الرئيسية | المـكـتبــــة | ترجمات | مشروع عربي للديمقراطية

مشروع عربي للديمقراطية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

آرون ديفيد ميلر باحث في مركز «ويلسون» الأميركي إدوارد جوزيف باحث في كلية هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس» الاثنيـن 19 اغسطس 2013 م صحيفة الاتحاد الاماراتية


برغم أنه لا يمكن تحميل الولايات المتحدة مسؤولية ما يجري حالياً من مواجهات عنيفة في مصر، فمن الواضح أيضاً أن مقاربة إدارة أوباما لانتفاضات «الربيع العربي» تعاني العطب، فالاضطرابات المزلزلة كتلك التي تهز الشرق الأوسط نادرة، والأندر منها أن تُتاح فرصة ثانية للتأثير في الأحداث وصياغة مخرجات التغيير. لكن مع ذلك هذا بالضبط ما تُوفره الأزمة الحالية في مصر، بحيث يتعين على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي توسيع نطاق رؤيتهما ليشمل أكثر من «الإخوان المسلمين» والجيش المصري وانتهاز الفرصة لاستحداث هيكل جديد يدعم التغيير الديمقراطي بالاشتراك مع مصر وباقي الدول العربية، وفي هذا السياق يمكن للدروس المستخلصة من أوروبا الشرقية ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن تقدم نموذجاً للتفكير، فبعد سقوط جدار برلين أطلق الرئيسان بوش وكلينتون جهوداً تاريخية لإدماج الكتلة الشرقية السابقة في المؤسسات الأطلسية، الأميركية منها والأوروبية، هذا الاحتضان المباشر من قبل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي أتاح نوعاً من التماسك للدول الشيوعية السابقة التي كانت تعيش مرحلة من التيه.

ورغم الصعوبات التي عطلت اندماجاً كلياً لتلك الدول في الاتحاد الأوروبي، فإن وجود هدف لدى الشعوب والمجتمعات لعب دوراً أساسياً في التخفيف من احتمالات الانحراف السياسي، وهكذا أدرك المواطنون في دول أوروبا الشرقية من البلطيق إلى البلقان، علماً أن خمس دول منها تضم عدداً مهماً من المسلمين، أن الخلافات يجب أن تحل ضمن مؤسسات الدولة.
والمشكلة مع العالم العربي أنه يفتقد لهيكل مشترك يضمن التوافق على أهداف وطموحات جامعة، الأمر الذي يجعل من العنف والاقتتال أمراً مألوفاً، فمصر وجيرانها، بمشاكلهم العديدة، هم في أمس الحاجة لرؤية جامعة تؤسس للمعايير الديمقراطية حتى في ظل وجود الاختلافات المهمة.
ومع أن العالم العربي لا تحركه رغبة قوية في الانضمام إلى المؤسسات الغربية سواء الاتحاد الأوروبي، أو حلف شمال الأطلسي، إلا أنه يستطيع الاستفادة من نموذج أوروبا الشرقية وانتقالها نحو الديمقراطية، وذلك من خلال استحداث الديمقراطيات الوليدة في العالم العربي لهيكلها الخاص العابر للحدود يكون هدفه الأول دعم الديمقراطية.
وعلى غرار الاتحاد الأوروبي في بدايته يمكن لاتحاد الديمقراطيات العربية تسطير أهداف محدودة ليتطور لاحقاً نحو غايات طموحة بما في ذلك تأسيس اتحاد سياسي عربي. ومن شأن التفكير في مؤسسة لا تكتفي فقط بالتعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل تعمل أيضاً على منافستهما أن يحفز الشعوب والسياسيين من جميع المشارب، الإسلاميين منهم والعلمانيين، أو حتى الأقليات الدينية التي تشترك جميعاً في هدف الكرامة العربية، ولن تكون المؤسسة الجديدة في تركيبتها وأعضائها شبيهة للجامعة العربية الحالية التي لا تملك أجندة ديمقراطية محددة، ولا تستطيع بشكلها الحالي دعم مطالب الشعوب التواقة لحكومات تمثيلية ومسؤولة، ومن شأن أيضاً الطابع العربي للمؤسسة أن يمهد الطريق لشراكة أقوى من تلك التي ترعاها المؤسسات الغربية بالنسبة لأوروبا الشرقية والمتمثلة في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ومنظمة التعاون الأمني الأوروبية.
وفي هذا السياق يمكن لتركيا التي تعتبر أحد الأعضاء الثابتين في حلف شمال الأطلسي أن تلعب دور الموجه من خلال مساعدة البلدان العربية في صياغة تشريعاتها وتحسين ترسانتها القانونية حتى تتماشى مع المعايير الديمقراطية على غرار ما يشترطه الاتحاد الأوروبي للنظر في طلب العضوية، مثل هذا التعاون التركي من شأنه تجاوز البرامج الأوروبية الترقيعية تجاه العالم العربي، والتي غالباً ما يكون عملها قاصراً وغير مجد.
وبالطبع لن تكون هذه التشريعات والقوانين بنفس صرامة المعايير الأوروبية حتى يتسنى مراعاة الاختلافات الموجودة بين البلدان العربية، فعلى سبيل المثال تتوافر مصر فعلاً على اقتصاد سوق، وما تحتاجه هو إصلاح هياكله، هذا بالإضافة إلى مراعاة الاختلافات السياسية الأخرى مثل درجة استيعاب الإسلام السياسي. وفي الوقت نفسه يمكن للاتحاد العربي الجديد أن يذلل بعض العقابات التي ظلت قائمة لفترة طويلة كتلك المرتبطة بإزالة الحواجز الجمركية بين الدول الأعضاء وتحرير التجارة بينها.
وحتى يُكتب لهذا الاتحاد النجاح لا بد أن يُنظر له كمبادرة عربية خالصة نابعة من إدراك ذاتي للقادة العرب بأن منطقتهم في حاجة ماسة لرؤية مشتركة وإيجابية لمستقبل ديمقراطي للمنطقة على شاكلة الرؤية التي عبأت دول أوروبا الشرقية.
وستكون فرص النجاح أوفر لو عرف القادة العرب أن مشروعهم يحظى بدعم دولي منذ البداية ما سيحفز الجهود المحلية ويبدد الشكوك في وجود أياد غربية غالباً ما ينظر إليها بعين الريبة والشك.
وفي ظل الأحداث الحالية بالمنطقة العربية التي لا تحصل إلا مرة في القرن لا يستطيع الغرب الاستمرار في التفرج، فما نحتاجه في هذه المرحلة ليس خطة مارشال جديدة تغرق المنطقة بالمساعدات التنموية، بل مشروعاً طموحاً يصهر في بوتقة واحدة التطلعات المشتتة للمنطقة نحو الإصلاح والديمقراطية ويجنبها المصير المؤلم الذي قد تنزلق إليه كما تنبئ بذلك التطورات الجارية في مصر.

آرون ديفيد ميلر
باحث في مركز «ويلسون» الأميركي
إدوارد جوزيف
باحث في كلية هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0