الرئيسية | المـكـتبــــة | أدبيات ناصرية | ثلاث وستون عاما مضت على ذكرى الوحدة : [[ في الدفاع عن القومية العربية ووحدة الأمة ]]

ثلاث وستون عاما مضت على ذكرى الوحدة : [[ في الدفاع عن القومية العربية ووحدة الأمة ]]

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ثلاث وستون عاما مضت على ذكرى الوحدة : [[  في الدفاع عن القومية العربية ووحدة الأمة ]]

جمال الأتاسي

 

الأمة العربية وجود والقومية العربية حركة فكر وحركة سياسية تنطلق من التأكيد على هذا الوجود للأمة العربية وتعطيها حركيتها، أي صيغتها أو صيغها الإجرائية في حياة المجتمعات والشعوب، وفي تشكيل تعبيراتها السياسية وقواها، وهي حافز للعمل والتعاون من أجل تحرر الأمة وإخراجها من واقع التجزئة والتابعية والتأخر، لتضعها على طريق وحدتها، وصولاً بها إلى أن تشكل كياناً سياسياً موحداً ولتنهض وتأخذ دورها بين الأمم.

 

وأنا في هذه المقالة لا أفلسف فكرة القومية العربية وقد كان ومازال لها فلاسفتها ومفكّروها، لا أبحث عن صياغة ايديولوجية جديدة، بل ولا أكتب تاريخها، وإنما أتابع حركتها صعوداً وهبوطاً، تقدماً وتراجعاً، وأحاول أن استكشف مصاعبها وعثرات طريقها، وأستعرض أنماطاً ونماذج قامت وتقوم تعبيراً عنها، تطلعاً إلى استمراريتها كحركة وحركات من أجل وحدة الأمة، لكي تظلّ حافز حركة وتقدّم لشعوب الأمة، وحركة في مسار التاريخ، وأدافع عن مستقبلها في وجه المتنكرين لها والذين ينكرونها مؤكداً في الوقت ذاته قابليتها للتجدد والحياة، بل وإصراراً على ضرورتها والحاجة إليها في وجه الذين يدحضون وجودها وجدواها، فما زلت لا أرى طريقاً غيرها ليكون هناك معنى ومستقبلاً لوجودنا ووجود أمتنا.

 

والحديث عن خياراتنا المستقبلية على هذا الطريق، مازال بحاجة لمقدمات، واستخلاص تجارب وبحث عن مرتكزات، ونحن مازلنا في المقدمة، ولا أحسب أني سأصل في هذا الحديث إلى خاتمة أو نهاية. فما ولّى عصر القوميات ولا ولّت قوميتنا العربية أدبارها، كما يرى أو يريد لها آخرون، بل هي حياة وحيوية المجتمعات وهي تتجدّد وتترابط ببعضها وتتقدم، وحيويتها في قدرتها على استيعاب المتغيرات في العالم وأن تبقى في سباق مع الزمن

 

وأستهل مقدمتي هذه بكلمات كتبها المفكّر الماركسي العروبي الراحل الياس مرقص، والذي نفتقد اليوم لمثل فكره النقدي المتعمق، حيث يقول في بحث له عن الستالينية والمسالة القومية، نشر عام 1962 في «الفكر السياسي»: «حقاً ان وجود الأمة العربية، ووجود الأمم بشكل عام حقيقة راسخة فوق التعاريف والنظريات، ولكن هذا لا يقلل في شيء من وجوب تعرية النظريات المعادية للقومية العربية وفضحها واستئصالها من الجذور …» ولكن الستالينية هي التي تمّت تعريتها في ديارها، وبقيت حقيقة الأمة، إذ إن الأمم والقوميات هي الأبقى.

 

وفي مجال الحوار حول المستقبل التاريخي للأمم والعلاقات بين الأمم (أو التجاوز نحو الأممية) كان الياس مرقص، يعود بي لمعطيات الماضي وما تقدم من دلالة. ولقد ردد على مسمعي أكثر من مرة مقولات لكارل ماركس إبان قيام الوحدة الألمانية في القرن الماضي، كان يفنّد فيها المواقف التي اتخذها «التقدميون» الألمان من اشتراكيين وشيوعيين، من تلك الوحدة ومن السياسة التي انتهجها بسمارك لتحقيق تلك الوحدة، ويرد عليهم من حيث أنه، أي بسمارك، قد حقق خطوات كان لا بد منها، تعتبر إنجازاً بفتح الطريق للاشتراكية لإقامة علاقات أكثر تقدماً بين الأمم (أو أممية).

 

ومن هذه المنطلقات «الماركسية» قال مرقص في ردّه على التشويه الستاليني لمسألة الأمّة والقوميات في خاتمة دراسته النقدية للستالينية والمسألة القومية: «ليست الأمة مجرد إطار لطبقات متناحرة تجمعها رابطة اللغة والأرض والسوق الاقتصادية، إنما هي دافع حياتي أساسي للإنسان يعيشه كما يعيش واقعه الاجتماعي».

 

والواقع الحياتي هذا عشناه منذ تفتح وعينا على وجودنا الاجتماعي وعلى وجودنا في العالم، ولكنه لم يصبح وعياً قومياً وعروبياً فاعلاً، إلا عندما أخذ حركيته وأصبح حافزاً للحركة والنضال، وعندما أخذت فكرة الأمة العربية الواحدة، مجراها وصيغتها الإجرائية، وأصبحت سياسة وحركات سياسية، تعطي لحركة الاستقلال الوطني أفقها القومي، وتدفع لأن يقوم على الاستقلال دولة للأمة، وأن يوضع الاستقلال على طريق توحيد  أجزاء الأمة وعلى طريق مشروع نهوض حضاري للأمة.

 

وأنا ما استشهدت، وفي المقدمة، بهذا المفكّر الماركسي العروبي والعقلاني والمنفتح للتقدم، دفاعاً عن وحدة أمتنا العربية ووجودنا القومي، إلا لأدلّل على الإطار الأكثر إحاطة وأكثر تقدماً وتطلعاً للمستقبل، في حركة القومية العربية من حيث هي حركة تحرير وتوحيد وحركة نهوض بالأمة، فضلاً عن أن هذا النموذج للفكر العربي الوحدوي الذي أخذ به الياس مرقص في نقد «الماركسية الرسمية» أو التقليدية نظماً وأحزاباً، كان ديدنه أيضاً في نقد الفكر القومي التقليدي والأنظمة والحركات التي قامت باسمه لتتحوّل ضدّه، أي ضد وحدة الأمة، وأنا هنا إذ أضع تفكير الياس مرقص الماركسي في إطار الفكر القومي المجدد وإطار الحركة القومية الوحدوية، أذكر أنه في الواقع كان يفضّل أن ينفي هذا الوصف له بالقومي في حياته، كما كان يرفض أية مذهبة أو أدلجة، كان يدافع عن القومية العربية وفكرة الأمة ووحدتها، وكان يفضّل أن يوصف من حيث نهجه هذا بأنه «ناصري» إذ كان يرى في سياسة عبد الناصر العربية النهج الأكثر تقدماً وأكثر عقلانية وتطلعاً للمستقبل في حركة الوحدة أو التوحيد العربي.

 

هذا نموذج ومثال لما يمكن أن يحيط به الفكر القومي وأن تحيط به حركة القومية المتجددة من تيارات وقوى تلتقي في إطارها وتدفع بها على طريق الوحدة. وسأتابع، بعد هذه المقدمة، الحديث عن نماذج أخرى تعطي رصيداً وتؤدي دوراً، ونحن في هذه المرحلة، وبعد كل ما حل بأمتنا من نكسات، نريد أن نقف بها كلها في مواقع الدفاع عن وجودنا القومي وفي مواجهة كل الذين يريدون نفي هذا الوجود.

 

فالأفكار والجماعات الفكرية وكذلك الحركات والتحركات السياسية المعادية للقومية العربية والنافية لها، من داخل الأمة وخارجها، مستنفرة على أشدها منذ سنوات، ولقد بلغت ذروتها في حرب الخليج الثانية. وإذا كان عداء الغرب وقوى الهيمنة الإمبريالية في العالم، للقومية العربية ولوحدة أمتنا، ووقوفها ضدها، قد أخذ دوراً فاعلاً في حركة الأحداث، فإن الأدهى والأكثر مرارة هو ذلك العداء والنفي الذي يتحرّك من داخل الأمة، ومن نخب ثقافية وسياسية محسوبة عليه، وهذا ما أبرزته المواقف التي اتخذت عند «أزمة الخليج» واستمرت بعدها. وسنأتي على ذكر ما كان هناك من افتراق كامل في تلك الأزمة، في الموقف اللاقومي للحكام والنظم القطرية الحاكمة، وبين وقفة الشعوب «وإن غُلبت على أمرها»، في حقيقتها القومية. لقد عبّر عن ذلك أصدق تعبير الأستاذ انطون المقدسي في كتابه عن حرب الخليج واختراق الجسم العربي وهذا نموذج أيضاً في الدفاع … يقول المقدسي بهذا المعرض في كتابه: «صار لواحد من أركان مجلس التعاون أن يعلن: لقد أثبتت حرب الخليج أن الأمة العربية أسطورة. بلى يا سيدي هذا ثابت قبل حرب الخليج وبعدها، ولكن لا حيلة لنا في هذا الأمر، فأنا من شعب يؤمن بالأساطير مثل ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وقسطنطين زريق وغيرهم. والأسطورة هنا (كما في لسان أفلاطون) نقول وجودي، وجودك، وجودنا كلنا، لا وجود لنا سواه، شعباً واحداً، أمة واحدة …»

 

وعن هذا الوجود ندافع وعلى هذا الوجود نبني ونتقدم، وبحقيقتنا هذه نواجه من ينكرون علينا أو يتنكرون لهذا الوجود.

 

ففي حديث جرى عبر الهاتف لبرنامج إذاعي لمحطة لندن، كان تحت عنوان «نظرة بانورامية للقومية العربية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها»، لأشهر خلت بعد حرب الخليج الثانية، كان السؤال الأخير الذي طرح عليّ من معدة البرنامج: «هل توافق على ما قاله متحدث عربي مؤخراً من أن حرب الخليج كانت المثوى الأخير للقومية العربية؟ أرجو التعليق مع نظرة للمستقبل». وألخص جوابي الذي جاء رداً بجملة واحدة (وقد نشر الحدث والتعقيب عليه في مجلة «المستقبل العربي» عام 1992): «هذا ما أريد أن يكون، في تلك الحملة  التي دبرتها الإدارة الأميركية، وهي إذا ما كشفت تفكك الرابطة القومية والالتزام القومي لدى الأنظمة العربية والحكام، فتلك أزمة طرحت أيضاً، في المقابل، ضرورة الرد القومي والوحدة القومية كمخرج لا بديل عنه في مواجهة التحديات …» ولكن هذا الحديث الذي أدير مع أطراف عربية عدة قد جاء فيه، بالمقابل، «الرأي الآخر»، أي رأي الغرب ورأي بعض الأكاديميين الغربيين المعبرين عن الموقف الأميركي والغربي المضاد والنافي لطموحات الثورة العربية الوحدوية كما جسدتها حقبة النهوض الناصري، الذي أخذ يطلق أحكاماً قاطعة بأن حركة القومية العربية قد توقفت وانتهت منذ هزيمة حزيران، وأصبح على العرب أن يتخلوا عن أحلامهم القومية في وحدة عربية، ليتعاملوا مع العالم من حيث واقعهم كدويلات قطرية متفرقة على شاكلة غيرها من دويلات العالم الثالث الناشئة، وكان أبرز حاملي هذه الدعوة البرفسور الأميركي الجنسية فؤاد عجمي الذي أصدر عام 1967 (أي بعد هزيمة حزيران) كتاباً أسماه: «الورقة أو الوثيقة العربية»، عمِّم على جميع جامعات الغرب، ليصبح مرجعية لكل من يريد البحث في شؤون الشرق الأوسط. وتأكيداً على ماجاء في تلك «الورقة»، قال المعقّب الغربي: «إن الأوضاع العربية كما يراها العجمي لا ينفرد بها العرب وحدهم، ومن الخطأ أن يظن العرب أن مشاكلهم فريدة من نوعها … فالعالم العربي ليس إلا مجموعة من عشرين دولة في العالم الثالث، تواجه ذات المشاكل التي تواجهها حالياً دول أخرى في آسيا وأفريقيا وفي أقطار اوروبية شرقية وكأنه من وجهة النظر الأميركية هذه ليس لهذه الدول إلا أن تقف عند الحدود المرسومة لها». وأضاف الأكاديمي البريطاني قائلاً: «إن العرب يردّون مشاكلهم وإحباطاتهم إلى دور الاستعمار الفرنسي والاستعمار البريطاني والإمبريالية الأميركية، ولكن الواقع أن من أهم أسباب فشل الوحدة بينهم ما يعود إلى طبيعة الأنظمة العربية القائمة، فهم ببساطة لا يريدون الوحدة». وإذا صح هذا القول بعد كل ما آلت إليه أحوال أمتنا ومجتمعاتنا وشعوبنا، تحت وطأة أنظمتها القطرية السائدة، فإن هذا لا يمكن أن ينسينا الدور الخطير الذي قام به الاستعمار الفرنسي والاستعمار البريطاني، عندما جاءا من البداية، ومنذ أن ظهرت المبادرات الأولى لنهوضنا القومي وتطلّعات طلائع الأمة لوحدة عربية وتجميع شتاتنا القومي الذي كان، منذ أن أخذت تتفكك وتنحسر الامبراطورية العثمانية، جاءا ليفرضا هذه الأطر والحدود للتجزئة والتبعثر القومي، وليضعا كل ما بمقدورهما من عقبات على طريق اندماجنا القومي ووحدتنا. ولمكافحة قوميتنا العربية ومعارضة نهوضنا الوحدوي، ساعدا على قيام الكيان الصهيوني في فلسطين، كان ذلك نظام شرقي أوسطي سطر بعد الحرب العالمية الأولى، حتى إذا تقدمت شعوب أمتنا على طريق الاستقلال، وكان لها نهوضها بل مقدمات ثورتها القومية الوحدوية في الخمسينات، وأخذت تلك الاختراقات «للنظام الشرق أوسطي» السالف الذكر تتفاقم، جددت الامبريالية الأميركية وحليفها الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة حملاتهما ضد أي نهوض قومي وحدوي جديد للأمة، بدءاً من تكريس أطر التجزئة العربية من جديد، وإخضاع الأنظمة القائمة من خلال قطريتها للتابعية، ولتضعها على طريق نظام شرق أوسطي جديد، لتذويب وجود الأمة في شرق أوسطية اقتصادية، لا تلغي التجزئة والحدود، وإنما تفتحها بحيث لا يعود هناك أوطان ولا وطنية ولا قوميات بل ولا شعوب …

 

ونحن بهذا الموقف لا نريد تبرير قصوراتنا وتقصيرنا بإلقاء كل التبعات على الآخر، على العدو الخارجي، فالعلّة أصلاً كانت في تأخرنا وتأخر مجتمعاتنا وفي تبعثرنا القومي، والعلة الكأداء اليوم، هي في أنظمتنا القطرية التي أصبحت نافية للتقدم ونافية لوحدة الأمة منذ أن أصبحت نافية لحرية شعوبها وللاندماج القومي لمجتمعاتها.

 

وتحت هذا النفي المضاعف من الخارج ومن داخل الأنظمة، ما من مخرج، إلا أن نجدد خطابنا القومي ونؤكده

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع