الرئيسية | الأخبـــار السياسية | لقـاءات ومقـابلات | حسن عبد العظيم: رفضتُ منصب “نائب الرئيس” ورفض عبد العزيز الخير تولي الخارجية

حسن عبد العظيم: رفضتُ منصب “نائب الرئيس” ورفض عبد العزيز الخير تولي الخارجية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حسن عبد العظيم: رفضتُ منصب “نائب الرئيس” ورفض عبد العزيز الخير تولي الخارجية

أحمد مظهر سعدو 4 أبريل، 2019

 

سواء أكان هناك اختلاف أم توافق مع المحامي حسن عبد العظيم، المنسق العام لـ “هيئة التنسيق الوطنية”، أو ما يسمّيها البعض “معارضة الداخل”، التي باتت جزءًا أساسيًا من (هيئة التفاوض السورية)؛ فإن له تجربة سياسية خلال سنوات الثورة الثمانية.

 

حاولت (جيرون) الوقوف معه على جملة من المتغيرات التي بات الكلام فيها ضروريًا ومهمًا، حول أسباب تشتت المعارضة وتشظيها وعدم فاعليتها، وطبيعة معارضة الداخل للنظام السوري، وكذلك الوقوف على جملة من الأسئلة، منها: هل من حوارات تمت بين (هيئة التنسيق) والنظام على مدار سنوات الثورة؟ وما هي رؤية النظام السوري للمعارضة السورية؟ والكثير من القضايا الأخرى التي أضحت من الأهمية بمكان، لتوضيح وكشف المستور حولها؛ وكان هذا الحوار:

 

– ما سبب تشتت المعارضة السورية في الداخل السوري إلى الآن؟

 

= “تجميع كل قوى المعارضة والثورة لا يمكن أن يتم إلا إذا تم التوافق أو الاتفاق بين ممثليها -على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية- على رؤية سياسية مشتركة، أو برنامج وطني مشترك لتحقيق أهداف مشتركة، وخطة عمل لتحقيقها على المستوى الاستراتيجي، والاتفاق على وسائل وأساليب موحدة لتنفيذها. والمثل الواضح على ذلك خلال السنوات الثمانية من انطلاق الثورة الشعبية السلمية، في أواسط آذار/ مارس 2011، حينما بادر (التجمع الوطني الديمقراطي) إلى تشكيل ائتلاف وطني سوري، مع ما سُمي (إعلان دمشق)، وأحزاب الحركة الوطنية الكردية، والتيار الإسلامي المستقل، ولجان إحياء المجتمع المدني، التي تضم شخصيات وطنية من المثقفين والمفكرين في الداخل والخارج ، لكن قيادة (إعلان دمشق) لم تستجب على الرغم من انتظار مشاركتها أربعة أسابيع، وذلك قبل الإعلان عن تأسيس هيئة التنسيق الوطنية، في الأسبوع الأخير بتاريخ 30/ 6/ 2011، بعد أن تبيّن أنها تتواصل مع جماعة الإخوان المسلمين، بسبب الخلاف مع القوى المؤسسة لهيئة التنسيق الوطنية، لأنها ترفض التدخل العسكري الخارجي من جهة، وترفض العنف والانجرار لحمل السلاح أسلوبًا في التغيير الديمقراطي من جهة ثانية. وهذه الظاهرة في الخلاف بين قوى المعارضة بدأت مع عدوان حلف الأطلسي على العراق واحتلاله في ربيع عام 2003، إذ عدّته بعض القوى المحسوبة على المعارضة (تحريرًا)، بينما هو احتلال لا بد من مقاومته، وقد أدى ذلك إلى تشكيل المجلس الوطني في إسطنبول، في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 2011.

 

وثمة سبب آخر لانقسام المعارضة؛ أن بعض الدول الإقليمية والعربية رفضت الموافقة على اتفاق القاهرة، الموقع من ممثلي هيئة التنسيق الوطنية والمجلس الوطني السوري، بتاريخ 30/ 12/ 2011، بعد حوار دام 40 يومًا، وأُجبِرت قيادة المجلس على التراجع عن الاتفاق، لكن إصرار هيئة التنسيق الوطنية على توحيد جهود المعارضة ورؤيتها ووفدها التفاوضي، والحوار الذي جرى بين وفودٍ عدة منها مع ممثلي الائتلاف الوطني السوري في القاهرة وباريس وبروكسل بدعم الاتحاد الأوروبي، والاتفاق على تفاهمات أدت إلى المشاركة مع الائتلاف الوطني السوري في الهيئة العليا للمفاوضات، والوفد التفاوضي الذي كان بعد مؤتمر الرياض الأول أواخر عام 2015، وفي هيئة التفاوض والوفد التفاوضي، في مؤتمر الرياض الثاني بتاريخ 22-24/ 11/ 2017، وانتظمت قوى المعارضة الأساسية (هيئة التنسيق الوطنية، والائتلاف الوطني السوري والمستقلون وممثلو الفصائل المعتدلة ومنصة القاهرة ومنصة موسكو) في كيان تفاوضي واحد. وتشارك هيئة التنسيق الوطنية مع تحالفات وتيارات وأحزاب وشخصيات وطنية -في الداخل وفي الخارج بسبب العمل أو الإقامة أو الظروف الأمنية- في (لجنة تحضيرية) أو نواة لتأسيس الجبهة الوطنية الديمقراطية (جود) أو القطب الديمقراطي، وتعمل على إعداد المؤتمر الوطني للمعارضة في الداخل، إن توفرت له الظروف، كي يساهم في دعم ومساندة المسار السياسي لحل الأزمة السورية، وفق بيان جنيف 1 والقرارات الدولية ذات الصلة، وأهمها القرار 2254/2015، والمساهمة في بناء سورية المستقبل”.

 

 – ما طبيعة معارضة الداخل وما علاقاتها مع النظام السوري؟

 

= “قوى معارضة الداخل المشاركة في هيئة التنسيق الوطنية لم تبدأ مع الثورة التي بدأت في النصف الثاني من آذار/ مارس 2011، بل بدأ الحوار بين قوى وأحزاب تاريخية منها عام 1977، أثمر عن ميثاق وطني للتغيير الديمقراطي، وتأسيس التجمع الوطني الديمقراطي في أواخر عام 1979، وهو يضم كلًا من (حزب الاتحاد الاشتراكي العربي، حركة الاشتراكيين العرب، الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي، حزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي، حزب العمال الثوري العربي، تيار المستقلين) ثم انضم إليه حزب العمل الشيوعي عام 1996، وقد شارك مع النقابات المهنية المنتخبة وتيار المثقفين واتحاد الكتاب في النضال السلمي للتغيير الديمقراطي، وتعرضت كوادر أحزابه والشخصيات الوطنية المستقلة للاعتقال والسجن، ولعقوبات تراوح بين بضعة عشر عامًا وبضعة وعشرين عامًا، ولإجراءات حل النقابات واعتقال مجالسها سنوات طويلة، وتعيين مجالس بديلة عبر الحل الأمني العسكري، ولاستشهاد المئات وتواري ولجوء الكثيرين، ولتسريح المئات من العمل والمناصب، وساهمت كوادره في الحراك الثوري السلمي في آذار/ مارس 2011 وشارك في تأسيس هيئة التنسيق الوطنية بتاريخ 25/6 /2011، والإعلان عنها في 30/ 6/ 2011 (عدا القسم الأكبر من الحزب الشيوعي/ المكتب السياسي) بقيادة رياض الترك الذي غيّر اسمه إلى (حزب الشعب السوري) في المؤتمر السادس عام 2005، وشارك في تأسيس المجلس الوطني الانتقالي في إسطنبول، أوائل تشرين الأول/ أكتوبر 2011، في إطار ما بقي من (إعلان دمشق)، بعد تفككه وخروج قوى سياسية، وقد تمسكت هيئة التنسيق الوطنية بمعارضة النظام الحاكم، والنضال لتحقيق التغيير الديمقراطي الجذري والشامل، وتعاونت مع المبعوثين الدوليين، وأيّدت بيان جنيف 1، في 30/ 6/ 2012 بعد صدوره مباشرة، غير أن المجلس الوطني السوري عبّر عن رفضه، ولم يقبل الائتلاف الوطني به إلا قبل أيام من موعد مؤتمر جنيف 2، وشاركت هيئة التنسيق الوطنية في مؤتمر الرياض الأول في إطار الهيئة العليا للمفاوضات والوفد التفاوضي، وفي إطار هيئة التفاوض بعد مؤتمر الرياض الثاني، وقاطعت جميع انتخابات الإدارة المحلية، ومجلس الشعب، والاستفتاء على دستور 2012، والاستفتاء على منصب الرئاسة، وتمسكت بتنفيذ بيان جنيف 1 والقرارين 2118/عام 2013 و2254/عام 2015 عبر العملية السياسية التفاوضية في جنيف”.

 

– هل كان هناك حوارات بينكم وبين النظام على مدار سنوات الثورة؟ وكيف يرى النظام السوري المعارضة السورية، برأيك؟

 

= “الحوار الوطني مهمّ للاتفاق على المبادئ والأهداف المشتركة للمشروع الوطني والقومي، وللمرحوم الدكتور جمال الأتاسي (الأمين العام السابق للاتحاد الاشتراكي وللتجمع الوطني الديمقراطي) كتابٌ مهم بعنوان (الحوار مقدمة العمل والديمقراطية غاية وطريق)، وكان ذلك الأسلوبَ المتبع في بناء التحالفات الوطنية والقومية، لأنه ينطلق من احترام الرأي والرأي الآخر، والآراء الأخرى المتعددة، حين يكون بين قوى سياسية وشخصيات وطنية مستقلة، أو بين نظام يتولى السلطة وقوى معارضة في المجتمع. غير أن النظام الحالي منذ ترسيخ سلطته بدستور عام 1973 بالمادة (8) منه (حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة) لا يلتزم بنتائج أي حوار، وإن دعته الضرورة للحوار.

 

وبعد انطلاق شرارة الثورة من درعا، في آذار/ مارس عام 2011، وتوسعها وامتدادها إلى حمص وبانياس والغوطتين الشرقية والغربية، ولجوء النظام إلى قمعها بالرصاص الحي على أيدي الأجهزة الأمنية، بدأ النظام يفكر بالحوار مع التجمع الوطني الديمقراطي، لكونه أكبر تحالف معارض، وكنتُ الناطق الرسمي باسمه منذ 9 أيار/ مايو عام 2000، وأمينًا عامًا لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، أكبر أحزابه بعد وفاة المرحوم الدكتور جمال الأتاسي في 31 آذار/ مارس عام 2000.

 

وفي تاريخ 9/4/2011 اتصل الدكتور بشر عبد المولى (مستشار في رئاسة الجمهورية) وهو من يبرود، وزارني في منزلي بتكليف من رئيس الجمهورية، وطلب مني اللقاء بالرئيس، على رأس وفد التجمع الديمقراطي؛ فاستمهلته للتشاور، ودعوت القيادة المركزية للتجمع إلى اجتماع استثنائي وعرضت الأمر عليهم. وتمّت موافقة التجمع على اللقاء، وكُلف الزميلان عبد العزيز الخير و حازم نهار، بمتابعة اللقاءات والحوار بعد توفير الظروف المناسبة، وتم اللقاء مع المستشار، وأُبلغ بموقف التجمع المتفق عليه والمتضمن عدة مطالب من الرئيس، ينبغي تحقيقها تمهيدًا لتشكيل وفدٍ من التجمع و(إعلان دمشق)، من ضمنهم ممثلون عن الكرد والمكونات القومية الأخرى ولجان المجتمع المدني، وممثلون عن الحراك الثوري الشعبي في درعا وبانياس وحمص ودوما ومعضمية الشام، من أجل لقاء الرئيس، وهذه المطالب:

 

وقف إطلاق النار على المتظاهرين، وسحب عناصر الأمن من درعا والمناطق الأخرى.

إحالة المسؤولين عن جرائم الاعتقال وقتل المتظاهرين إلى تحقيق نزيه لمحاسبتهم.

إطلاق سراح معتقلي الرأي والسجناء السياسيين.

السماح بالتظاهر السلمي، وإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية.

وقد وعد المستشار بنقل هذه المطالب، وطلب أن يرافقه في اللقاء القادم العميد مناف طلاس، فوافقنا لأنه كان من المسؤولين الذين أوفدهم الرئيس إلى دوما وغيرها من المدن لتهدئة الأمور، وبدأت اللقاءات مع المستشار والعميد طلاس بشكل يومي، حيث عرض مناف طلاس باسم الرئيس عملية إصلاح شاملة بمشاركة المعارضة؛ حيث يكون للمعارضة منصب نائب رئيس الجمهورية، يشغله المحامي حسن عبد العظيم، وثمانية وزراء في الحكومة، بينها وزارة سيادية، وثمانية محافظين، وثلث أعضاء مجلس الشعب، كما عرض على الدكتور عبد العزيز الخيّر منصب وزير الخارجية. ولكني رفضتُ تولّي منصب نائب الرئيس، لأننا لا نبحث عن مناصب، والمهم بالنسبة إلينا العملية السياسية الشاملة. وكذلك رفض الدكتور الخيّر العرض.

 

ثم استمرت اللقاءات بشكل يومي في منزل المستشار في حي ركن الدين، حيث كنا نصل أحيانًا مع بعضنا البعض وأحيانًا بشكل منفصل، وكان هناك أحاديث جانبية قبل وصول الآخرين لعقد اللقاء. وكنا ننتظر جوابًا من الرئيس ومن يتشاور معهم على طلباتنا، وفي تلك الفترة، لفت نظري خبر في التلفاز السوري يقول: إن الرئيس سيلقي خطابًا، في اليومين القادمين، في مجلس الشعب يتضمن الموقف من الأحداث والتطورات التي تجري. وكان الناس في حالة من الترقب والانتظار، وفي أحد أيام الانتظار هذه (يوم الثلاثاء)، وأثناء توجهي من بيتي إلى مكتبي صباحًا، شاهدت مسيرات حاشدة من طلبة المدارس ومعلميهم، ومن عاملين في مؤسسات الدولة ومسؤولين وعمال وفلاحين، يرفعون لافتات تأييد، وأشخاص محمولين على الأكتاف يطلقون هتافات (بالروح بالدم نفديك يا بشار).

 

خلال هذا المشهد، اتصل بي رامي عبد الرحمن من لندن يسألني: ماذا تتوقع من خطاب الرئيس غدًا؟ وكان جوابي: لا أتوقع جديدًا. وطلبت منه أن يضع خطين تحت الجواب، ليتأكد غدًا من صحة قولي. فسألني: لماذا؟ فقلت: لأن الأجهزة الأمنية والحزبية حشدت مسيرات مبرمجة، توهم الرئيس أن الشعب معه ويفديه بدمه. ولا ضرورة لتقديم أي تنازل عبر إجراء أي إصلاح أو تغيير.!

 

وبالفعل، جاء الخطاب أمام مجلس الشعب في اليوم التالي شفهيًا ومرتجلًا ومليئًا بعبارات التهديد والتحدي (تخلله تصفيق وهتاف ورقص من أعضاء مجلس الشعب). ووصف الحراك الثوري الشعبي بأنه عصابات مسلحة وتنفيذًا لمؤامرة خارجية! لم يكن الخطاب مطمئنًا ومفرحًا، ولم يتضمن أكثر من التوقعات، كذلك صرح نائب الرئيس فاروق الشرع والمستشارة السياسية والإعلامية بثينة شعبان، استنادًا إلى خطاب خطي متفق عليه كما علمنا فيما بعد!! استمرت اللقاءات بيننا، وطلبا مني أفكارًا تعبر عن رأينا ليطّلِع عليها الرئيس قبل إلقاء خطاب جديد. وقد قمت بتسليمهما ورقة خطية مطبوعة، واقترحت أن يخاطب الشعب عبر التلفاز بعبارات منها:

 

الشعب يريد التغيير، وأنا مع التغيير.. الشباب يريد التغيير وأنا مع التغيير.

أصدرت أوامري بوقف إطلاق النار، وسحب عناصر الأمن، وإحالة المسؤولين عن جرائم القتل للتحقيق.

سألغي حالة الطوارئ وأصدر عفوًا عامًا لإطلاق سراح المعتقلين..

إلغاء القوانين الاستثنائية والمحاكم الاستثنائية.

تعديل الدستور وإلغاء المادة الثامنة منه.

السماح بالتظاهر السلمي.

اقترحنا على الموفدين أن تتظاهر قوى المعارضة والحراك الشعبي في ساحة العباسيين بدمشق، من دون تعرض أجهزة الأمن لها، وتتظاهر قوى الموالاة وداعموها في ساحة الأمويين. وقد تم تشكيل حكومة جديدة على وجه السرعة، والتقى الرئيس بها في أول اجتماع.. ثم أصدر مراسيم جمهورية وتوجيهات: (مرسوم جمهوري بإلغاء حالة الطوارئ، مرسوم بإلغاء محاكم أمن الدولة الاستثنائية وإحالة القضايا المسجلة لديها إلى القضاء العادي، توجيه للحكومة بإصدار قانون يسمح بالتظاهر السلمي (حيث صدر بعد ذلك مباشرة). غير أننا فوجئنا بعد ذلك بقرار دخول الجيش إلى مدينة حماة، في أعقاب التظاهرات السلمية التي شارك فيها أكثر من 600 ألف يحمل الكثير منهم الورود.

 

وكانت المفاجأة الثانية دخول دورية أمنية إلى مكتبي، واعتقالي بتاريخ 30 نيسان/ أبريل عام 2011، وإيداعي في فرع المخابرات الجوية في حرستا، حيث تم وضعي في زنزانة تعيسة، ليس فيها سوى غطاء عتيق كفراش وغطاء مماثل للنوم من دون أي وسادة. وبعد الساعة السابعة مساءً تم إخراجي من الزنزانة واقتيادي إلى التحقيق معصوب العينين. تبين لي أن الذي يجري التحقيق معي هم ضباط في الفرع، برئاسة العميد رئيس الفرع الذي وجه إليّ السؤال: هل تعلم لماذا تم اعتقالك؟ قلتُ: طبعًا.. لأنني مسؤول التجمع الوطني المعارض للنظام والناطق الرسمي باسمه، والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي أكبر أحزاب التجمع. قال: لا. ليس لهذا السبب.. لأننا نعلم ذلك. قلتُ: لماذا إذًا؟ قال: لأن التقارير الأمنية أكدت أن حزبكم يقود التظاهرات الشعبية في ثماني محافظات من جهة، ولأنكم أصدرتم بيانًا باسم التجمع، بأن التجمع لا يدعم الحراك الشعبي من خارجه، بل يشارك فيه من داخله باعتباره جزءًا منه، وكذلك بيان قيادة الحزب. قلت: هذه تهمة لا ننكرها وشرفٌ لا ندعيه. قال: هذا اعتراف؟ قلت: نعم. قال: لماذا؟ قلت: نحن في الحزب والتجمع كسرنا حاجز الخوف منذ عقود، على الرغم من الاعتقالات مددًا طويلة وعقوبات السجن، وبقي الشعب هادئًا ترهبه إجراءاتكم. والآن قد كسر الشعب والشباب حاجز الخوف، فهل نتوقف ولا ندعمه ونوجهه؟!

 

وكان خيارنا الانخراط مع الحراك الشعبي والشبابي وقيادته، وترشيده -بحكم تجاربنا وخبرتنا- كي لا ينجرّ إلى الفوضى والعنف والتطرف. قال رئيس الفرع: ألم يصدر رئيس الجمهورية مرسومًا ألغى به حالة الطوارئ؟ قلت: هذا صحيح نظريًا.. لكنكم لم تلتزموا به عمليًا. قال: كيف؟ قلت: بموجب الدستور والقوانين النافذة لا يمكن اعتقال شخص من قبل الأجهزة الأمنية، إلا بعد تقديم تقرير إلى المحامي العام أو رئيس النيابة بأفعال جرمية وأدلة أولية، للحصول على قرار الموافقة على الاعتقال.. ولكوني محاميًا لا يجوز لدوريتكم دخول مكتبي إلا بعد إعلام رئيس فرع النقابة، وحضور مندوب عنها لمرافقة الدورية. قال: هل خالفنا القانون؟ قلت: النظام والأجهزة الأمنية تعتبر نفسها فوق الدستور والقوانين.

 

بعد ذلك أُعدتُ للزنزانة، حيث كنت أسمع أصوات المحققين وصراخ من يتم التحقيق معه، وبعضهم معلق من يديه. ومما كان يصيح به المحققون: ولا.. بدك حرية يا كلب…!! ويجلده بقسوة. يجري ذلك مع المتظاهرين والمنشقين عن الجيش. في اليوم الثاني عشر، أُخرجتُ نحو الساعة السادسة مساءً من الزنزانة، وتم تسليمي أغراضي الشخصية، ثم تم نقلي إلى إدارة المخابرات الجوية للقاء مديرها اللواء جميل الحسن، وقد قال لي إنه يسمع عني كثيرًا، وإنه رفع تقريرًا للقيادة السياسية قبل ثلاثة أشهر، اقترح فيه تعييني وزيرًا للداخلية. فابتسمت. وهنا سأل عن سبب الابتسام فأجبته قائلًا: إنني محام وسياسي معروف منذ عام 1957، وكنتُ عضوًا في مجلس الشعب بين عامي 1971-1973.. ولو كنت أبحث عن المناصب لبقيت في الجبهة، وحصلت على مناصب وزارية أو رئاسة مجلس الشعب أو نائب رئيس الجمهورية. فقال: ماذا تريد إذن؟ قلت: أرى الوضع في سورية كبارجة في البحر تعصف بها العواصف والأمواج من كل حدب وصوب، والنظام في الطابق العلوي منها يدير دفة السفينة ولا يقبل مشاركة أحد في إدارتها. والشعب والمعارضة في الطابق السفلي. أريد أن تصل البارجة إلى بر الأمان، وهذه جائزتي الكبرى. وعدتُ إلى منزلي. علمت بعد خروجي أن اعتقالي ترك أثرًا في الداخل والخارج، وأن وفودًا كثيرة جاءت للمطالبة بالإفراج عني، منها: وفد اتحاد المحامين العرب، وفد أرسله السيد سامي شرف من مصر، وفد أرسله السيد سليم الحص برئاسة الدكتور عصام نعمان، وفد التنظيم الشعبي الناصري وحزب الاتحاد وغيرهم. إضافة إلى اتصالات كثيرة؛ ما أدى إلى إطلاق سراحي. لكن الاعتقالات استمرت لأعضاء قيادة التجمع: (محمد عمر كرداس – حازم نهار – مازن عدي – جورج صبرا – أحمد العسراوي. وفيما بعد: عبد العزيز الخير – رجاء الناصر – إياس عياش – ماهر طحان..) وغيرهم”.

 

– ما هي الأخطاء التي ارتكبتها المعارضة السياسية وأدت إلى الوضع الحالي؟

 

= “في تقديري، إن الخطأ الرئيس هو رفض بعض قوى المعارضة الموافقة على تشكيل تحالف عريض، يشمل جميع قوى المعارضة السياسية في الداخل والخارج، ثم الرضوخ لضغوط وإملاءات دول إقليمية وخارجية، ورفض العمل على توحيد جهود المعارضة وبرنامجها ورؤيتها، والاتفاقات المبرمة بين أطرافها والانجرار إلى حمل السلاح، والأسلمة والتطرف، وإصرار بعض القوى على تعطيل الحل السياسي التفاوضي، حين كانت المعارضة المسلحة وفصائل الجيش الحر في شهر نيسان/ أبريل 2016 تسيطر على ثلاثة أرباع سورية، ورفض مبادرة المبعوث الأممي -بدعم روسي- السماح بخروج نحو 700 مسلح من تنظيم القاعدة من أحياء حلب الشرقية إلى محافظة إدلب، وبقاء المعارضة المسلحة بسلاحها تدير المنطقة الشرقية، وقوات النظام تدير الأحياء الغربية من حلب، والموافقة على إعلان هدنة تمهيدًا لمتابعة العملية السياسية التفاوضية، في مرحلة كان توازن القوى يميل لصالح المعارضة، الأمر الذي قلب المعادلة، وهيأ الظروف لصفقة تسليم حلب إلى النظام، ومهد للقاءات أستانا المتكررة، والدعم الذي حصل عليه النظام الحاكم من إيران والجماعات المسلحة والميليشيات، ودعم الاتحاد الروسي الميداني والسياسي ورفض تنفيذ فقرات في القرار 2254/عام 2015 بتوحيد منصتي القاهرة وموسكو، مع ما ينتج عن مؤتمر المعارضة الموسع الأول في الرياض، وهذه الأمور التي تداركتها هيئة التفاوض بعد مؤتمر الرياض الموسع الثاني”.

 

– في محاولة حصر كل أشكال التفاوض بين المعارضة والنظام بتشكيل (اللجنة الدستورية) هل كانت مشكلة الشعب السوري منذ 8 سنوات هي في صياغة دستور جديد للبلاد؟!

 

= “إن في صيغة السؤال تبسيطًا للعملية السياسية التفاوضية وموضوعاتها المحددة، منذ بدء جولات جنيف 3 مطلع عام 2016 حتى اليوم، تلك الجولات تم تحديدها من قبل المبعوث الأممي السابق ستيفان دي ميستورا بثلاث سلال: العملية الدستورية، هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية (هيئة حكم غير طائفي ذي مصداقية)، العملية الانتخابية، وأضاف إليها سلة رابعة أصر عليها النظام، هي سلة الأمن والإرهاب، بعد ارتكاب قوات النظام وحلفائه الكثير من المجازر بحق المدنيين الأبرياء التي اعتبرت إرهابية، بما في ذلك ما نسب إليه وإلى جماعة مسلحة متطرفة من استخدام السلاح الكيمياوي، والتحقيقات الدولية الكثيرة بهذا الخصوص، وقدمت الهيئة العليا للمفاوضات والوفد التفاوضي إلى المبعوث الأممي جوابًا على الأسئلة الموجهة إليها حول السلال، في الجولة الثالثة من آذار/ مارس 2016، أربع وثائق، كما قدمت في جولة آذار/ مارس 2017 وثائق حول موضوعات التفاوض. وإن اللقاءات التقنية المشتركة في لوزان بين وفد مفاوضات الهيئة العليا، وممثل عن منصتي القاهرة وموسكو من جهة وعن النظام من جهة ثانية، والتوافقات التي تمت ووافقت عليها هيئة التفاوض عام 2018 وقدمت للمبعوث الأممي، تتضمن الكثير من التفاصيل حول موضوعات التفاوض والسلال، وقد تبنتها الأمم المتحدة ومبعوثها الدولي. إن هيئة التفاوض والوفد التفاوضي بعد تشكيلهما انخرطوا في عملية التفاوض والتعاون مع المبعوث الأممي والأمم المتحدة، وصاغوا معه ورقة المبادئ الـ 12 حول وحدة سورية واستقلالها وسيادة شعبها، والحفاظ على أجهزة الدولة والعمل على هيكلتها وتطويرها، خلال اللقاء معه في جنيف، على الرغم من تأخر وفد النظام، ورفض اللقاء المباشر أو غير المباشر مع وفد الهيئة.

 

أما اللجنة الدستورية التي تم طرحها في مؤتمر سوتشي الثاني باقتراح روسي تركي إيراني، وبحضور حشد كبير لممثلي النظام وأجهزته، ومقاطعة هيئة التفاوض، وحضور الأمم المتحدة ومبعوثها السيد دي ميستورا بناء على وعد القيادة الروسية، وتفويضه من أجل اختيار ممثلي الثلث الثالث من اللجنة الدستورية، غير أن اللقاءات العديدة التي تمت بين دول أستانا الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران، لم تتمكن من الاتفاق على بعض الأسماء، الأمر الذي جعل الأمم المتحدة ومجلس الأمن يفوضان المبعوث الأممي الجديد السيد غير بيدرسون باختيار الأسماء، تمهيدًا لاجتماع اللجنة الدستورية الممثلة عن الأطراف السورية، وهي مجرد أداة للتفاوض، وليست بديلًا عمن يمثلهم. كما أن إصرار الاتحاد الروسي على إعداد اللجنة الدستورية دستورًا مؤقتًا قبلت به هيئة التفاوض، على أن يتم بعد الانتقال السياسي، في ظل هيئة الحكم الجديدة، وبعد توفير البيئة الآمنة لعودة النازحين، ومشاركة اللاجئين خارج البلاد في الاستفتاء على الدستور المؤقت للمرحلة الانتقالية التي تمارس عبر هيئة الحكم صلاحياتها، وقبل نهاية المرحلة الانتقالية وعودة المهجرين إلى مواطنهم يتم وضع دستور دائم للبلاد”.

 

– هل تعتقد أن هناك عملية لتأهيل الأسد، بعد أن فشلت المعارضة في إيجاد البديل؟

 

= “بعد استيلاء قوات النظام وحلفائه على معظم المناطق عدا محافظة إدلب، كان الاتجاه الدولي الإقليمي يدعم الدور الروسي الميداني والسياسي، لدفع النظام إلى الانخراط في العملية السياسية التفاوضية في جنيف، لإنجاز الحل السياسي طبقًا لبيان جنيف 1 والقرار 2254، وتُرك مصير الأسد للعملية التفاوضية ونتائجها، غير أن النظام والتيار المحافظ في إيران والحرس الثوري، تمسكوا برفض بيان جنيف والقرار الدولي ودور الأمم المتحدة، بذريعة تحقيق الانتصار على المعارضة والشعب السوري، وأمام الضغط الدولي والروسي حاولوا أن تكون أكثرية اللجنة الدستورية ورئاستها لممثلي النظام، وبدأ الخلاف الروسي مع النظام وإيران يتسع ويزداد، وجاءت الزيارة الأخيرة للأسد برفقة قائد الحرس الثوري، واللقاء بالمرشد الأعلى في طهران، وقيام تحالف إيراني عراقي سوري في مواجهة الدور الروسي، من دون التشاور مع القيادة الروسية (واعتبرتُه تبعية لإيران والتفافًا على الدور الروسي) وجاء الرد من الرئيس الروسي بإرسال وزير الدفاع للقاء الأسد، وتحذيره من الالتفاف على الدور الروسي، الأمر الذي قد يدفع الروس إلى البحث عن بديل يقبل بدورهم في حل متوازن للأزمة السورية، وتقبل به الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والمعارضة والشعب السوري، وهذا ما دفع الإدارة الأميركية إلى كبح قرار الرئيس ترامب بسحب القوات الأميركية، ومطالبة حلفائها من الدول العربية وقف التطبيع مع النظام، ورفض عودته إلى الجامعة العربية. مع الإشارة إلى أن قوى المعارضة والثورة المنضوية في هيئة التفاوض والمتعاونة معها لم تكن عاجزةً عن إيجاد البديل”.

 

– هل هناك مواقف أو قرارات في الكواليس تستطيع رفع السرية عنها الآن، بعد مرور 8 سنوات من الثورة؟

 

= “سياسة هيئة التنسيق الوطنية واضحة ومعلنة، لم تتغير منذ بداية الثورة الشعبية حتى اليوم، مع الحرص على تطويرها في ضوء المتغيرات والتطورات المتلاحقة خلال السنوات الثمانية، وليس هناك مواقف أو قرارات سرية في الكواليس أو تحت الطاولة لرفع الستار عنها، سواء في عملها ومسيرتها كيانًا سياسيًا، أو من خلال مشاركتها في هيئة التفاوض السورية، وهذا ما عزز مصداقيتها ودورها في المعارضة والعمل الوطني”.

 

– وفق المستجدات والمعطيات الموجودة على الساحة السورية؛ إلى أين تذهب الأمور في سورية، بحسب تصورك؟

 

= “المبعوث الدولي الجديد غير بيدرسون أكد في أقواله أمام مجلس الأمن، وفي حديثه إلى صحيفة (الشرق الأوسط)، وفي لقاءاته مع الدول الأجنبية والإقليمية والعربية الفاعلة، وفي لقاءاته مع هيئة التفاوض ومع وزير خارجية النظام ومع وفد هيئة التنسيق الوطنية الأسبوع الماضي في دمشق، أن مهمته العمل على تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254/عام 2015، لأنه يمثل خريطة طريق للحل السياسي، طبقًا لبيان جنيف 1 وجهود إقناع الأطراف الداخلية في النظام، الذي يمثل السلطة، وهيئة التفاوض التي تمثل المعارضة، وروسيا الاتحادية، والإدارة الأميركية، والمجموعة الدولية والإقليمية والعربية الفاعلة، ومفوضية الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، بتأييد تنفيذ هذا القرار، والعمل على إنجاز تشكيل قائمة (الثلث الثالث) من اللجنة الدستورية، المتعلق بالمجتمع المدني بموجب التفويض الدولي”.

 

– الشعب السوري عوّل كثيرًا على شخصيات في الثورة السورية، ومن هذه الأسماء أنتم، فماذا تقولون للشعب السوري في الذكرى الثامنة للثورة؟

 

= “نقول: أيها الشعب الصابر الصامد، لقد عانيتَ طويلًا في ظروف الاستبداد من سلب سيادتك على الدولة، وحقوقك المشروعة في الحرية والكرامة الانسانية، والعدل والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وحرمانك من ممارسة حق الاقتراع بحرية لانتخاب السلطة التشريعية التي تدافع عن مصالحك، وتمتلك صلاحيات دستورية بانتخاب رئيس الجمهورية من بين مرشحِين متعددين، ومنح الثقة لمجلس الوزراء ورئيسه على أساس البيان الوزاري وسحبها. لقد عانى الملايين من أبنائك آثار حالة الطوارئ والاعتقالات والتعذيب والموت والقصف والتدمير والنزوح والتهجير، والغرق في البحار، والبرد، والسيول والحر في مخيمات اللجوء، والسلب والنهب والتعفيش، والتسريح من العمل، ومنع السفر، والغلاء وفقدان المواد والمحروقات، والفقر والجوع، وانقطاع الكهرباء، ومع ذلك فقد صمد أبناؤك وصبروا، وتمسكوا بعزة النفس والاعتماد على الذات حيثما كانوا، وبالتفوق في الدراسة والطب والصناعة، والمطاعم، والفن والإبداع، حيثما كانوا في المنافي، حتى صاروا مضرب المثل.

 

وها هم أبناؤك الثائرون الصامدون يستعيدون حراكهم الثوري السلمي في مواجهة السيطرة والاستبداد والإرهاب، وها هما الشعبان الشقيقان في الجزائر والسودان يعيدان ثورات الربيع العربي إلى مسارها السلمي في مواجهة الظلم والتسلط حتى تحقيق أهدافها، وتعزيز صمودك وتحقيق أهدافك. كل ما بذلناه للسوريين في هيئة التنسيق الوطنية، وفي عملنا المشترك في هيئة التفاوض السورية، كان لإنجاز الحل السياسي، ولتحقيق أهدافك السامية التي لم تتحقق حتى اليوم، بسبب التعقيدات والتدخلات الدولية والإقليمية، فلا يسعنا إلا تقديم الاعتذار لهم، واستمرار النضال معهم لتحقيق التغيير الكامل وبناء سورية المستقبل”.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0