الرئيسية | المـكـتبــــة | خطاب جمال عبد الناصر لإعلان الوحدة في 5 فبراير 1958 في مجلس الأمة في القاهرة

خطاب جمال عبد الناصر لإعلان الوحدة في 5 فبراير 1958 في مجلس الأمة في القاهرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خطاب جمال عبد الناصر لإعلان الوحدة في 5 فبراير 1958 في مجلس الأمة في القاهرة

 

 

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

في حياة الشعوب أجيال يواعدها القدر، ويخصها دون غيرها بأن تشهد نقط التحول الحاسمة في التاريخ .

إنه يتيح لنا أن تشهد المراحل الفاصلة في تطور الجهاد الخالد، تلك المراحل التي تشبه مهرجان الشروق حين يحدث الانتقال العظيم ساعة الفجر، من ظلام الليل إلى ضوء النهار.

إن هذه الأجيال الموعودة تعيش لحظات رائعة. إنها تشهد لحظات هي انتصار عظيم ،لم تصنعه وحدها، ولم تتحمل تضحياته بمفردها، وإنما هى تشهد النتيجة المجيدة، لتفاعل عوامل أخرى كثيرة، واصلت حركتها في ظلام الليل ووحشته، وعملت وسهرت، وظلت تدفع الثواني بعد الثواني، إلى الانتقال العظيم ساعة الفجر.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

إن هذا الجيل من شعب مصر، من تلك الأجيال التي واعدها القدر، لتعيش لحظات الانتقال العظيمة التي تشبه مهرجان الشروق.

لقد عشنا ساعة الفجر ورأينا انتصار النور الطالع، على ظلمات الليل الطويل.

لقد عشنا وشاهدنا فجر الاستقلال .

لقد عشنا وشاهدنا فجر الحرية.

وعشنا ورأينا فجر العزة والكرامة.

وعشنا ورأينا فجر القوة.

وعشنا ورأينا الأمل في بناء مجتمع سعيد.

واليوم نعيش ونرى فجراً جديداً رائعاً .

لقد بدأ مشرق الوحدة .

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

لقد سبق كل فجر شهدنا مطلعه ليل طويل .

لقد سبقت فجر الاستقلال، وفجر الحرية، وفجر العزة والكرامة وفجر القوة ، وفجر الامل، ليال طوال امتدت مئات السنين، في صراع مستمر مع ظلام الاستعمار والاستبداد والظلم والعسف .

ليال طوال عاشتها أجيال قبلنا، وقاست أهوالها، وتحملت مصائبها، لكي تقرب منا اللحظات الرائعة للانتقال العظيم .

وكذلك هذا الفجر الذي نشهد اللحظة مطلعه.

إن الليل الذي سبق فجر الوحدة هو- دون شك- أطول ليالي كفاح أمتنا العربية، ذلك أن الأمل الذي يتحقق لنا اليوم، هو أقدم عمر في تاريخ أمتنا.

قد بدأ معها منذ بدأت، ونشأ على نفس الأرض، وعاش نفس الحوادث، واندفع إلى نفس الأهداف، فلما استطاعت امتنا أن ترسي قواعد وجودها في هذه المنطقة، وتثبت دعائم هذه القواعد، كان مؤكدأ أن الوحده قائمة، وأن موعدها بات قريباً.

لقد كان الكفاح من أجل الوحدة، هو نفسه الكفاح من أجل الحياة.

ولقد كان التلازم بين القوة والوحدة أبرز معالم تاريخ أمتنا.

فما من مرة تحققت الوحدة، إلا تبعتها القوة، وما من مرة توافرت القوة إلا كانت الوحدة نتيجة طبيعية لها .

وليس محض صدفة أن إشاعة الفرقة، وإقامة الحدود والحواجز، كانتا أول ما يفعله كل من يريد أن يتمكن في المنطقة ويسيطر عليها.

وكذلك لم يكن محض صدفة أن محاولة الوحدة في المنطقة لم تتوقف منذ أربعة آلاف سنة، طلباً للقوة، بل طلباً- كما قلت- للحياة .

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

لفد كان أسلوب السعي إلى الوحدة يتشكل بالعصر الذي تعيش فيه كل محاولة لتحقيقها، ولكن الهدف ظل دائما لا يتغير، وبقيت الغاية في كل وقت ، هي هذه اللحظات التي نعيشها الآن .

لقد اتحدت المنطقة بحكم السلاح يوم كان السلاح هو وسيلة التعبير في الطفولة الأولى للبشرية، واتحدت المنطقة حين بدأت رسالات السماء تنزل إلى الأرض لتهدى الناس .

واتحدت المنطقة بسلطان العقيدة حين اندفعت رايات الاسلام تحمل رسالة السماء الجديدة ، وتؤكد ما سبقها من رسالات، وتقول كلمة الله الأخيرة في دعوة عباده إلى الحق .

واتحدت المنطقة بتفاعل عناصر مختلفة في أمة عربية واحدة .

واتحدت المنطقة باللغة يوم جرت العربية وحدها على كل لسان .

واتحدت المنطقة تحت دافع السلامة المشتركة يوم واجهت استعمار أوروبا يتقدم منها محاولا أن يرفع الصليب ليستر مطامعه وراء قناع من المسيحية. وكان معنى الوحدة قاطعاً في دلالته حين اشتركت المسيحية في الشرق العربي في مقاومة الصليبيين جنباً إلى جنب مع جحافل الاسلام حتى النصر.

واتحدت المنطقة بالمشاركة في العذاب، يوم حلت عليها غارات الغزو العثماني، وأسدلت من حولها أستار الجهل، تعوق تقدمها، وتمنعها من الوصول إلى عصر النهضة في أوروبا .

بل إن المنطقة اتحدت فيما تعرضت له في كل نواحيها، من سيطرة الاستعمار عليها وقد كان اتحادها في الثورة على هذا الاستعمار بكل أشكاله، ومقاومته في تعدد صوره .

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

هكدا ترون الوحدة حقيقة، حقيقة نسعى إليها، أو حقيقة قائمة بالفعل .

هكذا ترون أن الصراع من أجل القوة ، من أجل الحياة، يتم ويتحقق بالوحدة، وترون أن الوحدة لا تتم ولا تحقق إلا بقوة الحياة .

وهكذا ترون أن تاريخ القاهرة، في خطوطه العريضة، هو بنفسه تاريخ دمشق في خطوطه العريضة.

ولقد تختلف التفاصيل، ولكن المعالم البارزة هي نفس المعالم .

نفس المعالم، نفس الغزاة ، نفس الملوك نفس الأبطال نفس الشهداء .

بل أنه لما بدا في بعض الأحيان أن مصر ابتعدت عن الفكرة العربية، وقطعت ما بينها وبين المنطقة من صلات، وذلك بعد الحملة الفرنسية على مصر، ثم تحت حكم أسرة محمد علي ، لم يكن الامر في باطنه بمثل ما يبدو في ظاهره .

لم يكن البعد سطحيا، ولم تكن الحقيقة إلا باللسان .

اما الشواهد الحقيقية، وأما الأدلة الأصيلة فكانت تؤكد أن ما قربه الله لا يمكن أن يبتعد، وما وصلته الطبيعة لا يمكن أن ينقطع .

من بين الشواهد والأدلة أن جيش الفلاحين الذي سار تحت قيادة ابراهيم باشا كان يسمي نفسه الجيش العربي .

ومن بين الشواهد والأدلة، أن القاهرة التي سارت ، في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، إلى فتح النوافذ لتيارات النهضة، تحولت إلى قلعة للفكر الحر فى الشرق العربي، وما لبث رواد الحرية في سورية ورواد الحرية في المنطقة العربية كلها، أن وفدوا إليها يتحصنون بأسوارها المنيعة، ويبعثون منها اشعاعات الفكر، لتعبىء وتلهم .

بل إن القاهرة حولت، فى مطلع القرن العشرين، فأصبحت، هي ودمشق، المركز الرئيسي للجمعيات السرية التي راحت تناضل من أجل تحرير الأمة العربية، بكل ما يملكه الشباب من روح البذل والفداء .

هكدا كانت الوحدة هي الحقيقة، وكان ما عدا الوحدة اصطناعاً .

هكذا كان واضحاً أنه إذا تركت المنطقة تستوحي طبيعتها، وتستلهم مشاعرها، وتسمع إلى دقات قلبها، فإن اتجاهها إلى الوحدة يصبح لا ريب فيه ولا مناص منه .

وهذا هو ما حدث .

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

حين حصلت سورية على استقلالها الكامل تطلعت إلى مصر.

وحين حصلت مصر على استقلالها الكامل تطلعت إلى سورية .

ولقد كان التقارب، بل التوافق والتماثل، كاملاً حتى قبل أن يوقع ميثاق جامعة الدول العربية، وحتى بعد أن تم توقيعه وأرادت له بعض القوى أن يبقى حبراً على ورق .

لقد كان في سورية رد فعل لكل حركة في مصر، كما كانت أصداء الذي يحدث فى دمشق تتجاوب في القاهرة.

في مصر وسورية، ذلك الفوران الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، وبدأت على أثره حركات التحرر الهائلة في أفريقية وآسيا.

في سورية ومصر، هذه الهزات العنيفة ووراءها تغيير الأوضاع تطلعاً إلى الأفضل والأحسن .

في مصر وسورية ذلك الاندفاع إلى حرب فلسطين بالفروسية والإيمان، ولكن من غير سلاح.

ثم كانت في القاهرة ودمشق تلك الآثار التي ترتبت على حرب فلسطين، والتي كان أولها تلك اليقظة التي تشبه انتفاضة من لسعته النار فاستفاق .

ثم في سورية ومصر نفس المعارك؛ ولو قصرنا الحساب على الشهور الأخيرة فقط لكان مدهشاً.

إن المعارك التي خاضتها دمشق هي نفس المعارك التي خاضتها القاهرة : معركة الأحلاف العسكرية، معركة السلاح، معركة المؤامرات ؛ معركة التحرير الاقتصادي .

بل إن سورية خاضت معركة قناة السويس، بنفس العنف ، وبنفس القوة الني خاضت بها بورسعيد معركة قناة السويس .

وكذلك حاربت مصر معركة التهديدات الموجهه إلى سورية، وأعصابها كلها في دمشق ، وأمام أعصابها قطعة من جيشها احتل جندها مراكزهم جنباً إلى جنب مع إخوانهم جنود سورية.

ولقد كان ذلك كله مدهشاً، ولكنه لم يكن من صنع الصدف .

لقد مهدت عوامل كثيرة وكبيرة ونبيلة وعميقة لهذا الذي ربط بين مصر وسورية؛ مهدت الطبيعة، مهد التاريخ، مهد الدم، ومهدت اللغة، مهدت الأديان، ومهدت العقائد، مهدت السلامة المشتركة ومهدت الحرية.

كذلك اشتركت في التمهيد له تجارب من الألم والعذاب صنعها فرسان الطغيان الثلاثة: السجن والمنفى والمشنقة .

ولكن ذلك كله كان يمهد لهذا الفجر الذي نشهد مطلعه بعد ليل طويل.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

لقد كان البشير بالفجر هو ذلك القرار الذي اتخذه مجلس النواب السوري، واتخذه مجلسكم، بالعمل فوراً لتحقيق الوحدة بين مصر وسورية.

كان قراركم هذا تعبيراً عن واقع هائل لا يمكن تجاهله، وصدى مستجيباً لنداء قدسي لا نسنطيع أن نغلق آذاننا دونه .

ولم يكن هذا الواقع موجودأ في دمشق والقاهرة وحدهما، كذلك لم يكن ذلك النداء القدسي في هذا النطاق وحده لا يتجاوزه، وإنما كان الواقع موجوداً في كل أرجاء الوطن العربي .

وكان النداء هو هدير التيار المتلاطم بالموج ؛ ذلك التيار الذي شقت القومية العربية كلها مجراه، وحددت له خط سيره .

وهكذا بدأت القاهرة محادثات نهائية لرسم الشكل الخارجي للحقيقة الواقعة.

ولقد كانت هذه المحادثات في القاهرة تجربة جديدة فى التاريخ .

إنها لم تكن اجتماعاً يتم بناء على رغبة ساسة أو حكام .

وإنما كانت اجتماعات تمت بناء على ضغط والحاح وارادة عتيدة مصممة صادرة من قلوب الشعب.

ولقد كان خيراً على أي حال أننا تركنا الأمور تصل إلى هذا المدى .

فلقد كان ينبغي للشعوب أن تأخذ فرصتها كاملة حتى تثبت وحتى تؤكد لها الحوادث والتطورات أن طريق الوحدة هو طريق القوة ، طريق الحياة وأن الساعة التي تطلع إليها أجدادنا، وعمل من أجلها آباؤنا قد دقت أجراسها .

وإنه قد كتب لجيلنا، بعد ليل طويل، أن يشهد مطلع صبحها.

كان معناه أن الذي تخيلوه في المنى قد أصبح واقعاً، وأن الذي ذاقوا من أجله الموت قد أصبح هو الحياة نفسها.

كان معناه أن الذي نصبت المشانق لتحول دونه قد أصبحت له وحده قوة القانون وقدرته.

كان معناه أن الذي اصطنعت الفرقة بينه، قد عاد إلى طبيعته التي أودعها الله فيه، وكان متجانساً متحداً.

كان معناه أن السلاسل تكسرت، وأن السدود انهارت، وأن ا لحواجز سقطت، وأن الشظايا المتناثرة والأجزاء المتفرقة توشك أن تعود إلى بعضها بل إلى كلها.

كان معناه أن سوريا ومصر، قد قررتا تحمل المسؤولية التاريخية التي تهيأتا لها، بصفة كونهما بلدين عربيين خلص زمام الأمر فيهما لأبنائهما، وتحققت لهما في أراضيهما سيادة حقيقية، واستقلال كامل .

كان ذلك هو معنى محادثات القاهرة .

ولقد انتهت محادثاتنا، إلى اعلان الوحدة رسمياً، وتوقيع هذا الاعلان في يوم السبت الأول من [شباط] فبراير سنة 1958.

أيها المواطنون أعضاء مجلس الأمة

على أنني أرى أن من واجبي، في هذه اللحظات، أن أصارحكم وشعب الجمهورية العربية المتحدة كله معكم، أن الطريق الذي نقبل عليه طويل وشاق .

إن رحلتنا عليه ليست نزهة نروح بها عن النفس .

وانما رحلتنا هي مشاق ومتاعب، وكفاح وجهاد.

ولكن هذه كلها هي الثمن العادل للأمل الكبير الذي نسعى إليه.

ولسوف يضاعف من مصاعب ما سوف نلقاه أمامنا على الطريق أن الذين لا تروقهم وحدة سورية ومصر، ولا توافق أغراضهم، لن يتقبلوها بالرضى والسكون، وإنما ستكون ا لمساعي، وستكون المحاولات، وستكون ا لمناورات .

لهذا أقول لكم من الآن : إننا في سعينا على طريق أملنا، يجب أن نظل مفتوحي الأعين منتبهي الحس والوجدان .

ولكن علينا أن ندرك أن لهذه الفترة الرائعة أخطارها أيضاً.

وربما كانت شهوات أنفسنا هي أكبر الأخطار التي يتعين علينا مواجهتها ؛ لقد مرت علينا قرون من الزمان وأحلامنا وأمانينا ورغباتنا وأهدافنا حبيسة وراء الحواجز والسدود التي صنعها الاستعمار.

ولقد تهاوت الحوا جز والسدود، لما زال وجود الا ستعمار من بلادنا، وهكذا بدأت الأ حلام والأماني والرغبات والأهداف تنطلق من عقالها وتتدا فع بسرعة في مثل تدفق الفيضان.

ولقد كان هذا هو التفسير الحقيقي لسرعة الحوادث في جيلنا، وهذا أمر طبيعي، بعد أجيال عديدة مكبوتة، ولكن هذا أيضاً تحذير كما هو تفسير.

إنه تحذير بأن من أول واجباتنا أن نقيم من الحكمة خزانات على أمانينا ثم نفتح عيونها ليمر التيار، على شكل الفيضان المنظم، ولا يخر فوق رؤوسنا كالطوفان العالي الشديد.

إنني واثق أن التجربة التي نواجهها اليوم ستحقق كل ما يروجوه لها هؤلاء الذين عملوا لمشرق فجرها، طوال الليل المظلم .

وإنه لمما يؤكد ثقتي أن الله- تعالت قدرته- قد جمع قلبنا بقلب خير رفيق، وخير أخ ، وخير حبيب.

فقد أكد شعب سورية بتجارب الأيام، تجربة بعد تجربة، انه طليعة القومية العربية وانه رأس الحربة في اندفاعها، وانه الحارس الأمين لتراثها المجيد.

لقد بزغ أمل جديد على أفق هذا الشرق .

إن دولة جديدة تنبعث في قلبه .

لقد قامت دولة كبرى في هذا الشرق، ليست دخيلة فيه، ولا غاصبة، ليست عادية عليه ولا مستعدية.

دولة تحمي ولا تهدد، تصون ولا تبدد، تقوي ولا تضعف، توحد ولا تفرق، تسالم ولا تفرط، تشد أزر الصديق، ترد كيد العدو، لا تتحزب ولا تتعصب، لا تنحرف ولا تنحار، تؤكد العدل، تدعم السلام، توفر الرخاء لها ولمن حولها وللبشرجميعا، بقدر ما تتحمل وتطيق .

وفقكم الله، وبارك وحدتكم، وحمى جمهوريتكم العربية المتحدة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع