط المبازرة السياسية مع تركيا من اجل اعادة الاستدارة التركية باتجاه الحلف الأمريكي وإيقاف تدحرجها بالاتجاه الروسي وعلى حساب السيادة الوطنية السورية

تزامن قبل كل ذلك مع القرار الأمريكي الانسحاب الفوري من سورية ثم تعديل هذا القرار بتصويت الكونجرس بفتح المدة الزمنية لانسحاب الجنود الأمريكيين مع بقاء النفوذ لها والسيطرة عبر كل ادواتها  على شرقي الفرات .

وإذا كان النظام والمجموعات الارهابية المرتبطة بأجندات دولية يتحملان المسؤولية  بما وصلت اليه الاوضاع في سورية ، خاصة فشل النظام في إدارة التعامل مع الانتفاضة الشعبية السلمية ومواجهتها بالعنف المفرط فولد عنفا مضادا ادخل سوريا في حالة حرب واحتراب امتدت لسنوات وساهمت في تدويل الملف السوري وفتح الباب على مصراعيه امام العبث الدولي في الملف السوري والتدخل الأجنبي في نزع السيادة الوطنية وفتح شهية الدول النافذة والفاعلة الى عقد الصفقات على حساب الوطنية السورية ، فإن الدفع التركي الجديد لتحقيق مناطق آمنة او عازلة على الارض السورية ضمن سياق محاولة عقد الصفقات مع الفاعلين في الملف السوري ماهو إلا جزء من التفاهمات الدولية في تحديد شكل الدولة السورية السياسي والدستوري بعد الاتفاق على حدود ومساحة وحجم مصالح الدول المتدخلة في سورية  .

ويبدو أن تركيا تحاول مسك عصا التوازنات الدولية من المنتصف . كما ان الدول الاخرى تعمل على امساك او تطويع الورقة التركية وغيرها للحصول على أكبر قدر من الجوائز لمصلحتها . مما يعطي الانطباع بأن حل الأزمة السورية مؤجلا في المدى المنظور .

وما يؤكد هذا الانطباع النتائج المتحصلة من مؤتمري سوتشي ووارسو اذ ان محصلة المباحثات فيهما لم تصل الى نتيجة واضحة بسبب عمق التعقيدات في الملف السوري .

فلا زالت تركيا تصر على المنطقة الآمنة ، والخلاف الروسي والإيراني على عمق المساحة في الشمال السوري ، وكيفية حل المشكلة الكردية التي تراها تركيا من زاوية امنها القومي . وقد اعتبر اردوغان " ان اي ترنح صغير في المسألة السورية ستكون تكاليفه باهظة في المستقبل ." وأكد وزير الدفاع التركي باهمية اخراج تنظيم الوحدات الكردية من شمال سوريا وبانه   " يجب ان لا يتحول الفراغ الذي سيحدث عقب الانسحاب الامريكي من سورية الى منطقة آمنة للإرهابيين " . وهذا الإصرار التركي على المنطقة الآمنة في الشمال قد يكون ثمنه التخلي عن إدلب في عملية مبادلة سياسية مع الجانب الروسي ، يقف دونها او يعرقلها الجانب الامريكي .

وبالرغم من توافق الروسي الأمريكي  على الخطوط العامة في سورية إلا أنهم مازالوا مختلفين على التفاصيل وحجم الجوائز الناتجة عن تدخلهما في الملف السوري .

وقد أكد وزير الخارجية البريطاني هذا التوافق عقب مؤتمر وارسو بقوله : هناك امكانية لإعادة التموضع في التحالفات لمعسكرات مختلفة ، ليس هذا بالضرورة سلبيا" ، لا أرى أن هناك معسكرين متخاصمين ( وارسو وسوتشي ) ، وعلى كل طرف ان يلعب دوره للوصول الى الاستقرار وإنهاء الصراعات . "

وبالمقابل فإن أمريكا لن تخرج أيضا من سورية بدون ضمان مصالحها وضمان تموضع حليفها الكردي ، والمساومة مع تركيا عليه . والمساومة مع الجميع على إنهاء الدور الايراني في سورية . ومن بوابة الوجود الايراني دخلت اسرائيل لتسرح وتمرح كلاعب مضاف إلى اللاعبين الأساسيين ، تحت مظلة شكلية عنوانها محاربة الوجود الايراني .

وفي ظل هذه التجاذبات والتوازنات يبدو الجميع باستثناء الامريكي في مأزق ، اذ ان روسيا تحاول انجاز تفاهم بين أطراف سوتشي ، ولكنها في مأزق الارضاء التركي واخراج إيران تحت الضغط الامريكي والاسرائيلي ، وإن كان الخروج الايراني قد يصب في المدى البعيد في مصلحتها . وتركيا في مأزق التفاهم مع روسيا في الشمال ورفض أمريكا التخلي عن الاكراد بدون ثمن باهظ . هذا عدا عن ان المؤشرات تدل على ان الانسحاب الأمريكي شكلي من شرق الفرات . وكما يبدو لن يتخطى الانسحاب الامريكي في المدى المنظور الألفي جندي من شرق الفرات ، مع بقاء الدور الأمريكي فاعلا في التحكم بالتوازنات عن بعد . تحت غطاء استكمال محاربة الإرهاب ومحاصرة وإخراج إيران من المنطقة وصولا الى إرغامها على قبول الشروط الامريكية في الملف النووي ، ولا مانع لدى امريكا عندئذ ( عندما تقبل ايران بالشروط الأمريكية ) من أن يتمدد الدور الايراني في سورية والمنطقة وهذا ما فعله الرئيس أوباما بعد الاتفاق النووي عندما قبل بالتغلغل الايراني وأعاد الأموال المجمدة لها ، ليعلن عقب ذلك عن تخليه عن الملف السوري .

ويبقى في خضم كل هذه الصراعات الدولية أن نؤكد على وطنيتنا الرافضة للتدخل الخارجي من اية دولة او اية جهة كانت  وخروج كافة القوات الاجنبية بكافة اشكالها من الاراضي السورية منعا لتقسيمها ، و حفاظا على وحدة سوريا أرضا وشعبا ودولة ، وهذا يتطلب حوارا داخليا من كل الأطراف السورية وصولا الى مؤتمر وطني عام يضم كل السوريين بمختلف قواهم واطيافهم ، والعمل معا من اجل انجاز الانتقال السياسي وفق المرجعيات والقرارات الدولية وبما يضمن تحقيق نظام وطني ديمقراطي تداولي ،  بعيدا عن أي فرض لأوضاع جديدة تنتهك السيادة السورية او تنتزع اجزاء من اراضيها كجوائز ترضية عبر تسويات فيما بين الدول النافذة في الملف السوري على حساب المصلحة الوطنية والسيادة الوطنية  لبلدنا .

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0