الرئيسية | مساهمات القراء | التفاوض وحل النزاعات الجزء الاول

التفاوض وحل النزاعات الجزء الاول

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
التفاوض وحل النزاعات الجزء الاول

إعداد : علي صايغ

 

النزاع البشري لم يكن يوما منحصرا في زمن أو مرحلة معينة في تاريخ البشر , وانما بدأ مع بدء الخليقة حينما تعرف الانسان على الآخر من بني جنسه , فكان التفاوض هو الآلية لحل النزاع الحاصل وتجاوزه . ثم تطور مفهوم التفاوض في حل النزاعات الى ان اصبح له اسسه واهدافه واستراتيجيات تخدم الوصول الى حل النزاعات , التي كانت الحروب قبلا هي الاساس في حسم تلك النزاعات , لتكتشف البشرية ان الحروب ليس فيها رابح فعلي , والرابح فيها يهدر المال والقوى البشرية , وتخلف المآسي الاجتماعية , وفي المحصلة الاخيرة فان الربح والخسارة نسبي ولا يوجد في الحروب نصرا كاملا , فكان لابد للبشر خاصة مع تنامي الحروب واتساعها من ادراج السلام والتفاوض من اجله كوسيلة فعالة للوصول الى اتفاق بين القوى المتنازعة للتقليل من خطر الحروب والنزاعات ونتائجها . ومن هنا ارسى القانون الدولي طرقا لحل النزاع بين الدول وعمد الى احداث مؤسسات دولية للمساهمة في الحد من الحروب والنزاعات .

فالنزاع بالتعريف هو : صراع بين جانبين أو اكثر بمصالح ورهانات مختلفة أو ادراك مختلف لها , ومعيار كل طرف في النزاع دائماً : لا نريد الخسارة ابداً , أو نريد الفوز بأي ثمن , أو كلتا الحالتين معا

ويعتبر النزاع دوليا حينما يقع خلاف بين دولتين أو اكثر حول نقطة واقعية أو قانونية أو تناقض وتعارض المنافع , ويحكمها القانون الدولي , أما النزاع بين أفراد من جنسيات مختلفة أو نزاع بين دولة وافراد من جنسيات أخرى فلا تعد نزاعات دولية وانما نزاعات يحكمها القانون الدولي الخاص . وقد ترتقي أو تتوسع بعض النزاعات الداخلية في ان تأخذ طابعا دوليا حينما يخرج حلها عن النطاق الداخلي ويتم تدويلها عن طريق المؤسسات الدولية . ولا ترتقي النزاعات الداخلية لتصبح نزاعات ذات طابع دولي ( تدويل النزاع ) الا اذا توفرت شروط حددتها المادة الثالثة من البرتوكول الثاني الخاص بالنزاع المسلح وهي :

أ‌- لا بد للطرف المناهض للحكومة المركزية من تنظيم عسكري فيه قيادة مسؤولة عن سلوك مرؤوسيها , وله نشاط على ارض معينة ويكفل احترام الاتفاقيات

ب‌- اعتراف الحكومة بانها في حالة حرب واعترافها بصفة المحاربين المناوئين لها , ولجوء الحكومة الشرعية الى القوات العسكرية لمحاربتهم وتعبر عن استعدادها لاحترام القوانين

ت‌- للطرف المناهض للحكومة نظام تتوفر فيه خصائص الدولة , وتلتزم السلطات المدنية بمراعاة احكام الاتفاقيات , وان تباشر هذه السلطات سلطة فعلية على السكان في جزء معين من التراب الوطني

ث‌- إدراج النزاع على جدول اعمال مجلس الامن أو الجمعية العامة للامم المتحدة بصفته مهددا للسلام الدولي أو خارقا له أو يشكل عملا عدوانيا . وبموجب ذلك تصدر تلك المنظمات الدولية قرارات تحدد شكل وطريقة حل النزاعات عن طريق المفاوضات .

فالتفاوض هو الجهد الذي يقوم به أطراف النزاع وغالبا ما يتم عن طريق وسيط دولي , بهدف ادارة أو حل النزاع , لكن ليس كل نزاع قابل للتفاوض , اذ ان نضج النزاع ووصوله الى مرحلة معينة يفسح المجال لان تكون فرص التفاوض والوصول الى حلول أفضل من استمرار النزاع . في حين ان الوساطة تقوم على جهد طرف ثالث مستقل عن اطراف النزاع الرئيسية والثانوية , ويتسم بالحيادية لمساعدة الاطراف على ادارة النزاع وحله , وشرعية الوسيط تكون من قبول طرفي النزاع تدخله للوصول الى اتفاق بينهما . وأيضا من طرق حل النزاع اتباع اسلوب التحكيم كأحد الاساليب السائدة في النزاعات الدولية الذي يقوم به طرف ثالث منوط به اصدار قرارات ملزمة , والزام الاطراف باتخاذ خطوات ادارة وحل النزاع بينهم .

وهنا يجب التفريق بين التفاوض والتشاور والمساومة . اذ ان التفاوض تعريفا هو تلك العملية الخاصة بحل النزاع بين طرفين أو اكثر يقوم من خلالها الاطراف بتعديل طلباتهم بغرض التوصل الى تسوية مقبولة تحقق المصلحة لكل منهما . في حين ان التشاور هي مناقشات الغرض منها الافصاح عن معلومات حول مسألة معينة أو الافصاح عن وجهات نظر حول مسألة معينة قد يصل في بعض مراحل المشاورة الى التزام قانوني يؤدي الى رسم سياسات وبرامج ومشروعات بناء على التوافق بينهم . أما المساومة فهي عملية نفعية محضة , اذ يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب على حساب خسارة الطرف الآخر .

وللتفاوض طريقان : التفاوض المباشر : وفيه تجتمع أو تجلس الاطراف المتنازعة على طاولة التفاوض وتباشر عملية التفاوض الشفهي التي تقود الى نتائج كتابية تلزم اطرافها حين التوقيع عليها , وتبقى المفاوضات الشفوية غير منتجة ولا ملزمة , ولا تخرج عن كونها تبادل الرأي اذا لم تتحول الى محددات كتابية يتم التوافق عليها . أما التفاوض غير المباشر فيكون عبر طرف او اطراف تشكل قوى ضاغطة على طرفي النزاع وذلك لاعتبارات مصلحة الطرف الضاغط أو ما يحدثه النزاع من اضرار على هذا الطرف الضاغط أو الخطر الذي يمكن ان يحدثه النزاع على الامن والسلم الدوليين .

عناصر التفاوض الرئيسية :

اولا : الموقف التفاوضي : يفترض ان يكون الموقف التفاوضي ديناميكي يقوم على الفعل ورد الفعل ايجابا أو سلبا , وان يتضمن درجة عالية من التكيف السريع والمستمر والتجاوب مع المتغيرات المحيطة بالعملية التفاوضية . هذا الموقف التفاوضي يفترض ان يتضمن مجموعة من العناصر الهامة هي :

1- الترابط : وهذا يستدعي تحديد المستوى الكلي لعناصر القضية التي يتم التفاوض عليها , أي ان يكون الموقف التفاوضي ( كل ) عام ومترابط , مع تسهيل الوصول الى عناصره وجزئياته .

2- التركيب : الموقف التفاوضي يجب ان يتركب من جزئيات وعناصر يسهل تناولها في اطارها الجزئي والكلي , مما يساعد هذا الفصل والتركيب في العملية التفاوضية .

3- الاتساع المكاني والزماني : ويتحدد من خلاله المرحلة التاريخية وطبيعتها والمدد الزمنية لها , والمكان الجغرافي وحدوده وطريقة التعامل معه في إطار القضية التفاوضية .

4- امكانية التعرف والتمييز : يجب ان يتصف الموقف التفاوضي بصفة امكانية التعرف عليه وتحديده وتمييزه دون غموض أو لبس , ودون فقد لأي من اجزاءه أو أي بعد من ابعاده أو معالمه .

5- التعقيد : ولان الموقف التفاوضي معقد حيث تتفاعل داخله مجموعة من العوامل والابعاد والجوانب التي يتشكل منها , فيجب الالمام الشامل بهذا كله حتى يتم التعامل مع الموقف ببراعة ونجاح .

6- الغموض : ويطلق عليه ( الشك ) , وبما ان الشك يرتبط بنوايا ودوافع واتجاهات ومعتقدات الطرف المفاوض , فان الشك والغموض التفاوضي النسبي يدفع المفاوض الاخر الى تقليل دائرة عدم التأكد عن طريق جمع المعلومات والبيانات التي تكفل توضيح الموقف التفاوضي .

ثانيا : أطراف التفاوض : التفاوض عادة يتم بين طرفين , وقد يشمل اكثر من طرفين تبعا لتشابك المصالح وتعارضها بين الاطراف المتنازعة . كذلك يمكن تقسيم اطراف التفاوض الى أطراف مباشرة التي تجلس الى طاولة التفاوض وتباشر فعلا عملية التفاوض , والى اطراف غي مباشرة وهي الاطراف التي تشكل قوى ضاغطة على طرفي التفاوض لوجود مصلحة لها في انهاء النزاع أو لعلاقة خاصة بطرفي النزاع او احدهما .

ثالثا : القضية التفاوضية : لكل تفاوض قضية أو موضوع يمثل محور العملية التفاوضية , وقد تكون القضية انسانية عامة أو قضية شخصية أو اجتماعية أو قانونية أو اقتصادية أو سياسية ... ومن خلال القضية المتفاوض بشأنها يتحدد الهدف التفاوضي وغرض كل مرحلة من مراحل التفاوض بل والنقاط والاجزاء والعناصر التي يتعين تناولها في كل مرحلة من المراحل والتكتيكات والادوات والاستراتيجيات المتعين استخدامها في كل مرحلة من المراحل .

رابعا : الهدف التفاوضي : لا تتم عملية التفاوض بدون هدف اساسي تسعى الى تحقيقه أو الوصول اليه , وتوضع من اجله الخطط والسياسات . فبناء على الهدف التفاوضي يتم قياس مدى تقدم الجهود التفاوضية في جلسات التفاوض , وتعمل الحسابات الدقيقة وتجرى التحليلات العميقة لكل خطوة . ويتم تقسيم الهدف التفاوضي العام أو النهائي الى اهداف مرحلية وجزئية وفقا لمدى اهمية كل منها ومدى اتصالها بتحقيق الهدف الاجمالي او النهائي .

في الجزء الثاني سنتناول شروط التفاوض , ومبادئ التفاوض , انواع التفاوض , ومحددات نجاح التفاوض , والمهارات الاساسية للتفاوض ....

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0