الرئيسية | المـكـتبــــة | ترجمات | معوقات وقف إطلاق النار في سوريا يمكن قهرها

معوقات وقف إطلاق النار في سوريا يمكن قهرها

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

دفيد أوين


يشكل المؤتمر الخاص بسوريا المزمع عقده في 22 يناير (كانون الثاني) في سويسرا، والذي يجتمع فيه وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأمل الوحيد المتبقي للتوصل إلى اتفاق سريع لوقف إطلاق النار. لكن إنجاز هذا الأمر سيكون صعبا للغاية.

من ناحية إنسانية، يشكل التوصل إلى اتفاق حقيقي يمكن مراقبته لوقف إطلاق النار ضرورة حتمية، بيد أن سياسة الواقع - كما يزعم البعض- تعني عدم إمكانية التوصل إلى وقف إطلاق النار حتى نصل إلى مرحلة الإنهاك أو تحقيق الانتصار. وعلاوة على ذلك، فإن رسم خطوط وقف إطلاق النار يكون له صفة دائمة، بما يؤدي إلى شيء ما قريب جدا من التقسيم الفعلي كما هو الوضع في البوسنة والهرسك، أو ظهور دولة جديدة كما هي الحال في كوسوفو.

وعلى الرغم من ذلك، وصلت الحرب الأهلية في سوريا إلى مرحلة سيكون البديل الوحيد لوقف إطلاق النار فيها هو جر البلاد إلى حالة قتال حتى الموت، وهو الأمر الذي يتمناه المتعصبون، بينما يستنكره المدنيون. وفي ظل التورط العسكري لإيران، لا تبدو هناك دلائل على اقتراب نهاية هذا الصراع في المستقبل القريب.

تتمثل المشكلة المتعلقة بخطوط وقف إطلاق النار في مدى الصعوبة الشديدة لرسم تلك الخطوط. فهناك القليل، إن وجد، من الخطوط الواضحة المعالم. وبناء على ذلك، فليس لدى الأطراف - التي تتفاوض من أجل التوصل إلى حلول مع وجود وسطاء أو عدم وجودهم - سوى بدء هذه العملية، ويحتاج طرف ما أو منظمة ما طرح مبادرة بهدف التوصل إلى حل واضح يمكن أن تناقشه هذه الأطراف بعد ذلك.

توضح قائمة المشاركين في مؤتمر سويسرا أن هذا المؤتمر سيكون بالفعل مؤتمرا إقليميا، وهو ما يعد حقيقة فعلية. وما زال من غير الواضح ما إذا كانت إسرائيل وإيران ستكونان موجودتين على مائدة التفاوض أم لا. ونأمل أن يكون هذان الطرفان موجودين هناك. وليس هذا هو الزمان أو المكان الملائم للقوى غير الإقليمية لوضع خريطة، مثلما حدث لسوريا في مفاوضات السلام التي جرت في باريس في عام 1919. فبعد مرور خمسة وتسعين عاما على هذه المفاوضات، تصير هذه الخرائط مسؤولة جزئيا عن النزاع الحالي. ويجب أن يكون للمنطقة أي خريطة جديدة خاصة بها.

ومن خلال اجتماع تلك الأطراف معا، وفقا للتجارب الخاصة بجميع حالات النزاع الأخيرة، فهناك دروس متعلقة بسوريا يجب وضعها في الحسبان.

يجب علينا ألا نأخذ خطوات استباقية للتوصل إلى حل طويل الأجل بسبب عملية رسم خطوط وقف إطلاق النار على المدى القصير. وبالنسبة لرسم الخطوط، فهناك حالات تتمتع بمرونة أكثر بالنسبة لسبع أو ثماني حدود إقليمية داخلية في مقابل اثنين أو ثلاثة أقاليم.

ويجب علينا حماية الحدود الإدارية الموجودة حاليا بقدر المستطاع من أجل المساعدة في التغلب على التخريب والفوضى في الوضع الراهن. ويمكن أن يسمح هذا أيضا بوجود الكثير من اللاعبين مع الجماعات المحلية في عملية التفاوض.

وبالنسبة للوضع في سوريا، يبدو أن هناك ثلاث عقبات يصعب التغلب عليها. فهناك ثلاث مناطق يجب الاعتراف بها وتأمينها، مع ضرورة عدم انتهاكها بشكل أساسي.

أولا، سيتعين على السكان السنة الاعتقاد بأنهم سيظلون مسؤولين عن إدارة وأمن مدينة حماة، التي تقع الآن تحت سيطرة تنظيم القاعدة. وقد تعرضت مدينة حماة للقصف حيث دُمرت افتراضيا في عام 1982، عندما قُتل 15 ألف سني أو تعرضوا لإصابات خطيرة على يد قوات الرئيس حافظ الأسد.

ثانيا، يتعين على العلويين الاعتقاد، مع الرجوع إلى ما قبل عام 1925، أنهم سيظلون مسؤولين عن الإدارة والأمن من جبل الأنصارية إلى البحر الأبيض المتوسط ومدن اللاذقية وطرطوس وتلكلخ وحمص.

ثالثا، ينبغي على الأكراد أن يعرفوا أنهم، بالنظر إلى طروحات عام 1919 حول وطن قومي للأكراد والوعود التي لم تتحقق بشأن إقامة دولة لهم، سيتولون مسؤولية الإدارة والأمن للجزء الواقع في شمال شرقي سوريا والذي يشترك في الحدود مع تركيا والعراق.

أما بالنسبة للعاصمة دمشق وبعض الأجزاء من إقليم ريف دمشق، فيبدو أمرا مغريا أن يجري البحث عن بعض الآليات التي توفر إدارة مشتركة أو مستقلة، كما كان الحال بالنسبة لـ«سراييفو» في إحدى مراحل الصراع، لكن تاريخ التسويات فيما يخص ذلك الطرح ليس مشجعا بالمرة. ومع الأخذ في الاعتبار المعارضة القوية المحتملة التي ستبديها الأقليات الدينية تجاه وضعهم الأمني الهش، يبدو من الحكمة التمسك بالوضع الحالي، حيث ستبقى بعض الأحياء في العاصمة دمشق، لفترة من الوقت على الأقل، خارج حل يطرح إدارة مشتركة للمدينة.

وبالنسبة لحلب، التي تسيطر عليها القوات الحكومية، فإنه سيجري عقد صفقة صعبة للغاية بشأنها. ولكي تتنازل حكومة الأسد عن حلب، فسوف تطالب في المقابل بفرض سيطرتها على المناطق حول العاصمة دمشق حتى الحدود مع الأردن التي تخضع لقوات المعارضة.

وينبغي للدول التي تشترك في الحدود مع سوريا (تركيا ولبنان والأردن والعراق) أن يكون لها رأي في التقسيمات الإدارية، التي سبق الحديث عنها، بالشكل الذي يتلاءم معهم كجيران لسوريا. صحيح أنه لن تكون لهم الكلمة الأخيرة في سوريا، لكن توفر الثقة والعلاقات الجيدة ستشكل عوامل حاسمة على مدى عدة سنوات في استقرار سوريا، إذا ما أخذنا في الاعتبار مشاكل اللاجئين الكثيرة والحاجة المستمرة لتوفير المساعدات الإنسانية وقوافل المساعدات، لاسيما من دول الجوار.

وهناك دور مهم للأمم المتحدة ينبغي أن تضطلع به وهو مراقبة وقف إطلاق النار، خاصة إذا وافق الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن على إرسال فرق مراقبة. كما ينبغي أن تسمح فرق مراقبي الأمم المتحدة، الناجحة وذات العدد الكبير القريبة من سوريا، لأعضائها بالانتشار في مناطق الصراع بأسرع وقت ممكن، فقد أثبتت التجربة أن تأخير نشر المراقبين يؤدي في الغالب إلى نتائج سيئة.

غير أن شرح بعض التفاصيل المتعلقة بتلك الإجراءات يُعرض الأمر لخطر أن يبدو تحقيقه سهل المنال. فعلى أرض الواقع، تبدو المهمة مخيفة وصعبة التحقيق. كما أنه ليس هناك إمكانية لفرض وقف إطلاق النار عن طريق تدخل قوات خارجية. وهذا ما يفرض على المؤتمر إيجاد حلول قابلة للتطبيق.

ويمكننا من الآن أن نعلق الآمال على فرص التوصل لاتفاقية تضمن وقف المروحيات والطائرات الحربية من التحليق في سماء سوريا، وهو الأمر الذي يبدو تحقيقه ممكنا. ويتطلب وقف إطلاق النار أيضا السعي إلى إيجاد حوار يشهد تطورا ايجابيا بين القادة العسكريين على الأرض، الذين سينبغي عليهم إحكام السيطرة على عناصرهم المسلحة المارقة، من جهة وبين القادة السياسيين والمحليين من جهة أخرى.

وبالنظر إلى الواقع على الأرض، يمكن استنتاج أنه في ضوء تلك الترتيبات، سيقتصر حكم عائلة الأسد على نصف الأراضي السورية، وربما يصبح حتى حكم الأسد من قبيل الذكريات.

ربما يقول البعض أن تلك الطروحات مستحيل تحقيقها. لكن الأمر ليس كذلك، فقد سمعنا مرات ومرات أنه لن يجري التخلص من الأسلحة الكيماوية إلا من خلال ضرب سوريا، لكن عملية تدمير تلك الأسلحة شارفت على البدء بفضل التعاون بين روسيا والولايات المتحدة، وكذلك رفض كل من البرلمان البريطاني والكونغرس الأميركي لخيار ضرب سوريا. وعلى الجانب الآخر، تبدو إيران لديها فرصة لإظهار موقفها التقليدي كدولة ترضى بالعيش داخل حدودها. كما أن انعدام الثقة والمواقف العدائية التي ظهرت بسبب القضية الليبية بدأت في التلاشي، حيث بدأ أعضاء مجلس الأمن في العمل أخيرا مع بعضهم البعض.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0