الرئيسية | المـكـتبــــة | في كتاب عن "المسألة القومية على مشارف الألف الثالث": الفكرة القومية والشعور المتعطّش لتأكيد الهوية

في كتاب عن "المسألة القومية على مشارف الألف الثالث": الفكرة القومية والشعور المتعطّش لتأكيد الهوية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

نشر بوساطة موريس أبو ناضر في الحياة يوم 31 - 08 – 1998

 

منذ حرب الخليج الثانية والكتابات عن انقراض الفكرة القومية تتكاثر. بعضها يعتبر أن لغة هذه الفكرة أصبحت "عتيقة"، وأحزابها هزيلة، وخطابها هامشياً، وبعضها الآخر يعتبر أن الشعور القومي المتعطش إلى تأكيد هويته، والنابض بحلم مثالي بوحدة تجرف الحدود، وتدكّ السدود، ما زال حاضراً حضور عبد الناصر في ذاكرة جيل الخمسينات والستينات. وما زال قادراً على طريقة البعثيين والقوميين العرب أن يوحّد المواقف في وجه الرجعية، والإقطاع المالي والسياسي والاستعمار الجديد.

 

في الكتاب الذي نشرته "دار النهار" تكريماً لانطون المقدسي المفكّر السوري المعروف وعنوانه "المسألة القومية على مشارف الألف الثالث" وشارك فيه مجموعة من الباحثين بإشراف بطرس الحلاق، مناقشة عامة للفكرة القومية والشعور العروبي المتعطش لتأكيد هويته واستعادة دوره على الساحة الدولية , يعتبر غسان سلامة أن المشروع القومي ذو حركة مزدوجة فهو ناجم، في آن من صوغ هوية ومن صوغ غيرية.

فالقوميون يبادرون إلى اعتبار أن أمّتهم هي الأمة الحقيقية، وأنها كائنة منذ الأزل وانه ينبغي لها بالتالي أن تثبت وجودها وذلك من خلال تجسدها في دولة، هي دولة الوحدة

وبعد أن يؤرخ سلامة لنشوء الفكرة القومية منذ أيام سلاطين بني عثمان، ويشير إلى أن المسيحيين المتنوّرين كانوا من دعاتها الأوائل يتوقف عند الأجيال التي حملت مشعلها في كل من سورية والعراق ومصر. أجيال أفرغت القومية من مضمونها العقائدي بعد وصول آخر جيل منها إلى السلطة، وحوّلتها إلى أنظمة تدّعي العروبة، إلا أنها في الواقع تعمل على حماية نفسها من العروبيين ومن الذين يعملون في الاتجاه العربي الواحد الداعي إلى وحدة الكلمة، ووحدة الصف، ووحدة المصير، يكتب سلامة في هذا السياق: "إن القومية العربية بعد أن استأثرت بها أنظمة أصبحت الآن في موقع الدفاع عن النفس، وبعد أن أصبحت تجابه معاً ديمومة الدول القطرية والمعارضة الإسلامية المتعاظمة، صارت اليوم مرهقة وفاقدة لقسط كبير من مصداقيتها.

 

إن الانطباع السائد عن القومية العربية على ما يردد سلامة هو أن هذه الحركة أصبحت حركة سياسية إيديولوجية، دمّرها على السواء أنصارها - أنظمة فئوية و/ أو ديكتاتورية - وخصومها - قوميون قطريون استولوا على التراث الذي خلفه الاستعمار - وإسلاميون وحلفاؤها الخارجيون الاتحاد السوفياتي الزائل، وحركة عدم الانحياز التي آلت بسرعة إلى الزوال وأعداؤها الحركة الإسلامية بمختلف اتجاهاتها والغرب أخيرا

 

وبسبب من ذلك كله فان ما نشهده اليوم في البلدان العربية على ما يقول غسان سلامة هو تراجع الإشكالية القومية، أكثر منه انقراضها، أما الإسلاميون الذين ينعون القومية العربية، لألف سبب وسبب. فما نعيهم إلا محاولة لوراثة هذه الحركة التي اجتاحت العالم العربي من محيطه إلى خليجه. والدليل أنهم يستعملون اللغة نفسها التي استعملتها القومية العربية لكن بألفاظ دينية. فهم يكنون العداء نفسه المتأصّل تجاه الحدود التي عملت بها الأنظمة القائمة. ونفس النبذ المتجذّر تجاه دولة إسرائيل، ونفس التعطش إلى هوية ثقافية متمايزة عن الغرب. ونفس المطالبة بموقع أفضل على الساحة العالمية

 

في اتجاه آخر يكتب صادق جلال العظم عن بعض التوجهات القومية كالعلمانية والديمقراطية في علاقتها بالإسلام والحركات الإسلامية الأصولية محاولاً أن يتبين أن الإسلام لا يمكن أن يتقوقع في تفسير واحد ذلك انه دين عالمي زرع نفسه على امتداد 15 قرناً في مجموعة عائلة من الثقافات المختلفة والمجتمعات المتنوعة والحضارات المتضارية والدول المتصارعة: فيها القبلي الرعوي، وفيها الزراعي، وفيها الدولة الهرمية - البيروقراطية، وفيها الدولة المدنية، وفيها الدولة القومية الحديثة. ويوضح العظم مضيفاً أن الإسلام لو لم يكن يحمل كدين عالمي تاريخي، طاقة هائلة من التحوّل والتكيّف والمرونة والتأويل والتفسير وإعادة النظر، لما تمكّن من الاستمرار والاتساع على النحو الذي نعرفه. وبناء عليه كما يستنتج العظم فان لا شيء يمنع الإسلام التاريخي الحالي من التوافق والانسجام، مع العلمانية والديمقراطية والعلم الحديث.

يقترب أدونيس في معالجته للفكرة القومية من طرح سؤال الهوية في عالم الثقافة الإسلامية فيشير إلى أن هذا المفهوم قائم على أن الهوية معطاة سلفاً، وأنها أشبه بنواة، والأفراد هم ثمارها أو تجلياتها. والحال كما يوضح أدونيس أن الهوية هي، على النقيض حركة وحركية. والإنسان يبدع هويته في ما يبدع فكره وعمله. الهوية، بعبارة ثانية، ليست كينونة مكتملة سلفاً وإنما هي حركة دائمة من التكوّن. والحديث عن إعادة النظر بمسألة الآخر داخل المجتمع العربي الإسلامي، والآخر الأجنبي. وإعادة النظر هذه عند أدونيس تحمله على الدعوة للاعتراف بالآخر انه مختلف حتى التناقض أحياناً، ومشارك في المعرفة والآخر. ومن هنا لا بد كما يقول من إعادة النظر في مفهومي "الأكثرية" و"الأقلية"، فالأكثرية ليست امتيازاً معرفياً، ولا تمثّل أية مشروعية لكي تمتلك هي، وحدها الحقيقة. ويثير أدونيس إضافة إلى مسألة الهوية مسألة النص، أو النصية المعيارية، ومسألة الواحدية والتعددية

 

يرى أدونيس انه لا بد من نقد النصية المعيارية نقداً معرفياً، والخروج إلى الواقع - البحث. من دون ذلك - كما يردد - ستظلّ المعرفة العربية - الإسلامية إعادة إنتاج لنص ينطوي، وفقاً لإيمان أصحابها، على المعرفة المسبقة الكاملة والنهائية، لما كان، وما هو كائن وما سيكون. "ستكون المعرفة، بعبارة ثانية، نوعاً من الاكتشاف لما ينطوي عليه النص، ونوعاً من تفسيره، وسيكون دور العقل هنا مقصوراً على تدبّر الطرق التي تكفل فهم النص دون تحريف، ودون إقحام الرأي، أو قول شيء من خارج النص، وفي هذا ما يؤسس بنية معرفية تلغي العقل من حيث هو استقصاء لعالم المادة". وفي معالجته لمسألة الواحدية والتعددية يرى أدونيس أن مفهوم الواحدية الطاغي في عالم الثقافة العربية الإسلامية يجب أن يستبدل بمفهوم التعددية. فالأمة ليست هي التي تبدع، بل هذا الشخص أو ذاك. لهذا إن كان لا بد من الكلام على هويتها فهي ليست الوحدة بل التعدد. ومن دون هذا الخروج كما يوضح أدونيس سيظلّ سائداً القول بوحدة الأمة، القائمة على وحدة النص، القائم على وحدة الحقيقة، القائمة على وحدة السلطة. ومثل هذه الوحدة إلغاء للمعرفة وللإنسان في آن.

إذا كان سلامة يتحدث عن تراجع الإشكالية القومية والعظم يناقش التوجهات القومية كالعلمانية والديمقراطية في علاقتها بالإسلام، وأدونيس يعيد النظر بمسألة الهوية التي شكّلت أحد المداميك الأساسية في الفكر القومي، فان الأب يواكيم مبارك يعتبر أن استبطان الرسالة النبوية كإستراتيجية تأسيسية للعروبة لا تزال، في مسارها البكر، صالحة اليوم لتكوين أمة حديثة إنسانية تعددية، يمكنها في آن التصدي للتحديات الملقاة على عاتقها، لا سيما في فلسطين، وتجاوز تناقضات القومية الأوروبية التي تسببت بحربين عالميتين مرعبتين. فيما يعتبر محمد طالب أن أي تأسيس لرؤية فلسفية سياسية عربية جديدة، على غرار الرؤية القومية لا بد له من مساءلة العلاقات القائمة بين الدولة والأمة والمجتمع. ويعتبر في السياق نفسه الأب جورج خضر أن ربط العروبة بالإسلام هو ربط المسيحية السابقة للإسلام التي تأسست في القدس بمكة التي غدت قُبلة الإسلام ومعراجه إلى الأبدية

وتجلّى هذا النموذج على ما يرى الأب يواكيم مبارك من بين عناصر كثيرة، باستضافة كل غريب، كائناً من كان، وباحترام حق اللجوء، وبتعايش تعددي لكافة الجماعات والطوائف داخل الأمة

أما محمد طالب فيرى أن عالم العروبة والإسلام له من الموارد ما يكفيه لإعادة تنشيط مساره التحرري. وفي هذا العالم يجب أن تُعطى الحرية والديمقراطية، وكذلك احترام الشخص الإنساني المكان الملائم. يكتب محمد طالب "إن أي قومية عربية مجددة وملتزمة بالتحوّل الديمقراطي، يترتب عليها أن تحافظ على المبدأ القائل بضرورة الإبقاء على الدولة فاعلاً، لا عوض عنه على الساحتين العربية والدولية".

من جهته، المطران جورج خضر بعد أن يؤكد على الانتماء العربي للمسيحيين قبل الإسلام وبعده. يذكر أن اليعاقبة المسيحيين هللوا لدخول العرب وآمنوا بأنهم "نصر الله والفتح"، وقد رأوا أن المسلمين بمباركة إلهية حرروهم من الروم. وفي مرحلة أخرى اعتبروا أن الإسلام بعض منهم وانه ليس آخر إلا جزئياً. وعاشوا قروناً يحسّون بان المسلمين وافدون إليهم، وساعدهم على هذا الشعور أنهم ظلّوا خلال ستة قرون يفوقون المسلمين عدداً بصورة ملحوظة. وبذلك تراهم وقد فُطروا على العروبة بلا فلسفة في حين أن كل دعاة العروبة في عصر النهضة جاؤوا إلى العروبة من الفلسفة القومية المعاصرة.

جمال الأتاسي وفي الكتاب نفسه لا يعتبر على عكس بعض المشاركين في الكتاب المهدي إلى انطون مقدسي أن الفكرة القومية، هي فكرة لحقبة تاريخية مضت، أو شعارات ومبادئ لحركات وقوى سياسية تخلّت أو فشلت واضمحلت، بل تظلّ الردّ التاريخي والحضاري، والردّ الإنساني كمشروع نهوض لا بديل عنه في مواجهة ما يدبّر ضد الوجود العربي، وضد الأمة العربية، ويظل حافز حركة وتقدّم وحافز ثورة لا بل يذهب الأتاسي إلى الاعتبار انه لا يرى أي مستقبل سياسي حضاري للأمة العربية، إلا من خلال تجديد المسار القومي الذي انقطع قبل أن يبلغ أهدافه في التحرير والوحدة والتقدّم

إن تجديد المسار القومي الذي ينطلق منه الأتاسي ينبع من ثورتين في ثورة واحدة: مهمة قومية وديمقراطية. المهمة القومية تنطلق من مبدأ وحدة الأمة اختراقاً لفواصل التجزئة وتعزيزاً لروابط التكامل والتواصل بين المجتمعات والشعوب العربية. والثورة الديمقراطية التي تنهض من داخل كل مجتمع وشعب، لتصبح المبدأ والمنطلق لكل عمل قومي وعلى كل المستويات القطرية وما بين الأقطار، وما فوقها من بنى ومؤسسات قومية، تأكيداً على هدف أصبح مقدماً على كل هدف، وهو "أن ندفع بالديمقراطية وبإعادة تأسيس استقلالية المجتمعات وحرية القوى الاجتماعية، لتقوى على رفع كابوس قطرية الأنظمة النافية لكل وحدة قومية، ولكي لا تتكرّس التجزئة من خلالها كواقع أبدي، أو كي لا تجرّنا إلى التمزّق من داخلنا ارتداداً إلى شتاتنا ما قبل القومي، أو تجرّنا إلى الذوبان والضياع في تلك الأطر الإقليمية أو التكتلات الأكبر والمهيمن عليها كذلك النظام الشرق أوسطي".

إذا كان الأتاسي يتحدث بكثير من التفاؤل عن تجديد المسار القومي، فان جورج ناصيف يتحدث بكثير من الواقعية عن إعادة تأهيل عميقة لهذا المسار. إعادة تأهيل تكمن في الاعتراف بأن "الدولة القطرية" باتت أمرا واقعاً، سائراً إلى الرسوخ دستورياً وشعبياً. وان عنصر الجغرافيا والجوار يجب أن يحلّ محل الإيديولوجية القومية التي تشطب المسافات. وان يتمّ استبدال إيديولوجيا الوحدة على الطريقة البروسية، الوحدة الاندماجية الكاملة، التي تتمحور حول دولة / إقليم قائد، يشكل مركزاً وحدوياً جاذباً، بالوحدة على الطريقة الكونفدرالية. وان يُمنع الصلح العربي - الإسرائيلي من أن ينتهي إلى هيمنة اقتصادية على العالم العربي.

 

مع نهايات القرن العشرين يتكشف لنا أن ديمومة الدول القطرية، والاعتراف بإسرائيل، وغلبة الخطاب الإسلامي ما هي إلا أدلة على خسارة الإيديولوجية القومية في مجال رهانها، على توحيد العالم العربي، واستعادة الحقوق الفلسطينية، واستبعاد الحركات الإسلامية عن الساحات السياسية العامة. لكن هذه الأدلة أيجوز اعتبارها براهين قاطعة على انحسار الإيديولوجية القومية، وفي أسوأ الحالات اندثارها هباءً؟ أم اعتبارها فشل لسياسة القائلين بها، والداعين لتحقيقها؟ في الجواب نقول: أن الإدانة من الانحياز، والتحوّل العميق من سُنن التاريخ التي ليست آلية ولا حتمية

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع