الرئيسية | المـكـتبــــة | أدبيات ناصرية | في ذكرى الوحدة: حول تجربة الوحدة المصرية- السورية الجزء الاول

في ذكرى الوحدة: حول تجربة الوحدة المصرية- السورية الجزء الاول

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في ذكرى الوحدة: حول تجربة الوحدة المصرية- السورية   الجزء الاول

الاستاذ ياسين الحافظ. في 22 شباط/ فبراير 1958

 

أحرزت الحركة القومية العربية، بعد نضال استمر حوالى نصف قرن، أول انتصار قومي وحدوي في تاريخ العرب المعاصر، تمثل في وحدة مصر وسوريا في إطار دولة موحدة اسمها “الجمهورية العربية المتحدة”. 

 

بعد ثلاث سنوات وسبعة أشهر انفصمت هذه الوحدة. 

 

في أي سياق، عربي ودولي، قامت الوحدة؟ ما مفاعيلها السياسية على الإمبريالية، إسرائيل والرجعيات العربية؟ كيف كانت العلاقة بين الإقليمين المصري والسوري في إطار هذه الوحدة؟ كيف وقع الانفصال؟ ولماذا؟ وما هي دروس هذه التجربة؟ هل فشلت أم قتلت؟ * 

 

بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت دول الاستعمار التقليدي كدول من الدرجة الثانية، وحين صعدت القوتان الجديدتان الرئيسيتان على المسرح الدولي (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة) وحين استأنفت الشعوب، بعد انتهاء الحرب، نضالها ضد الاستعمار، أصبحت عملية نزع الاستعمار التقليدي مطروحة في أمر اليوم. ولم يكن سهلاً على دول الاستعمار التقليدي القبول بهذا الميل التاريخي، فأرادت تسوية بينها وبين الشعوب العربية تكفل لهذه الشعوب انتقالاً ما من التبعية إلى شبه الاستقلال في إطار النفوذ الإمبريالي للدول الغربية. وهنا تضافرت، على رغم التناقضات التكتيكية والجزئية، جهود دولتي الاستعمار التقليدي (إنكلترا وفرنسا) مع دول الاستعمار الجديد (الولايات المتحدة) التي كانت تطمح إلى وراثة التركة الاستعمارية القديمة ليس فقط لمتابعة استغلال الشعوب العربية واضطهادها، بل أيضاً لجعلها مرتكزاً لعملية محاصرة وصد الاتحاد السوفياتي التي بدأت مع مشروع ترومان وتصاعدت مع سياسة “حافة الحرب ” التي مارسها دالاس ، وزير الخارجية في عهد آيزنهاور. 

 

في سياق محاولة إعادة وضع الشعب العربي في دائرة النفوذ الغربية، أي لجعل الاستقلالات السياسية التي يطالبون بها نصف استقلال أو شبه استقلال، طرحت الإمبرياليات مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط وميثاق الأمن المتبادل مع مصر (1951- 1953). 

 

وبالنسبة إلى سوريا، توالت المشاريع “الوحدوية” من العراق، متواكبة مع سلسلة من المؤامرات وعمليات الإفساد والإرشاء للقسم الأكثر تأخراً ويمينية من البنية السياسية السورية (1949- 1957). 

 

ولم يلبث المشروع الاستعماري أن أخذ يتبلور: المطلوب إقامة “حلف أطلسي صغير” للشرق الأوسط. وعلى رغم بعض تناقضات جزئية وثانوية بين أمريكا وإنكلترا، سارت قدماً عملية بناء الحلف الذي سمي “حلف بغداد” في ما بعد، والذي اكتمل تقريباً في تشرين الأول/ أكتوبر1955، وكان يضم في عضويته، فضلاً عن إنكلترا، باكستان، تركيا، إيران، والعراق. أما أمريكا، فقد اكتفت بعضوية اللجنة العسكرية فقط. كانت مصر التي وقعت مع إنكلترا اتفاقية الجلاء في تشرين الأول/ أكتوبر1954، قد رفضت رفضاً قاطعا الدخول في أحلاف مع الدول الغربية. لذا اتجه حلف بغداد، في محاولة لعزل مصر وإجبارها بالتالي على القبول بالدخول في عضويته، إلى تكثيف مؤامراته وضغوطه على سوريا للسيطرة عليها وإدخالها في الحلف. وعندما أدركت مصر هذه الواقعة بادرت إلى هجوم معاكس كان بداية انفجار أكبر وأعظم المعارك السياسية والعسكرية التي شهدها الوطن العربي، منذ الاجتياح الاستعماري. هذا الهجوم المعاكس أخذ يتجه رويداً رويداً إلى مزيد من الراديكالية في موقفه من الإمبريالية ورؤيته لها من جهة، كما أنه اتجه، من جهة أخرى، إلى عزل العراق الذي أرادوا له أن يكون جسراً بين الحلف والوطن العربي، عن التأثير ببقية العرب. وفي هذه المعركة، كانت سوريا الميدان الرئيسي طوال أكثر من خمس سنوات على الأقل، وبلغت ذروتها خلال السنتين الأخيرتين اللتين سبقتا قيام الوحدة. ففضلأ عن المؤامرة الأمريكية- العراقية- الإنكليزية التي كشف عنها النقاب في تشرين الأول/ أكتوبر 1956، والتي تواطأ فيها قطاع غير صغير من الكتلة السياسية التقليدية السورية، حيكت مؤامرة أخرى للقيام بانقلاب مسلح ينفذ، كما قال عبد الله سعادة (1) ، في وقت واحد مع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وما لبثت الولايات المتحدة، بعد فشل العدوان الثلاثي، أن بادرت للعمل منفردة للإعداد لانقلاب عسكري (مؤامرة ستون)، لكنه أحبط وكشف عنه النقاب في 12 آب/ أغسطس 1957. وتابعت الإمبريالية الأمريكية جهودها لقلب سوريا عبر الحشود العسكرية التركية على الحدود الشمالية لسوريا. 

 

في هذه المعركة، أيضاً، برزت مصر وسوريا بوصفهما المركزين العصبيين والقلعتين الأماميتين للأمة العربية بأسرها. وكان من الطبيعي، في غمار هذه المعمعة المميتة، أن يتقارب هذان المركزان، أن يشعر كل واحد أنه بحاجة لحماية الآخر والتضامن معه. 

 

من هنا بالضبط بدأ الطريق الوحدوي الذي قاد إلى قيام الجمهورية العربية المتحدة. وفي هذا الطريق، أيضاً ، خاض كل من البلدين معركة سويس خاصة به. مصر خاضت، “سويسها” دفعة واحدة في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1956، أما سوريا فقد خاضت “سويسها” مقسطة على أربع أو خمس سنوات، امتدت منذ العام 1953 وحتى قيام الوحدة (2). والسبب الذي جعل السويس المصرية تأتي دفعة واحدة، يعود أساساً إلى أن عبد الناصر استطاع أن يوحد الجبهة الداخلية المصرية وأن يشل القوى السياسية التي يمكن الاستعمار أن يلعب بها أو يحركها من جهة، ومن جهة أخرى يعود إلى كون مصر عبد الناصر كانت، بالطبع، أكثر فاعلية وتأثيراً من سوريا، كما أنها كانت موقداً ومحركاً لحركة الكفاح ضد الاستعمار في طول الوطن العربي وعرضه، بل وفي قسم من أفريقيا أيضا. 

 

وفي المقابل فإن تخلخل البنية السياسية السورية وتناثرها، جعل الإمبريالية قادرة على الدوام على أن تلعب بالقوى السياسية التقليدية المتأخرة، وهذا ما أبقى لها الأمل، بالتالي، في أن ترى سوريا ساقطة في دائرة النفوذ الإمبريالي. 

 

إذاً ، ففي الصراع في سبيل الاستقلال، وضد حلف بغداد، ثم مرورأ بالعدوان الثلاثي، ووصولا إلى مبدأ آيزنهاور (الذي جاء ذروة السياسة الهجومية الاستعمارية الأمريكية بعد تصفية قواعد الاستعمار القديم) وعلى أشلائه قامت وحدة العام 1958، أي إنها الوحدة التي قامت “إثر حالة حرب، بل وسط حالة حرب سياسية من أكبر حالات الحرب الباردة التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية”.  

 

وهكذا، ففي هذه المعركة الطويلة المريرة ضد الاستعمار، السياسية حيناً والعسكرية حيناً آخر، كان النزوع الوحدوي يتحدد ويتبلور بوصفه نزوعاً معادياً للاستعمار، بحكم السياق الذي اندرج فيه، والعدو الذي قاتله والقوى التي حملت لواءه. 

 

من هنا يبدو بمثابة توتولوجيا "أي قول الشيء نفسه"؛ الاشتراط الذي طرحه بعض الماركساويين حول ضرورة قيام الوحدة العربية على أسس معادية للاستعمار، ذلك لأن المنحى التاريخي للنضال الوحدوي هو منحى معاد للاستعمار. وبالتالي فإن اشتراطاً كهذا إن لم يكن نافلة فهو، بكل تأكيد، مطلب أقل جدية وأقل تطلباً من السيرورة العملية للنزوع الوحدوي . والمشاريع الوحدوية المناقضة لهذا النزوع، ومثالها الاتحاد الهاشمي بين الأردن والعراق الذي قام رداً على الجمهورية العربية المتحدة، هو الاستثناء المصطنع الذي يثبت القاعدة، وليس العكس. العامل الخارجي، إذاً، هو الذي لعب الدور الحاسم في صنع وحدة العام 1958. 

 

لا شك في أن الايديولوجيا القومية العربية، ذات الجذور التاريخية العريقة والتأثير الوازن في سوريا، هي التي جعلت الشعب السوري يعتبر على الدوام تخلّيه عن كيانه السياسي بمثابة انتصار، إلا أن الصراع الذي فرضته الإمبريالية على الأمة العربية عموماً ، وعلى مصر وسوريا خصوصاً ، لعب الدور الحاسم والمسرع في إقامة هذه الوحدة. العامل الخارجي (ولعب دوراً كبيراً في الوحدة الألمانية، كما لاحظ أنجلس)، وليس التطور البرجوازي، المصري أو السوري، هو الذي لعب دور المحرك للنزوع الوحدوي . ولعل افتقار هذه الوحدة إلى هذا العامل كان عاملاً في ضعفها وثغرة في بنيانها، فالتطور البرجوازي الكولونيالي، بتبعيته للخارج، شكل عنصر نبذ مضاداً للنزوع الوحدوي، خلافاً للتطور البرجوازي الغربي الذي كان عامل جذب وتوحيد قومي. إن افتقار الجمهورية العربية المتحدة إلى طبقة برجوازية حقة (والبرجوازية الكولونيالية ليست سوى كاريكاتور برجوازية) جعلها ترتكز على البرجوازية الصغيرة. غير أن الأخيرة هذه ليست طبقة بالمعنى العلمي للكلمة، وبخاصة في  البلدان المتخلفة ، لكونها فراطة لا تجمعها مصالح مشتركة، ولا تربطها، إيجابياً، ايديولوجيا مشتركة، ولا ترتكز على قاعدة محددة من وسائل الإنتاج. ولأن البنية السياسية للنظام الناصري لم تستطع أن تجبل وتبلور طبقة سياسية حديثة من الفراطات البرجوازية الصغيرة، بقي بنيان دولة الوحدة هذه ثلوماً ، فاستطاعت الإمبريالية أن تنفذ إليها ، مستفيدة من عوامل متعددة، على رأسها عامل الافتقار إلى تواصل الأرض ، وتضربه من الداخل. والواقع أننا عندما نتحدث عن طبقات في المجتمع العربي إنما نفعل ذلك على سبيل التقريب. فلم يشهد مجتمعنا الإقطاعية ولا الرأسمالية في صيغتيهما الأوروبية، والبنى التقليدية ما قبل البرجوازية والتطور الرأسمالي المحدود والمشوه ما زالت تحجز الاستقطاب الطبقي وتشوهه. لذا فإن ما نسميه طبقات هو، في الواقع، بالأحرى فئات اجتماعية متشابكة ومتفاوتة في السلم الاجتماعي، تتصارع فيما بينها وتمارس الواحدة إزاء الأخرى اضطهاداً ما أو أستغلالاً ما. وبالتالي فما نزال إزاء “بداوة طبقية” أو “طبقية مبدونة”، إذا صح التعبير. المسرح السياسي السوري، حيث عاشت برلمانية شرقية بكل قباحاتها وحسناتها (قياساً بالمملوكيات “الثورية”)، كان يقدم عينة من هذه الحقيقة الواقعية التي ذكرنا. فالكتل والتيارات السياسية لم تكن منقسمة وموزعة على أساس اعتبار طبقي ما وحده. لا شك في أننا كنا نتبين ملمحاً طبقياً عاماً في ثنايا الايديولوجيا والبنية الاجتماعية لهذه الكتلة أو ذاك الحزب، لكن الاعتبارات المحلية والعشائرية والطائفية والايديولوجية كانت تلعب، بصورة واعية أو غير واعية، دوراً وازناً في الخريطة السياسية لسوريا. إذا أخذنا هذا التحفظ بالاعتبار، واذا أخذنا بالاعتبار أيضاً كون النزوع الوحدوي في سوريا كان يجد ديناميته خلال الصراع مع الإمبريالية، يمكننا القول، خلافاً للماركساوية الاقتصادية التبسيطية، إن القوى السياسية التي وقفت مع الوحدة هي عينها القوى التي ناضلت ضد الإمبريالية خلال الفترة 1954- 1958 (مع استثناء ضعيف المغزى، تمثل في موقف الحزب الشيوعي السوري المعارض للوحدة)، وهذه القوى مكونة أساساً من حزب البعث والجيش السوري، فضلاً عن كسور من الكتلة السياسية التقليدية، كانت مجرورة أكثر مما هي مندفعة. أما القوى التي عارضت الوحدة أو توجست منها، فهي نفسها تقريباً القوى التي كانت إما خائفة من الإمبريالية أو ميالة للمصالحة معها أو مرتبطة بها، وهي قوى يغلب فيها الملمح التقليدي المختلط بالمتبرجز، فضلاً، عن كسور مهمة من الكتلة البرجوازية الصغيرة (الإخوان المسلمين).  في بلد لم تخترقه السياسة بمعناها الحديث، لم يمارس السياسة بمعناها العصري، وبالتالي حيث الالتزام بالمصلحة القومية والتصرف وفقاً لها من قبل الكتل الشعبية مثقل ومغموس بقبليات ما قبل قومية، وحيث الرابطة بين النخبة السياسية وقواعدها الشعبية تذهب إلى أبعد وأعمق من الموقف السياسي للنخبة لتصل إلى ولاء معزول إلى هذا الحد أو ذاك عن الموقف السياسي- في بلد كهذا حيث ذهبت الجماهير السورية، لعمق النزوع الوحدوي في سوريا وللصورة البطولية التي خرج بها عبد الناصر من معركة السويس، إلى مواقع أخرى بعيدة، بالنسبة إلى مسألة الوحدة مع مصر، عن مواقع النخبة السورية التقليدية- المبرجزة، فاندفعت في موج زاخر هادر يهتف للوحدة، أو المأتم القومي الذي عاشته عند الانفصال ، لا بد أن يصاب بالذهول إزاء هذه الظاهرة. 

 

في تلك المعركة الضارية التي فرضتها على سوريا الإمبريالية والقوى الرجعية العربية الضالعة معها، كانت البنية السياسية السورية تتمزق، وهي البنية التي كانت مخلخلة بالأساس ، بفعل التناثر السوري ذي الجذور التاريخية. والقول بأن “سوريا أصبحت في أواخر صيف 1957 على شفا الانحلال كمجتمع سياسي منظم ” (3) ينطوي على مبالغة ولا ريب، لكن فيه بعض حقيقة. ثم إن الانفصال بين الكتلة الرئيسية من النخبة السياسية والجماهير، والتمزق الذي أصاب هذه النخبة، وأخيراً ابتعاد أو إبعاد القسم من هذه النخبة، الذي دفع سوريا في طريق الوحدة ، عن مركز القرار في الجمهورية العربية المتحدة، خلق في سوريا فراغاً سياسياً لم يستطع أن يملأه هذا السديم الشعبي ، وإن الملتهب، الذي سار وراء عبد الناصر. ومن هذا الفراغ، الناجم بالطبع عن قصور في الوعي، الذي يفصل القائد عن الجماهير، استطاعت الرجعية السورية، مستفيدة من التناقض بين البيروقراطيتين العسكريتين السورية والمصرية، ومرتكزة على دعم الرجعية العربية والدول الإمبريالية (حتى فرنسا الديغولية لم تكن بعيدة، ناهيك عن أمريكا وإنكلترا، عن مؤامرة الانفصال) (4)، أن تنفذ إلى بناء الوحدة وتضربه من الداخل. إن مسألة إسقاط الوحدة (ولا نقول سقوط ولا فشل) تعود، في التحليل الأخير، إلى مسألة الوعي. وهذا القصور في الوعي لا يقتصر على نخبة النظام الناصري، بل يتعداها إلى جماع الحركة القومية العربية المشرقية، التي يتجلى قصور وعيها ليس فقط في كونها عجزت عن استشراف السيرورة المعقدة والشاقة للنضال الوحدوي ، بل أيضاً في كونها عجزت عن وضع المسألة القومية في صلب قضية تقدم الأمة العربية، عن رؤية التفاعل الجدلي بين التقدم والتوحيد القومي ، وأخيراً في تصورها الساذج، المتهافت والمتناقض ، لمسألة تقدم المجتمع العربي بوجه عام .  

 

والواقع ان ما أعطى مسألة الوعي أهميتها الحاسمة بل المحورية في تجربة وحدة العام 1958 بين مصر وسوريا هو، أولاً، العداء الشرس الذي واجهت به القوى الإمبريالية هذه الوحدة، ناهيك عن العداء المتفاوت الشراسة والاستقتال الذي لقيته من قبل الدول المجاورة للوطن العربي : ففضلاً عن إسرائيل، التي رأت في هذه الوحدة تحولاً خطيراً في ميزان القوى، كانت إيران وتركيا تناصبانها العداء، وأخيراً توجس أو حذر أو عدم أرتياح الاتحاد السوفياتي، صديقنا التاريخي والاستراتيجي . 

 

أما العامل الثاني الذي أعطى مسألة الوعي هذه الأهمية المحورية فهو عدم الاتصال الأرضي بين سوريا ومصر. ولو أن سوريا كانت جغرافياً، بالنسبة إلى مصر، ليبيا أو السودان، لما أخذت مسألة الوعي هذا الشكل الحاد والمصيري، بل لكان مستحيلاً تقريباً أن يقع انفصال، وبالتالي لما طلعت علينا هذه النظريات حول “الوحدة المدروسة” و”الوحدة الراسخة” و”الوحدة التي تحميها الجماهير المنظمة” و”الوحدة الديمقراطية”، و”الوحدة المتكافئة” إلى آخر هذه الأسطوانة المكسورة، التي ما برحنا نسمعها منذ صبيحة 28 أيلول/ سبتمبر 1961، وفي النهاية لما فرحت تلك النظريات التي اكتشفت، من خلال الصفن، حتمية سقوط الوحدة!! 

 

ما من تجربة عربية أخرى، بما في ذلك الحرب- الهزيمة في حزيران/ يونيو 1967، شكلت رائزاً للوعي العربي وللايديولوجيا العربية مثل تجربة وحدة العام 1958، فقابلية الانثلام الكامنة في هذه الوحدة، الناجمة عن أفتقارها إلى التواصل الأرضي، كانت بوجه عام رائز وعي النخبة السياسية المصرية- السورية، سواء الجزء الذي تحمّل مسؤوليتها أو الذي أزورّ عنها أو الذي عارضها، وفي الوقت نفسه كانت رائز وعي النخب العربية الأخرى بوجه عام. كيف؟ الجزء الذي تحمّل مسؤوليتها، وقتلت وهي تحت قيادته، كشف عن عجز وبالتالي عن قصور في قيادة العملية الوحدوية. 

 

إن وحدة قطرين، على رغم عمق ما يجمع بينهما من إرث الماضي، وعلى رغم الطابع التخلفي المتأخر المشترك لحاضرهما، وعلى رغم وحدة الآمال التي يتطلعان إليها في المستقبل، بينهما بعض ما يمايز ( التفاوت في الاندماج أو التناثر القوي لهذا القطر أو ذاك، كثافة أو ثقل النزوع المحافظ في الايديولوجيا السائدة في هذا القطر أو تأخرها في القطر الآخر) كانت تتطلب من تلك النخبة وعياً عيانياً تفصيلياً لهذه الحقائق الواقعية في كلا القطرين يكفل القدرة على التذليل والتذويب في آن. وخلافاً لمزاعم الايديولوجيا الإقليمية التي تتخذ من عنصر التباين أو التمايز بين الأقطار، كما تفعل الماركساوية العربية الاقتصادية، حجة لوضع الوحدة على الرف واستبعاد النضال الوحدوي واعتباره هدراً لطاقة وجهد الجماهير، وخلافاً لطوباوية الايديولوجيا القوماوية العربية التي تنكر هذه التباينات الإقليمية أو تستهين بها، فإن هذه التباينات ليست، في التحليل الأخير، سوى مشكلة من مشكلات الواقع العربي ومشكلات التوحيد القومي، مشكلة تتطلب رفع الوعي الوحدوي وليس النكوص إلى الاستنقاع الإقليمي. إذاً ففي مواجهة أسوار التجزئة لسنا بالأحرى إزاء عرقلات تتطلب إرجاء الوحدة، بل إزاء مسألة تنمية الوعي العربي لكي يكون في مستوى مناسب. وما دام الأمر كذلك، تغدو معضلة النضال الوحدوي، شأن معضلات النضال الاشتراكي أو التحديثي، سواء بسواء، مسألة وعي، ثم تحويل هذا الوعي، بتملكه الجماهير، إلى قوة مادية. وهكذا نعود مرة أخرى، وفي المستوى الأخير، إلى مشكلة التأخر، بوصفها عاهة الايديولوجيا العربية بجميع تلاوينها وتشعباتها : القوماوية، الماركساوية، الاقليمية ، الخ. وقصور الوعي لا يقتصر على هؤلاء الذين تحمّلوا مسؤوليتها، بل يمتد، وهنا المفارقة، إلى هؤلاء الذين ازورّوا عنها أو عارضوها، وبخاصة المنتمين إلى الايديولوجيا القوماوية العربية الذين انتقلوا إلى مواقع إقليمية، عندما شرّطوا وعلّبوا وقننوا العملية الوحدوية. والواقع أن هذه الايديولوجيا، بسذاجتها وشعوريتها، تنطنط من مطلق إلى مطلق، لأنها عاجزة عن تصور المسار الوحدوي كصعود شاق يتواكب مع الوعي السياسي السائد ومع الايديولوجيا السائدة، وبالتالي اعتبار الوعي الوحدوي خلاصة وزبدة الوعي العام لمجتمع يعاني شقاء قومياً من جهة، ويواجه ضغوطاً ساحقة من قبل الإمبريالية من جهة أخرى. ولأن الايديولوجيا القوماوية العربية اعتبرت الوحدة طوباوية أو مثالاً وليس واقعاً يتطور مع تطور وعي البشر الذين يناضلون في سبيل المشروع الوحدوي، رأينا قطاعات غير صغيرة من قطاعاتها تنتقل، دونما شعور بعميق تناقض، عبر شقلبة ميتافيزيائية، إلى مواقع إقليمية وانفصالية. ولعل أبرز مثال على هذه الحقيقة الواقعة هو المناداة بـ “الوحدة المدروسة” التي انتهت عملياً إلى انفصالات أو انفصاليات مدروسة. في تجربة وحدة 1958، أعطت الايديولوجيا القوماوية العربية كل ما لديها. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم تثبت هذه الايديولوجيا أنها إما عاجزة عن خدمة المشروع الوحدوي أو أنها تحولت إلى عقبة في وجهه. والمهمة المطروحة أمام الثوريين العرب هي دفن ، عبر الدحض والتفنيد، هذه الايديولوجيا واستبقاء هذا العنصر الثمين والعظيم منها، عنصر يشكل أرضية المستقبل العربي ، الوحدة العربية.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع