الرئيسية | المـكـتبــــة | أدبيات ناصرية | في ذكرى الوحدة: حول تجربة الوحدة المصرية- السورية الجزء الثاني

في ذكرى الوحدة: حول تجربة الوحدة المصرية- السورية الجزء الثاني

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في ذكرى الوحدة: حول تجربة الوحدة المصرية- السورية   الجزء الثاني

ياسين الحافظ

 

 إذا كانت وحدة العام 1958 قد جاءت نتيجة زلزلة سياسية، فإنها لم تلبث، بدورها، أن أحدثت زلزلة سياسية. ولو أن هذه الزلزلة أخذت كل مداها، بتوفر وعي مناسب لدى الصف الوطني العربي، لقطعت الثورة العربية مسافة أطول بكثير ولوفرت للتقدم العربي أرضية أكثر مؤاتاة بكثير. أخذت هذه الزلزلة بعض مداها بانفجار ثورة 14 تموز/ يوليو في العراق، لكنها لم تلبث أن تجمدت مع ارتطام البعد الوحدوي لهذه الثورة، ارتطام تلاه انطفاء جذوتها وتحولها إلى حكم عسكري . أخذت الزلزلة في الانحسار مع التمزق الذي أصاب الصف الوطني العربي، وتلاشت مع الانقلاب العسكري الذي فصم هذه الوحدة في 28 أيلول/ سبتمبر 1961. 

 

وما لبث الانفصال، عبر سلسلة من التناقضات العربية والعوامل الدولية، أن نسل هزيمة حزيران/ يونيو التي كانت بداية النهاية. مع وفاة عبد الناصر، جاءت النهاية، نهاية محاولة النهضة العربية الثانية. 

 

هذه الخطوط العريضة الأولية للتطور السياسي العربي تهدف فقط إلى توضيح وإبراز، أولاً، مكان العام 1958 في التطور العربي خلال الفترة التي بدأت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثانياً، كيف تندرج العملية الوحدوية في صلب التطور العام للنضال العربي في سائر صعده وتكون مرآته وخلاصته. وبالتالي تبين كيف أن النضال ضد الاستعمار يمكن أن يتحول إلى أكثر من احتجاج سياسي، أي يمكن أن يمكث في الأرض، إذا صُب في مجارٍ وحدوية ( أو إذا صب في عملية تغيير جذرية لبنى المجتمع لا الاقتصادية فقط ، بل السياسية والثقافية أيضاً وأولاً ). وإذا كان قصور الايديولوجيا القومية جعلها ترى إلى المشروع الوحدوي بمثابة “الهدف الأعلى” و”خاتمة المطاف “، إلا أن قصور الماركساوية الاقتصادية العربية ليس أقل من قصور الأولى عندما اعتبرت المشروع الوحدوي نافلة برجوازية تستحق المقاومة تارة أو الإهمال تارة أخرى . 

 

إن المشروع الوحدوي يشكل أرضية مناسبة للتقدم العربي، يذلل هذه العقبة أو يشل ذاك الضغط ، بل قد يشكل رافعة على هذا الصعيد أو ذاك. أما إذا بني على وعي مناسب بآفاق التقدم العربي ونهضت به قوى اشتراكية وحديثة (وأؤكد هنا على حديثة) فيشكل رافعة لا مثيل لها للنهضة العربية. قلت قبل قليل إن تلك الوحدة التي جاءت حصيلة زلزلة سياسية، ما لبثت أن أحدثت، بدورها، زلزلة أخرى. كيف تجلت؟ ما هي تظاهراتها؟ وما هي مفاعيلها؟ عندما كان المشروع الوحدوي بين سوريا ومصر يتجسد ويتبلور خلال معركة ضارية فرضتها الإمبريالية الأمريكية، ويصل البلدان إلى الوحدة من خلال معارضة مشتركة لا تردد فيها ولا التباس لمبدأ آيزنهارو، كانت الأقطار العربية الأخرى : لبنان العراق، تونس، ليبيا، الأردن، السعودية، يرتبط الواحد بعد الآخر بهذا المبدأ، هذا الارتباط الذي قنن امتداد الهيمنة الأمريكية على الوطن العربي وصفى بقايا نفوذ دولتي الاستعمار القديم : إنكلترا وفرنسا، بحيث إن حلف بغداد نفسه أصبح مظهراً من مظاهر مبدأ آيزنهاور. 

 

هذا المناخ السياسي، وبدأت عناصره تتجمع منذ حرب السويس ، الذي ولدت فيه الجمهورية العربية المتحدة، أطلق في طول الوطن العربي وعرضه موجة حماسة وتحركاً جماهيرياً لم يشهدهما من قبل. وأصبحت هذه الجمهورية محط آمال الشعب العربي في تحقيق الوحدة العربية وتحرير الوطن العربي من النفوذ الاستعماري . 

 

هذه الحماسة القومية ، بل أكاد أقول الهيجان القومي، زادت من أرتباك، بل من ذعر الرجعيات العربية وإسرائيل والقوى الإمبريالية. ومن يتأمل الأوضاع السياسية العربية في ذلك الحين كان يرى ارتسامات أو إرهاصات تغييرات مهمة في الأوضاع السياسية العربية، تغييرات أصبحت مدرجة في أمر اليوم، وتحققها أصبح مسألة وقت . ولم تخب التوقعات: صدرت ردود فعل وأنفجرت أحداث جلت وأكدت الاحتمالات الثورية التي انطوى عليها ذلك المشروع الوحدوي . واذا كانت هذه الاحتمالات الثورية قد خنقت الواحد بعد الآخر وصولاً إلى المشروع الأصلي، الجمهورية العربية المتحدة، فإن هذا لا يثلم مشروعية وواقعية وعقلانية المشروع الوحدوي، بل يكشف فقط قصور وعي الحركة القومية العربية بوجه خاص والحركة الوطنية العربية بوجه عام، فضلاً عن دور العوامل الدولية التي لعبت، هي أيضاً، دوراً في خنق تلك الاحتمالات، دوراً كان من الممكن شله لو أن الوعي العربي كان، ونكرر ذلك، على مستوى مناسب. 

 

بعض ما هو رئيسي من تلك الأحداث وردود الفعل كان التالي :

 

أولاً- لقد كان قيام إسرائيل واستمرار وجودها نتيجة طبيعية لميزان القوى المحلي الذي لم يكن لصالحها إلا بسبب واقعّي التأخر والتجزئة. وهذا يفسر لم كان ، ولا يزال، حجر الزاوية في استراتيجية إسرائيل السياسية هو منع الوحدة العربية عبر عزل مصر عن الشرق العربي (والقضاء على القومية العربية بالتالي عبر الدفاع عن التجزئة الراهنة، بل وتفتيت الكيانات الصغيرة القائمة إلى كيانات طائفية أصغر). كذلك الأمر، فإن حجر الزاوية في استراتيجيتها العسكرية إنما يقوم على منازلة الجيوش العربية في ظروف تتمكن فيها من منازلة كل جيش عربي على حدة باعتبارها قادرة على تأمين تفوّق عسكري على كل جيش عربي ما دام منفرداً . من هنا فإن ضربات إسرائيل العسكرية تبقى مرهونة بوجود ظروف تحارب فيها الجيوش العربية كجيوش متعددة. لهذا السبب كانت وحدة العام 1958 بمثابة ضربة شديدة لكل استراتيجية إسرائيل السياسية والعسكرية في آن. وهذا يفسر الهياج والشعور بالمأزق الذي تملّك النخبة السياسية الإسرائيلية عند قيام الوحدة. وفي البرلمان الإسرائيلي، وقف بن غوريون وهو في حالة هياج : ” هذه ليست جمهورية، ولا عربية، ولا هي متحدة”. بل إن جناحاً في السلطة الإسرائيلية ( لعل بن غوريون هو الذي يمثله) كان يفكر بتسديد ضربة عسكرية لأحد إقليمي الجمهورية تفتح شرخاً ، إن لم يكن انهياراً، في بنيان دولة الوحدة. لكن يبدو أن حسابات كل السلطة الإسرائيلية لم تؤيد مثل هذه العملية.

 

كيف أصبح الموقف العربي- الإسرائيلي بعد العام 1958؟ كيف أصبح ميزان القوى المحلي، العربي- الإسرائيلي، بعد قيامها؟ لوحظ أن إسرائيل قد أوقفت تقريباً اعتداءاتها على حدود الجمهورية العربية المتحدة، وبخاصة على حدود سوريا، حتى إذا افترضنا أن قوات الطوارئ الدولية، على الحدود المصرية- الإسرائيلية، كانت حاجزاً أمام الاعتداءات الإسرائيلية. إن العدوانين الإسرائيليين الوحيدين في شباط/ فبراير وآذار/ مارس 1960 على الحدود السورية قد قوبلا برد عسكري كان لأول مرة رداً ذا مغزى، كما قام الجيش الأول (الجيش السوري) باعتداء مضاد كان أشد من العدوانين الإسرائيليين. طبعاً لم تتعدّ الجمهورية العربية المتحدة، خلال فترة الوحدة موقف الدفاع. لكن إسرائيل تخلّت، كما يبدو، مؤقتاً على الأقل، عن موقف الهجوم والردع . ويفسر هذا بأن ميزان القوى العسكري المحلي أصبح متأرجحاً. هذا التأرجح في ميزان القوى العسكري لم ينجم بالطبع عن مجرد الجمع العددي للقوة العسكرية المصرية مع القوة العسكرية السورية، بل عن وحدة الجيشين وامكانية عملهما كجيش واحد. من الزاوية السياسية، أخذت إسرائيل تتحدث لغة جديدة إلى حد ما. يقيناً ،إن إسرائيل لم تتراجع عن مواقعها الأساسية، لكن لغة التهديد بالقوة قد خفتت. وقد أشار عبد الناصر إلى ذلك، في خطابه بمناسبة الذكرى الأولى للوحدة، باعتباره ثمرة من ثمار الوحدة. ومن جهة أخرى، اتجه تحرك إسرائيل السياسي، بسبب قيام الوحدة بالطبع،إلى إقامة حلف بين الدول القائمة على أطراف الوطن العربي، فاقترح دايان، في أيار/ مايو 1958، بدعم من بن غوريون، على مونتغمري إقامة حلف بين إسرائيل وتركيا والحبشة ، كما حاول بن غوريون الحصول على تعهدات وضمانات من الحلف الأطلسي لحماية حدود إسرائيل . وأخيرأ باشرت الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة وبصورة علنية، تزويد إسرائيل بالأسلحة وبخاصة بالصواريخ . وزادت المساعدات والقروض السنوية المقدمة من الغرب الإمبريالي خلال فترة الوحدة بنسبة قدرها 35 بالمئة عن السنوات الثلاث السابقة للوحدة. وبعد الوحدة فقط نبتت في إسرائيل فكرة صنع قنبلة ذرية تساعدها في ذلك فرنسا. ولوحظ أيضاً أن المعدل السنوي للهجرة إلى إسرائيل الذي كان، خلال السنوات الأربع السابقة للوحدة (1954- 1957) ، 0 4460 مهاجر، أصبح خلال سنوات الوحدة (1958- 1961) 29750 مهاجراً، وهذا يعني أن المعدل الوسطي للهجرة قد هبط خلال سني الوحدة بنسبة قدرهـا 66 بالمئة.

 

 ثانياً- في رد فعل يكاد يكون غريزياً على الوحدة بين مصر وسوريا، أقام الاستعمار اتحاداً بين المملكة الأردنية والمملكة العراقية الهاشميتين. بالطبع لم يكن هذا ” الاتحاد ” اتحاداً ، وإلا لِمَ لم تقمه العائلة الهاشمية من قبل خلال ربع قرن من حكمها في شرقي الأردن وفي العراق. وهذا الاتحاد لم يكن فقط اتحاداً كهاكه، بل أكثر من ذلك، كان رد التجزئة المعاكس للسيرورة الوحدوية التي حققت أول إنجاز لها، كما كان، بالإضافة إلى ذلك، رد الرجعية التقليدية المعاكس على الصيغة الناصرية التي ارتدتها الثورة العربية في تلك المرحلة . لقد كان مثال التضامن التجزئي. لقد جاءت وحدة العام 1958 بمثابة ضربة هزت أسس النظامين، بل الكيانين، الأردني بخاصة ثم العراقي، فجاء هذا الاتحاد الكهاكه محاولة للتماسك وللصمود في وجه هذا الموج الوحدوي الزاحف. إن شعب الأردن (إذا كان لا بد من التمييز بين ما هو أردني وفلسطيني، في ما يتعلق بالموقف من الوحدة)، الذي يعاني شعوراً بعدم الاكتفاء الكياني نظراً لافتقار المملكة إلى مقومات الدولة وبسبب مواجهته المباشرة العاجزة لإسرائيل، كان من أكثر الشعوب العربية تحسساً بالوحدة المصرية- السورية وتجاوباً معها. والملاحظة نفسها تصدق على الشعب الفلسطيني الذي كان يعتبر الوحدة طوق النجاة والمقدمة اللازمة لاستعادة حقوقه القومية. إذاً ، فموقف الشعب الأردني- الفلسطيني هذا، الذي وضع كيانه السياسي موضع شك شديد عند قيام وحدة العام 1958، هو الذي دفع إلى إقامة هذا ” الاتحاد ” ، وبالتالي فإنه كان تضامناً تجزئياً مقاتلاً ، وليس وحدة عربية رجعية ، كما زعم البعض . والأحداث اللاحقة، وبخاصة بعد انفجار ثورة 14 تموز/ يوليو في العراق والإنزال الإنكليزي في الأردن، توضح هذه الحقيقة الواقعية . يمكننا اعتبار “الاتحاد” الهاشمي تجزئة مقاتلة، وهذا هو الأصح، كما يمكننا اعتباره الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، القاعدة التي أكدت بوجه عام أن المشروع الوحدوي يتجه، دوماً ، على مدى تاريخي استراتيجي، في خط مناقض للمصالح الاستعمارية والقوى الطبقية الضالعة معه، كما أنه يتجه، غالباً، على مدى تكتيكي، في الخط نفسه. بل أكثر من ذلك : إن الميل التاريخي للتطور العربي الحديث يدل، بوجه عام ، على أن ريح الإقليمية تصعد مع صعود النفوذ الإمبريالي، وأن الريح الوحدوية تصعد، في المقابل، مع الانتصار على الإمبريالية . وبالتالي فإن الطبقات والفئات الرجعية التقليدية التي تعاونت مع الاستعمار ثم ورثت مواقعه، شأنها على الصعد الأخرى ، كانت عامل تكريس وتثبيت لواقع التجزئة، وإنه بقدر ما كان الشعب العربي يحرز من انتصارات على الاستعمار والقوى الرجعية التقليدية يقترب المشروع الوحدوي من الراهنية. لكن، لنفترض، جدلاً، أن ذلك الاتحاد الهاشمي، العراقي- الأردني، كان اتحاداً فعلياً (ولم يكن ثمة ما يحول، بالضرورة، دون ذلك من زاوية البنية السياسية لكل من الدولتين، سواء من حيث طبيعتهما الطبقية وأيديولوجيتهما وارتباطاتهما الخارجية)، ولم يكن اتحاداً كهاكه أو مجرد تجزئة مقاتلة، فما هي المضاعفات التي كان سيفرزها لو أنه استمر؟ أولاً، كانت ثورة 14 تموز/ يوليو في العراق ستنسحب بصورة أتوماتية تقريباً إلى المملكة الأردنية الهاشمية. ثانياً، كان العراق، بكل ثقله وإمكانياته، سينجرّ إلى المشرق، إلى البحر المتوسط ، بدلاً من الانثناء إلى وراء، كما أنه كان سينجر إلى الحومة انجراراً نهائياً وكاملاً ودائماً ، أعني حومة الصراع العربي- الإسرائيلي. ولا نعتقد أن هذه النتائج المحتملة لاستمرار الاتحاد كانت في حسابات الرجعية التي أقامته ولا الإمبريالية التي دعمته، كما أنها ليست سلبية بالنسبة إلى المصالح القومية للأمة العربية وللثورة العربية. هذه الحقيقة تبين كم هي ساذجة ومضللة تلك الأطروحات التي تتحدث عن وحدات رجعية عربية. فالواقع أن التطور التاريخي للشعب العربي قد ألغى، بوجه عام، احتمالات وحدات في خدمة الاستعمار أو وحدات رجعية أو برجوازية، لا لأن الاستعمار قد فرض، مع سيطرته على الوطن العربي، تجزئة كولونيالية، مرتكزة جزئياً على بعض عوامل موضوعية قائمة في الواقع الموضوعي العربي، لكنها مرتكزة أساساً على اعتبارات الهيمنة الاقتصادية للإمبريالية، وبخاصة ميكانيتها المتمثلة بربط الاقتصادات العربية المتخلفة والمجزأة باقتصادات المتروبولات. إن المشروع الوحدوي ليس اتفاقاً أو إطاراً سياسياً ، بل هو أبعد من ذلك وأعمق. إنه عملية تاريخية كاملة: سياسية، ايديولوجية، اقتصادية، اجتماعية. من هنا فإن هؤلاء الذين ينظرون إليه كعملية سياسية خالصة يخطئون حقيقته الواقعية. لا يمكن المرء أن يلتقط كل أبعاد المشروع الوحدوي وايجابياته إذا لم يضعه في منظور تاريخي. والواقع أن عبد الناصر الفرد (وليس الناصرية التيار)، مهما عانى من قصور في وعي التفاصيل ناجم عن أفتقار نظامه إلى طبقة سياسية حديثة، كان يملك شيئاً ما من رؤية تاريخية للمشروع الوحدوي، وأن أصراره الغريب، على رغم كل الإخفاقات والعثرات والمصاعب، وعلى رغم عزوف الإنتيليجنسيا المصرية عن هذا المشروع، برهان على هذه الرؤية. في المقابل، كانت الايديولوجيا القوماوية العربية والماركساوية الاقتصادوية العربية تفتقران كلياً إلى هذه الرؤية. وعلى الرغم من الشطارات النظرية، رأينا الأولى تضيع في المطلقات فتستسلم (والمصالح لعبت دورها أيضاً) عملياً، على رغم ثرثرة وحدوية، للإقليمية، ورأينا الثانية تضيع في التكتيكي والآني، فتزوّر عن المشروع تارة، وتحاربه تارة أخرى، وتؤيده رفعاً للعتب تارة ثالثة

 

 ثالثاً- مع إعلان مبدأ آيزنهاور في أوائل كانون الثاني/ يناير 1957، الذي كان يرمي إلى وراثة تركة الاستعمار القديم بوجه عام ، وإلى تثبيت حلف بغداد وتعزيزه ولكن بزعامة أمريكية مباشرة بوجه خاص ، طرح الحكم اللبناني موقف التردد والتستر الذي وسم موقفه من حلف بغداد وأعلن ارتباطه بمبدأ آيزنهاور في آذار/ مارس 1957. لا شك في أن ارتباط الحكم اللبناني بهذا المبدأ يعود إلى عوامل متعددة، طائفية، طبقية وشخصية، لكن العامل الرئيسي والعميق في هذا الارتباط إنما يعود إلى أن انحياز الحكم اللبناني إزاء المعركة الشاملة التي كانت رحاها تدور على امتداد المشرق العربي بين الاستعمار والحركة القومية العربية، قد أخذ شكله الحاد والصريح إلى جانب الاستعمار، انحيازاً لعبت فيه الايديولوجيا الطائفية دوراً حاسماً بتصورها، الواهم أو الكاذب، أن موج الحركة القومية العربية يهدد بابتلاع الكيان اللبناني. من هنا، فإن أحداث أو ثورة العام 1958 في لبنان (والأصح قول التمرد الوطني)، كانت جزءاً لا يتجزأ من المعركة الطويلة التي نشبت منذ أواسط الخمسينيات وامتدت حتى أوائل الستينيات. ومن الطبيعي أن يكون لهذه الثورة، ما دام لبنان ساحتها، تلاوينها اللبنانية الخاصة وانعكاساتها اللبنانية المميزة، لكنها تبقى مجرد امتداد طبيعي للمعركة الشاملة التي كانت ناشبة بين الحركة القومية العربية والاستعمار التقليدي ثم الجديد. والواقع أن تطور الأحداث وتعقيداتها، كما سنرى، جاء يؤكد ذلك : كيف نشبت؟ متى احتدمت؟ ثم متى بردت؟ فقط من خلال المنظور اللينيني للإمبريالية، لا من منظور طبقاوي واقتصادوي، يمكن فهم أحداث العام 1958 في لبنان، ففي معركة بلغت تلك الحدة وذلك الاتساع الذي بلغته المعركة بين الاستعمار والحركة القومية العربية في الخمسينيات، كان العالمي يهيمن على القومي، والقومي على الإقليمي والمحلي. أضف إلى ذلك في الفترات الثورية، أن السياسي يهيمن على الاقتصادي. هذا المنظور يجلو هذه المفارقة الظاهرية، ويفسر كيف أمكن الإقطاع السياسي (إذا سلّمنا، جدلاً، بهذه المقولة)، في لبنان، أن يلعب دوراً ما ضد الاستعمار، في حين أن البرجوازية كانت تلعب لصالحه، وكيف أن القوى التقليدية في العراق والأردن والسعودية وقفت مع القوى البرجوازية في لبنان. كما أن هذا المنظور يبين كيف أن الايديولوجي والسياسي، في المجتمعات الطرفية، كالمجتمع العربي، لا يزال يلعب دوراً وازناً تارة وحاسماً تارة أخرى. قبل أن يعلن الحكم اللبناني ارتباطه بمبدأ آيزنهاور، كان الصراع بينه وبين المعارضة ذا طابع محلي بالأحرى. لكن ما إن تم هذا الارتباط حتى غلب الطابع العربي على هذا الصراع وتحول لبنان إلى ساحة الصدام الرئيسية بين الحركة القومية العربية من جهة، والإمبريالية الأمريكية والقوى الطبقية والسياسية المتحالفة معها في الوطن العربي من جهة أخرى. غير أن الصراع لم يأخذ شكله الانفجاري إلا بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة، ثم تفاقم أكثر فأكثر مع انفجار ثورة 14 تموز/ يوليو في العراق ، التي كانت سبباً مباشراً في التدخل العسكري الأمريكي في لبنان في اليوم التالي للثورة. كان واضحاً منذ بدايات الصراع أن الصف الوطني اللبناني، فضلاً عن الصف القومي العربي ممثلاً بمصر وسوريا ثم بالجمهورية العربية المتحدة، كان يخوض معركة سياسية محدودة وذات طابع دفاعي فحسب، معركة حصر ثم تحطيم مبدأ آيزنهاور وإنهاء ارتباط لبنان به، لذا لا أساس للزعم بأن محاولة ابتلاع لبنان من قبل الجمهورية العربية كانت في أساس أحداث العام 1958، فلا الجمهورية العربية المتحدة ولا القوى الوطنية اللبنانية كانت تضع هذا المشروع في منظوراتها القريبة ، كما أن الأخيرة لم تبلغ هذا الحد من الراديكالية القومية .  والطابع العربي الذي غلب على الصراع المحلي اللبناني في العام 1958 لا يتجلى في الدعم المتعدد الأشكال الذي كانت تقدمه كل من سوريا ومصر ثم الجمهورية العربية للصف الوطني اللبناني، بل يتجلى أيضاً في الدعم الرجعي العربي الذي كان يلقاه الحكم اللبناني، دعم بلغ درجة علنية وكثيفة على يدي سلطة نوري السعيد التي ما لبثت أن لقيت حتفها على يدي القطعات العسكرية العراقية التي كانت في طريقها إلى لبنان لدعم حكم شمعون. وإذا كانت الحكومة الأمريكية قد بقيت مترددة، على رغم أن شمعون طلب من أمريكا التدخل العسكري منذ 22 أيار/ مايو 1958، عن القيام بتدخل عسكري مباشر، إلا أنها كانت موجودة في قلب الأحداث، حسبما ذكر صراحة أحد العملاء الأمريكيين لدى وكالة المخابرات المركزية الامريكية لكن إذا كان الطابع العربي قد غلب في الصراع المحلي اللبناني إلا أن احتمالات هذا الصراع وآفاقه ونتائجه بقيت محكومة، في الحد الأخير، ومهما بلغ من أهمية العنصر العربي والدولي في الصراع، بميزان القوى المحلي أولاً وبمدى وعي الصف الوطني اللبناني ثانياً ، وبالتالي من الخطأ الزعم أن نتيجة الصراع قررتها تسوية عقدت بين القاهرة وواشنطن ونفذها “مورفي ” (مبعوث ايزنهاور الخاص) في بيروت. لقد بقي برنامج الصف الوطني الذي قاد ثورة 1958، رغم رفضه حلف بغداد ومبدأ آيزنهاور، يدور في إطار الميثاق الوطني لعام 1943، وهو الميثاق الذي كرس الطابع الطائفي للهيكل السياسي اللبناني. والواقع أن الايديولوجيا السائدة في الصف الوطني اللبناني ، فضلاً عن الوعي المتخلف والطابع المتصالح لقياداته ، لم تكن مهيأة لتجاوز ذلك الميثاق، تجاوزاً يتطلب، بل أول ما يتطلب، تبني ايديولوجيا علمانية والنضال لجعلها أساساً للسياسات اللبنانية، إذ من دون هذه الايديولوجيا العلمانية نصبح بالأحرى إزاء صراع بين طائفية وطائفية مضادة ، ومثل هذا الصراع لا يحمل بذور انتقال السياسة اللبنانية إلى الوطنية أو القومية، بل يعمق الانقسام الطائفي ويؤكده. والحقيقة أن التجربة اللبنانية لا تشكل استثناء عن التجربة العربية، بل تشكل حالة قصوى فيها فحسب، تقدم صورة جلية عن إيجابيات الحركة القومية العربية وقصورها في الوقت نفسه : إنها مندرجة في سياق معادٍ، موضوعياً وذاتياً، للاستعمار، كما أنها معبّرة عن المطامح القومية للجماهير وقادرة على تعبئتها بهذه النسبة أو تلك، إلا أنها تعاني قصوراً في الوعي جعلها عاجزة، ما دامت قد أعطته بعداً سياسياً فقط ، عن رؤية الهدف القومي عموماً والوحدوي خصوصاً كعملية من عمليات تجديد وتحديث المجتمع العربي . ومن هنا فإن الايديولوجيا القوماوية العربية لم تستطع التغلب بصورة كافية على الايديولوجيات الفئوية، الطائفية أو العشائرية أو الإقليمية أو المحلية، ما قبل القومية، فبقيت، لفقرها وتأخرها، قشرة تغطي الايديولوجيات التقليدية ما قبل القومية، حتى في قطاعات أعلنت التزامها بها. لذا تبقى هذه الايديولوجيا الفئوية فاعلة لدى الأفراد بنسبة عجزهم عن امتلاك وعي قومي عصري ناقض وطارد لها، ناهيك عن الجماعات أو الطوائف المنغلقة إزاء كل ايديولوجيا قومية والحبيسة في عالم ايديولوجيتها التقليدية الخاص. هذا القصور في الوعي والتأخر في الايديولوجيا لدى الصف القومي العربي في لبنان تجلى في نقطة أخرى تمثلت في تبعثره التنظيمي وانعدام قيادة عليا موحدة ، بحيث تشرذم إلى مستويات محلية، إلى مستويات لا الطوائف فقط ، بل المدن والقرى وأحياناً الأحياء. إلا أن مغزى هذه الظاهرة يذهب إلى مدى أبعد من مسألة الفاعلية، إذ يشير إلى افتقار حتى الصف القومي العربي إلى اندماج على مستوى لبناني، ناهيك عن افتقار لبنان خصوصاً والأمة العربية عموماً إلى اندماج قومي يشكل أرضية كل تقدم وقاعدة كل عملية توحيد سياسية. فإذا كان هذا الصف بالذات يفتقر إلى اندماج، كيف يمكنه أن يدفع البنية الاجتماعية والسياسية إلى ضرب من اندماج لبناني يشكل تجاوزاً متقدماً للطائفية. هذه الصورة، التي لنهر القومية العربية الشعبي الدفاق والموحل في الوقت نفسه، تفسر النتيجة التي حققها. نعم إن هذه النتيجة كانت إيجابية إجمالاً : تحييد ما للنظام اللبناني وفك ارتباطه بمبدأ آيزنهاور، إلا أنها نتيجة متواضعة ومحدودة، قياساً بالإمكانات التي كان يملكها الصف القومي العربي في لبنان وبالمناخ الثوري الذي بعثه قيام الجمهورية العربية المتحدة . لا شك في أن الإنزال العسكري الأمريكي لعب دوراً في تحجيم هذه النتيجة، إلا أن المحدد الرئيسي للصراع إنما كان وعي الصف القومي العربي في لبنان وأيديولوجية والسحنة الطبقية التقليدية لقياداته. *

 

 رابعاً- بعد حوالى خمسة أشهر من قيام الجمهورية العربية المتحدة، انفجرت ثورة 14 تموز/ يوليو في العراق. وثمة شبه إجماع ، سواء لدى المراقبين السياسيين أو الذين ساهموا في صنعها، على أن وحدة مصر وسوريا كانت محرضاً ودافعاً مباشراً أو شبه مباشر لتفجيرها. مع هذه الثورة انقلب ميزان القوى في المشرق العربي أنقلاباً حاسماً في غير صالح القوى الرجعية ودعامتها، الاستعمار. كان المناخ السياسي الذي ولده قيام الوحدة لا يزال سائداً ، مناخ كان مليئاً بالتفاؤل والثقة. مع ثورة تموز/ يوليو، وبخاصة مع الاحتمالات الوحدوية التي أفصحت عنها في مرحلتها الأولى ، خيل للمرء أن عجلة التاريخ العربي تثب وثباً ، أن الحلم الوحدوي الكبير يصبح واقعاً راهناً ، أن العرب يقطعون في أيام مسافات كانت تتطلب، أو كان من المتصور أنها تتطلب، عقوداً طوالاً. في الغرب، كانت ردود الفعل السريعة مزيجاً من الذهول والهلع، وحزموا أمرهم بسرعة ومن دون تردد: لا بد لهذا الحريق الثوري الوحدوي من أن يُصد في مرحلة أولى ثم يكسر في مرحلة لاحقة. في اليوم الثاني مباشرة تم إنزال عسكري أمريكي على سواحل لبنان، إنزال طلبه شمعون رسمياً ، استناداً إلى مبدأ آيزنهاور، منذ 22 أيار/ مايو، وبقيت أمريكا مترددة إزاءه إلى أن انفجرت الثورة العراقية. بعدها بيومين تم إنزال إنكليزي في الأردن. ومن الواضح، بالطبع، أن ثورة 14 تموز/ يوليو كانت تفصح عن نزوع واضح وقاطع إلى الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وبالتالي فإن مواجهة هذا النزوع، وليس شيئاً آخر (كخطر شيوعي مثلاً)، هي التي كانت وراء التدخل العسكري الغربي، إذ إن ثورة 14 تموز/ يوليو لم تكن تحمل في تلك المرحلة ( ولا في المرحلة التي تلتها، كما أثبتت الأحداث في ما بعد) أي احتمال لتحول سياسي يقوده الحزب الشيوعي العراقي . في كبح هذا الموج الوحدوي لعبت عناصر وعوامل كثيرة : محلية وعربية ودولية ، حديثة وتقليدية، رأسمالية واشتراكية، إمبريالية وسوفياتية، قومية عربية وشيوعية عربية. بيد أن المسؤولية الرئيسية إنما تقع على الصف الوطني العربي، في فرعه القومي العربي والشيوعي العربي . ومرة أخرى يثبت أن الوعي العربي ليس على مستوى حاجات الثورة العربية وأن الايديولوجية العربية على درجة من التأخر والتقليدية تجعلها عاجزة عن الوفاء بمتطلبات التحرر والتقدم العربيين. لكن إذا كان من الطبيعي أن تؤثر سياسة المحاور والمنافسة التقليدية بين مصر والعراق على الفئات والعناصر والسياسات العراقية التقليدية فتدفعها إلى موقع معارض للوحدة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة، وإذا كان من الطبيعي أن تنساق إلى الموقف نفسه من الأقلية الكردية، وإذا كان من الطبيعي أن تتوجس منها العناصر المتأخرة الأكثر تأثراً بالايديولوجيا الطائفية، فليس من الطبيعي ولا بالمفهوم أن ينساق الحزب الشيوعي العراقي إلى المواقع نفسها ، وهو الذي كان يدعو إلى اتحاد مع الجمهورية العربية المتحدة قبل تموز/ يوليو. ليس في نيتنا البتة أن نبرئ الصف القومي العربي من القصور ومن اتباع تكتيكات وحدوية ساذجة ومن التشبث بنظرة سكونية تكرارية للوحدة مصبوبة في قالب دستوري- إداري واحد نموذجه المطلق والوحيد هو التجربة المصرية، إلا أن هذه الرؤية القاصرة وإن كانت عاجزة عن خدمة المشروع الوحدوي إلا أنها لا تعترضه، كما أنها لا تنقض سيرورة ومنحى التقدم والتحرر العربيين، في حين أن المواقع اللاوحدوية تعترض و تنقض موضوعياً ، تلك السيرورة. كان ممكناً لموقف الحزب الشيوعي العراقي المعارض للوحدة والذي لعب فيه دوراً ما عنصر ايديولوجي تقليدي، أن يكون مفهوماً ومبرراً لو أنه كان يضع في منظور قريب مشروع ثورة. غير أن الاستراتيجية السوفياتية التي كان الحزب الشيوعي العراقي يستوحيها ويعيش في مناخها، كانت، ولا تزال، تستبعد هذا المنظور. ولعل هذا الواقع هو الذي يفسر كيف أن الإمبريالية أقدمت على التدخل العسكري في وقت كان يلوح فيه “الخطر” الوحدوي الداهم، ثم لم تلبث أن سحبت جيوشها عندما تبدد الاحتمال الوحدوي، في وقت كانت فيه “المرحلة الكاستروية” في العراق في أوجها . طبعاً من السذاجة القول إن الإمبريالية كانت لا تبالي بتحول شيوعي في العراق، لكن يبدو أنها كانت على يقين من أن “المرحلة الكاستروية” لن تصل إلى نهاياتها الطبيعية وبخاصة في منطقة بترولية حساسة، وأن لها دوراً تلعبه وتنتهي . وهذا ما جرى فعلاً : قام الحزب الشيوعي العراقي بدور سياسي حاسم في إحباط المشروع الوحدوي ، وبعد سنة بالضبط ، في تموز/ يوليو 1959 قصت أجنحته بحل ” لجان حماية الجمهورية” و”منظمات القاعدة الشعبية” ثم تعايش، طوال خمس سنوات تقريباً ، مع حكم عسكري فردي متخلف ، إلى أن سحق في شباط/ فبراير سنة 1963. مرة أخرى نقول: إن الواقع السياسي العربي الجديد الذي جاءت به وحدة العام 1958 وميزان القوى المحلي الجديد الذي فرضته ( والذي لم يعد لصالح الاستعمار وإسرائيل والرجعية العربية)، والاحتمالات الثورية، سواء الوطنية أو الوحدوية، التي أطلقتها (سواء التمرد الوطني اللبناني أو ثورة 14 تموز/ يوليو)- هذه الوقائع كلها تجلو وتبرز للعيان عظمة، أهمية، واقعية، عقلانية المشروع الوحدوي. وفي المقابل، فإن اختناق هذه الاحتمالات وارتطام المشروع الوحدوي ثم انتكاسة ثم مقتلة، وبالتالي انقلاب التيار لغير صالح القوى الوطنية العربية ( بدأ مع الانفصال، وحقق أول نجاحاته الساحقة في حزيران/ يونيو 1967)، إنما يكشف قصور الوعي العربي في سائر مستوياته السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية. لذا، لسنا، كما يزعم البعض ، إزاء لاواقعية أو لاعقلانية المشروع الوحدوي، بل إزاء تأخر في الوعي فحسب، تأخر جعل القوى الوطنية العربية غير قادرة على تذليل العقبات والعرقلات التي تقف أمام هذا المشروع الذي يشكل أرضية مناسبة للتقدم العربي.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع