الرئيسية | مساهمات القراء | الارهاب ... وقانون جاستا الامريكي

الارهاب ... وقانون جاستا الامريكي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الكاتب المحامي محمد علي صايغ

 

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة بينه وبين القطب الامريكي الغربي , كان لا بد ان تقوم السياسة الامريكية بإعادة ترتيب اوراقها سياسياً وعسكرياً , وفقاً للتحول في موازين الصراع الدولي الجديد . فبعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية كان لا بد من أجل شد الدول الغربية الى مركز القيادة الامريكية توجهَا بايجاد عدو حقيقي أو صناعة عدو وهمي لإبقاء دول العالم الغربي يدور بفلكها , هذا عدا أن التركيبة البنيوية المتنوعة وغير المنسجمة للولايات المتحدة التي تتشكل منها الدولة الامريكية تتطلب أيضاً لتماسكها واستمرار بقائها وانشدادها لبعضها في دولة مركزية موحدة خلق عدو خارجي يوحدها في مواجهة الخطر الخارجي المفترض , فكان خطر الارهاب الذي عمدت الولايات المتحدة الامريكية الى تحويله الى خطر دولي وتمويله على اسس ايديولوجية متشددة وإلباسه ثوباّ اسلامياً متطرفاً من أجل أن يتمحور الصراع الدولي على اساس الحرب ضد الارهاب . وقد تعددت تعاريف الارهاب واختلفت وفقاً لنظرة الدول الكبرى ومصلحتها في دعمه أو الوقوف ضده . 
وقد عرف البعض الارهاب على انه استخدام العنف – غير القانوني – أو التهديد به لتحقيق اهداف سياسية سواء من الحكومة أو الافراد أو الجماعات الثورية والمعارضة . فيما اعتبر لفظ الارهاب بأنه يفيد باستخدامه وسيلة لنشر الذعر والتخويف باستعمال وسائل عنيفة لتحقيق اهداف سياسية . فيما اعتبرت الاستخبارات المركزية الامريكية في تعريفها للارهاب بانه " التهديد الناشئ عن عنف من قبل أفراد أو جماعات " , أما مكتب التحقيقات الفيدرالي فيعرفه بانه " عمل عنيف أو عمل يشكل خطراً على الحياة الانسانية وينتهك حرمة القوانين الجنائية في اية دولة " , في حين تعرفه وزارة العدل الامريكية بانه " سلوك جنائي عنيف يقصد به التأثير على سلوك حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف " . 
التعاريف آنفة الذكر لم تتعرض الى ارهاب الدولة الذي يراه البعض احد المحركات الاساسية لإرهاب الافراد والجماعات اذ يتصاعد ارهابهم مع تصاعد الارهاب الحكومي الذي تستخدمه الحكومة لتجنيبها – كما تزعم – مخاطر الحروب والمواجهة العسكرية المباشرة مع الدولة الخصم . اذ يعتبر البعض ان الدولة يجب ان تكون بمعزل عن كل اتهام يطول غاياتها وبنيانها . 
وقد عرف ارهاب الدولة بأنه استعمال الدولة لوسائل العنف بانتظام لإثارة الرعب لتحقيق أهداف سياسية – الاحتفاظ بالسلطة أو منع المعارضة – والتي تعجز الطرق السلمية عن تحقيقها . فيما عرفه بعض آخر بأنه استخدام الدولة لدرجة كثيفة وعالية من العنف ضد المدنيين لإضعاف أو تدمير إرادتهم في المقاومة أو الرفض . ومثالها : اسرائيل تجاه الفلسطينيين , امريكا بإبادتها للهنود الحمر , قنبلتي هوروشيما وناغازاكي . 
وبصدور قانون جاستا الامريكي الذي تم تصديقه والعمل به من الكونغرس الامريكي ليوسع حدود مفهوم الارهاب واعتبر " قانون العدالة ضد رعاة الارهاب " وحددت المادة الثالثة منه بأنه لن تكون هناك دولة اجنبية محصنة أمام السلطات القضائية الامريكية من أي قضية يتم فيها المطالبة بتعويضات مالية من دولة اجنبية نظير اصابات مادية تلحق بأفراد او ممتلكات أو نتيجة لحالات وفاة تحدث داخل امريكا وتنجم عن فعل ارهابي أو عمليات تقصيرية أو افعال تصدر من الدول الاجنبية أو اي مسؤول أو موظف او وكيل بتلك الدولة اثناء فترة توليه منصبه بغض النظر اذا كانت قد تمت أم لم تتم . أما المادة السادسة فتعتبر ان للولايات المتحدة الامريكية مصلحة حقيقية في تحديد الاشخاص أو الجهات أو الدول التي تتعرض للإصابة جراء هجمات ارهابية داخل امريكا بالمثول امام النظام القضائي , سواء قامت تلك الجهات بتقديم دعم مباشر أو غير مباشر الى اشخاص أو منظمات تعتبر مسؤولة عن الاصابات التي لحقت بهم " . 
إن هذا القانون يفتح الباب واسعاً للدول الأخرى لاستصدار قوانين مماثلة , وقد يترتب على ذلك فوضى في العلاقات الدولية , وبما يتجاوز اتفاقية جنيف الرابعة 1949 التي حددت الأعمال الارهابية في ثلاث صور : 1- جرائم الحرب 2- جرائم ضد الانسانية 3- جريمة ابادة الجنس البشري . وكان الأجدى بالمشرع الامريكي أن يدعم هذا القانون في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتتبناه ويصبح قانوناً دولياً يحاكم كل الدول من خلال تحقيق دولي وعن طريق لجان دولية تتشكل من محققين مهنيين ومحايدين وضمن اجراءات محددة . هذا عدا ان هذا القانون ( جاستا ) يعتبر : 1- تجاوز على قواعد قانونية تتعلق بالسيادة للدول . 2- تجاوز على الشرعية الدولية التي تحرم امتداد الجريمة لغير فاعلها تحت مبدأ أن الجريمة والعقوبة شخصية وعدم جواز تحميل الدولة ككيان سياسي المسؤولية الجنائية عن رعاياها . 3- خرقاً للعلاقات الدولية ولاتفاقات فيينا حول العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وتسليم المجرمين ومحاكمتهم والتي لا تجيز لأي محاكم اجنبية مقاضاة الدول 4- سابقة خطيرة في السلم العالمي وما قد ينجم عن ذلك من فوضى قانونية في التشريعات المماثلة . 5- تأثيره على الولايات المتحدة الامريكية – كما حذر الرئيس الامريكي اوباما – تحت اطار مبدأ المعاملة بالمثل باستصدار تشريعات مماثلة وقيام رعايا الدول بالدخول في منازعات قضائية مع الدولة الامريكية . وضمن هذا الاتجاه فان سياسة الولايات المتحدة الامريكية وخشية من ملاحقتها سابقا بدعاوى الارهاب فقد عارضت جهود الجمعية العامة للأمم المتحدة لتحديد الارهاب وتحديد معايير له لأنها لجأت في حالات عدة الى ارهاب الدولة , وقد استخدمت اسلوب الارهاب في العديد من الحالات ( اختطاف امريكا للطائرة المصرية في الاجواء الدولية 1985 , واختطاف الطائرة الكويتية مما ادى لمصرع 17 شخصا من ركابها 1985 , وقيامها بغزو غرينادا 1983, وقصف ليبيا 1986 , واقتحامها عاصمة بانما واعتقال رئيسها 1989 , وقامت امريكا من عام 1960 -1964 باختطاف 40 طائرة كوبية , هذا عدا عن احتلال العراق وافغانستان والقصف الجوي على الصومال للقضاء على المحاكم الاسلامية , وبذات الاتجاه قيام اسرائيل في العبث بالشعب الفلسطيني من مجزرة دير ياسين واغتيال المبعوث الدولي برنادوت 1948 ووزير الدولة البريطاني اللورد موين , وقتل 96 في مجزرة قبية ومجازر صبرا وشاتيلا وتصفية قيادات منظمة التحرير بتونس ثم مجزرة قانا والغزو الاسرائيلي للبنان وغيرها كثير .. )
ويبقى الارهاب – سابقاً وحالياً – حمال أوجه , ووسيلة أو سلاحاً في القمع الفكري والسياسي للأنظمة الدكتاتورية التي تعمد تحت يافطته بتجريم المواطنين الساعين لدرء الظلم الواقع عليهم باعتبار فعلهم يعادي الدولة والوطن , ويعكر حياة المواطنين , ويخل بالأمن ويخرج عن النظام والقانون . كما تستخدمه الدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الامريكية في مواجهة الدول الضعيفة لفرض هيمنتها وانصياعها لها , وزرع الخوف من تصنيفها دولاً ارهابية , والخشية من ملاحقتها " ببعبع " الارهاب ووصمها به , واتخاذ العقوبات بحقها تبدأ بحرمانها من أفضلية التعامل التجاري وحرمانها من معوناتها أو منع القروض الدولية عنها , وقد تنتهي بفرض الحصار الاقتصادي أو تطبيق قانون جاستا الأخير أو توقيع العقوبات العسكرية التي قد تقود الى التدخل العسكري , والضغط على الحكومات التي تدور بفلكها للاقتداء بها بدون التمييز بين " حرب التحرر الوطني للشعوب " أو " الحرب الثورية " في مواجهة نظم الاستبداد , وبين ارهاب الدولة أو الدول تجاه تلك الحركات تحت مزاعم " المحافظة على النظام الدولي " أو رعاية " للسلوك الدولي المتحضر " أو من أجل " استقرار السلم العالمي " وفق معايير عالم لا يحكمه إلا الاقوياء , ويستهتر ولا يحترم عالم الضعفاء .

ملاحظة : المقال المنشور لا يعبر بالضرورة عن راي الصفحة أو راي الحزب إنما يعبر عن راي كاتبه .

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0