الرئيسية | الأخبـــار السياسية | لقـاءات ومقـابلات | قضى 19 عاماً في سجون النظام لأسبابٍ من بينها موقفه من القضية الكُردية.. المعارض السوري “فاتح جاموس” يتحدّث لـ آدار برس

قضى 19 عاماً في سجون النظام لأسبابٍ من بينها موقفه من القضية الكُردية.. المعارض السوري “فاتح جاموس” يتحدّث لـ آدار برس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

on: مايو 14, 2017لا يوجد تعليقات آدار برس- خاص

 

«كم هو فظيعٌ وسيءٌ الاعتقال والتعذيب والسجن الطويل حتى لفأر فكيف لإنسان».. يقولها المعارض السوري “فاتح جاموس” وهو يتذكّر تجربة الاعتقال التي عاشَ ألمها وظلامها ومرارتها داخل سجون النظام السوري مدّة 19 عاماً، لأسبابٍ وتهمٍ عديدةٍ، من بينها موقفه وموقف حزبه من القضية القومية الكُردية، وتشكيل جمعية سرية، والسعي إلى إسقاط النظام، وغيرها من التهم.

 

“فاتح جاموس” القياديُّ في تيار طريق التغيير السلمي، والذي يدوّن حالياً مذكّراتٍ شخصية حيّة عن تجربته في السجن، يتحدّث لـ آدار برس في حوارٍ خاص، عن معاناة المعتقل، وأسباب اعتقاله، ورؤيته تجاه ما تمرّ به سوريا الآن، وسبل الخروج من الأزمة، إضافةً إلى القضية الكُردية ومستقبل الكُرد في سوريا:

 

الاستاذ “فاتح جاموس”.. قضيتَ 19 عاماً في سجون النظام السوري.. هل يمكنك أن تتكلم لنا عن تلك المعاناة التي تضاهي عمراً كاملاً في سجون النظام؟

 

باعتقادي الشخصي العميق، ومن منطلق بنيتي النفسية والعصبية وأخلاقي السياسية، وقناعاتي المختلفة، يجب اعتبار الحديث عن أي تجربة اعتقال طويل على يد نظام وسلطة ديكتاتورية، بمثابة امتحان راقي ومتطور، بعيد عن الثأرية والحقد، بعيدٌ بقدر الإمكان عن الوجه الشخصي الذاتي، أكثر اقتراباً من الوجه الموضوعي، وذلك على الرغم من فظاعات القمع، وفظاعات نظم الاستثناء في قضايا القمع وكبت الحريات، ويجب التذكر والحضور الدائم لفكرة الحرية من أجل الأوطان والشعوب ومتطلباتها في مجال الاستعداد المعرفي والكفاحي والثمن القاسي المحتمل، ودور النخب الريادي في ذلك، من المؤسف جداً أن العديد من نظم الاستثناء والقمع بتنوعها لا تزال قائمة في التاريخ البشري، وسجونها مفتوحة وبوضعية استعداد لتقوم بدورها الأساسي المطلوب، وهو تدمير المناضلين من أجل الحرية ومن أجل النظم الديمقراطية والعادلة اجتماعياً، ومهما ادعى المرء امتلاكه للطاقة الكفاحية وطاقة التحمل والتكيف، لا بد من التأكيد أن السجن وتجربة أي سجن تترك بعض الدمار يزيد أو ينقص بحسب البنية الذاتية للمناضل، وسويات قناعاته بما فعل، وقدراته الذاتية على التكيف، يصل الأمر أحيانا عند أكثر السجناء المناضلين قدرة على التحمل والتكيف حدود الشعور الفظيع بالموت الأبدي وهو حي، يشعر أن جداراً أسوداً أبعاده لانهائية، لا بصيص ضوء أو شعاع أو أمل فيه ينتصب أمامه، يصبح موت الديكتاتورية، أو رموزها، أو رمزها في اللحظة القمعية الاستثنائية في قلب السجن أمام ذلك الجدار، يصبح موتها أو موته أو موت كل الرموز شرط تكسر ذلك الجدار، وظهور بريق شعاع وأمل، كم هو فظيع وسيء الاعتقال والتعذيب والسجن الطويل حتى لفأر فكيف لإنسان، مع رجائي أن ينتهي كل ذلك من تاريخ البشرية فوراً..مع أملي أنني سأتمكن قريباً من تحرير مذكرات شخصية حية من داخل السجن تمثل بعضاً من شهادتي على تلك التجربة المريرة في المنظور العام كما الخاص.

 

وفقاً للوقائع التي حصلت، فأنت سجنت بسبب فقرة أو موقف يتعلق بالقضية الكردية، وهذا بشهادة الكثيرين شعور أممي لكل مناضل من أجل الإنسانية.. والسؤال متى يتغلب الإنسان على قوميته متجاوزاً ذلك إلى الشعور الأممي؟

 

هناك ضرورة لإجراء بعض التصويب المطلوب في صيغة السؤال، فأنا لم أسجن فقط بسبب يتعلق بالقضية الكردية فحسب، ولم يرد في نص قرار محكمة أمن الدولة في حينه (أي قبل حلها ورميها على..) بالعقوبة الخاصة بي، لم يرد أي نص يعيد عقوبتي فقط لموقفي الفلسفي والفكري والسياسي من هذه القضية، في قرار المحكمة المتعلق بعقوبتي وعقوبات الرفاق الآخرين من حزب العمل الشيوعي، وردت اتهامات كثيرة على لسان جهة النيابة، وطالبت تلك النيابة بتجريمنا، وطالبت بعقوبة خاصة بكل اتهام والوقائع المتعلقة به بحسب ترتيبات الأجهزة الأمنية وجهة النيابة، واحدة أساسية منها، خاصة تجاه الصف القيادي الأول وكنت منه، هي موقف الحزب في القضية القومية الكردية، وموقفي كقيادي أتبنى موقف الحزب ومارسته..الخ وأعطي صيغة تمزيق جغرافيا الوطن واقتطاع جزء منه، وكان نصيبها الفعلي من العقوبة هو خمس سنوات، وكانت لاتهامات أخرى عقوبات مرتبطة بها، مثل اتهام تشكيل جمعية سرية..تستهدف إسقاط النظام..بوسائل عنيفة كذا..معادية لأهداف ثورة الثامن من آذار..الخ

 

ومن المهم جداً إيراد عملية نشر مكثف لحقيقة موقف حزبنا وتجربتنا ومنظومته في موقفه من القضية الكردية، وهذا مهم جداً من أجل ما سيرد في الأسئلة والأجوبة الأخرى بخصوص القضية الكردية والأزمة الوطنية، وموقفي من ذلك، ومقاربتي لموقف النخب الكردية بتنوع مواقفها.

 

لقد تجسد موقف الحزب النظري الفكري والثقافي والسياسي والاستراتيجي في حينه، بضرورة تبني معايير واحدة في القضايا القومية الواحدة، فإذا كنا نعتقد أن القضية القومية العربية في بعض من وجوهها تقوم على وجود أمة مقسمة، أو قيد التكوين، وبعض أراضيها محتلة، ويقع على شعبها وقوميتها اضطهاد، وهذا يفترض ضرورة قيام دولة واحدة لأمة واحدة، بأشكال من الاتحادات بحسب الضرورة التاريخية، فهذا ينطبق أيضاً على القضية القومية الكردية والشعب والقومية الكردية، وأساس الحل حسب النص الإنساني لحقوق الإنسان هو حق تقرير المصير حتى حدود حق الانفصال، وهذا حق لكلا القوميتين والشعبين، وفي الإطار العملي التاريخي هناك ضرورة قصوى لوضعه في حيز التنفيذ بوجود شروط موضوعية وذاتية تقطع الطريق على أي عملية تعصب قومي واقتتال قومي متعصب، وفي هذا الإطار يصبح من واجب النخب القومية الأكثرية التي تمارس نظمها القمع على الأقلية القومية أن تطالب دائماً وبكل شجاعة بحق الأقليات القومية ومنها الكردية، كما من واجب نخب الأقلية أن تكون حذرة جداً من أي عملية رد فعل قومي متعصب، والحذر والامتناع من تنفيذ حق تقرير المصير في شروط غير مناسبة، أو بصورة خاصة مستغلة شروط الأكثرية القومية بصورة خاطئة للمضي إلى أهداف خاصة وخاصة فقط بالأقلية القومية، وهذا موقف أممي شيوعي، وإنساني وديمقراطي معروف، حملته حتى بعض النخب الليبرالية الديمقراطية فعلياً.

 

أما متى يتغلب المرء، أو الإنسان على تعصبه القومي الذاتي، والانتقال إلى موقف أممي وإنساني، فهو رهن حتماً بقدرة الشعوب ونخبها الديمقراطية والإنسانية على تجاوز المصالح الرأسمالية الضيقة، على تجاوز العصبيات من منظور ضيق، تجاوز القيم الميكيافيلية والبراغماتية التي تبرر لها استخدام أي وسائل لتحقيق أهداف قومية ذاتية، وتبني ثقافات سياسية قومية إنسانية وديمقراطية فعلاً، قادرة على قطع الطريق أمام أي تعصب، وأي ظلم واضطهاد قومي.

 

هل وجدت إنصافاً كردياً لتلك التضحية التي قدمتها، والكرد معروفون بأمميتهم؟

 

ما أقدمتُ عليه والكثيرون من رفاق تجربتنا في حزب العمل الشيوعي مبكراً وبكل جرأة ومسؤولية، من قناعات نظرية وثقافية وقيمية وسياسية، بخصوص القضايا القومية المختلفة، ومنها قضيتنا القومية العربية، كما الكردية، هو خيار وعي، تحول إلى واجب وضرورة كفاحية، لا يسمح لي بالتالي بأي مطالبة إنصافية أبداً، مع القناعة أن الشعوب والقوميات حتى ولو امتلكت بناء فوقياً وقيماً قومية إنسانية وديمقراطية، فإن ذلك لا يحافظ على ثباته، بل يتعرض للتأثر بقيم التعصب تحت حجج مختلفة، تقدمها وتعمل عليها نخب متنوعة مع شعوبها، وقد تنجح بإجراء تحولات وعي قومي مختلف عن الطبيعة الحقيقية لها، كما حصل مع الكثير من الشعوب، بحيث جندتها نخبها القومية المتعصبة في الكثير من المظالم والاضطهاد لغيرها، كما في حروب قومية مجنونة.

 

لو عادت بك الحياة إلى الوراء، أي قبل فترة السجن.. هل ستتغير مواقفك تجاه قضايا الشعوب المضطهدة؟

 

لو حصل ذلك، وأتيح لي أن أستفيد من تجربتي الشخصية، مع اللعب بالزمن والعمر، لتصبح متاحة في لحظة حلم وأمل، كي أصرف من المخزون الشخصي على حساب مسبق.. أعتقد أنني كنت سأعمل بوعي أكثر رقياً وتطوراً، سأعمل بروح كفاحية أعلى، وسأتنبه لأكون أكثر حذراً وخوفاً في قضايا الاضطهاد القومي، وفي مواقف النخب السياسية القومية المتعصبة والانتهازية، ودور بعضها السلبي خاصة في شروط ولحظات موجات المد القومي لقومية ما (أكثرية أو أقلية)، وفي مقابلها ومعها، لحظات وشروط جذر قومي لقومية ما (أيضا أكثرية أو أقلية)، وتحديداً في شروط وجود أزمة انقسام وطني عميق، كما الحال في وطننا سوريا، للأسف يبدو الأمر في إطار شروط خاصة جداً من التعقيد في إطار القضايا القومية والهوية والانتماء، وتضارب الاتجاه التاريخي للموجات القومية. مما يفترض وعياً خاصاً، ودروساً خاصة في القضية القومية وتشابكاتها، ومنها القضية القومية الكردية

 

ما رؤيتك تجاه الأزمة السورية الحالية؟ وهل تتوقع انفراجاً قريباً؟

 

في إطار حق كل السوريين بتكوين رأي في الأزمة الوطنية التي نعيشها، أي رأي مهما كان فيه من الخطأ والصواب، وضرورة التعاطي معه ومع صاحبه كرأي ووجهة نظر تستحق كل الاهتمام، فأنا بدوري كونت رأياً أعتقد أنه من الضروري أن أقدمه هنا مكثفاً (بالطبع يمكن الاطلاع عليه من مصادر مختلفة) وسيفيد في فهم بقية إجاباتي، سيشكل بعضاً من إطار لها، خاصة في القضية الكردية :

 

-1- تسارعت تطورات الأحداث السورية التي انطلقت في أواسط آذار\2011\ لتتحول إلى وضعية أزمة وانقسام وطني عميق، أزمة غير ثورية بأي مستوى، اتضح أنه لم تكن هناك أية شروط ثورية هامة، لتكون هناك ثورة، حتى الحراك الشعبي الحقيقي، والواسع فعليا، اتضح أنه كان حراكاً اجتماعياً بجسد مذهبي أحادي الاتجاه، يفتقد الحد الأدنى من التوازن الديموغرافي- الاجتماعي- والطبقي، وتكشف ذلك الحراك بكتلته وجسده الرئيسي الحاسم عن حاضن اجتماعي، يستحيل على أي قوة أو فعالية سياسية أو فكرية أن تقوده وتوجهه إلا الإسلام السياسي الأصولي الفاشي، أخوانياً كان أم وهابياً، وفشلت كل الادعاءات والجهود السياسية الجادة والمضنية لمختلف التيارات الأخرى، فشلت في قيادة ذلك الحراك، مضت أسابيع قليلة ووقع سريعاً عبر الشعارات، والجوامع مواقع الانطلاق، ومنابع القوة، وقع في أيدي الفاشية الأصولية.

 

-2- وبالتغاضي عن أهمية وضرورة البحث العميق في الأسباب والمسؤوليات، أعتبر النظام الديكتاتوري القائم، المسؤول الأول والحاسم في التسبب التأسيسي، لكن هناك أطراف أخرى خارجية كانت تتلطى، وتعمل بكثافة على تدمير الشروط الجيوسياسية السورية (المركز الأمريكي- واشنطن، والكيان الصهيوني، والسلطة التركية بخاصة، كما السعودية وأهل الخليج) وأطراف أخرى داخلية ذات مسؤولية سياسية تاريخية في تدمير الوقائع الوطنية السورية، على رأسها تنظيم الأخوان المسلمين العنيف والفاشي.

 

-3- إن تطور الأحداث المتسارع، وظهور وتمكن الفاشية الأصولية، وقيادتها للحراك، وتشبيكها مع العامل الخارجي والاحتلالات، ومتابعة صراعها العنيف مع النظام، افترض بالنسبة لوجهة نظري ضرورة المراجعة وإعادة النظر في البرنامج وأولويات التحدي الوطني، وعندما كانت سابقا قبل الأزمة تتركز في مهمة التغيير الديمقراطي الجذري والشامل، بتغيير النظام بطرق الكفاح السلمية التدريجي والآمن، واستمرت كذلك في بدايات الأزمة، والتباسات عدم وضوح التطورات الأولى، بين ثورة وثورة مضادة ومؤامرة، فإن انطلاق وتجذر وتتطور الصراع بين الديكتاتورية وحاضنها الاجتماعي من جهة، والفاشية الأصولية وحاضنها الاجتماعي من جهة أخرى، وكتلة اجتماعية غالبية غير مستقطبة إلى الصراع، غير فعالة، ومنع عليها أن تتحول إلى قوة فاعلة في الصراع من قبل طرفيه، لها نخبها الخاصة أيضا ومنظومة تفكيرها، ذلك الصراع والانقسام الوطني الثلاثي الاتجاهات بصورة أساسية، افترض بالنسبة لي أن تكون مهمة مواجهة وهزم الفاشية لها الضرورة الأولى، وهي التحدي الوطني الأول، لكن هذا ليس أحادي الاتجاه وليس حصرياً، بل هو مهمة مركزية يجب التركيز عليها مع حزمة مهام وتحديات وطنية أخرى، منها مواجهة وهزم الاحتلالات، ومنها التغيير الديمقراطي الجذري والشامل، التراكمي التدريجي والآمن، بتغيير بنية وطبيعة ونهج النظام والسلطة أساساً، إلى سلطة أخرى ونظام آخر، بسبل الحوار التوافقي السلمي، وبدور خاص للطرف الروسي في كل ذلك لإقناع أو إجبار النظام على ذلك المسار والتحول، وكذلك الاهتمام بكل القضايا والملفات التي فرضتها الأزمة (الإنسانية والمعيشية وانتهاكات حقوق الإنسان، وقضايا المعتقلين والمخطوفين، وقضايا الحصار والعقوبات واللجوء..الخ) وفي ذلك يصبح فتح مسار الحوار السوري الداخلي أساسيا في الخروج الآمن من الأزمة وفي تنفيذ تلك المهام، ولقطع الطريق على المخاطر المتعلقة بكل الآثار السلبية التي ستنجم عن أشكال التوافقات الخارجية المفروضة، وبالتالي أشكال اقتسام الكعكة، ودور النظام والقوى الأخرى الفاعلة فيها( الداخلية والخارجية).

 

-4- بالتالي الأولوية في كل ذلك هي لقضية الأزمة والانقسام الوطني العميق، والتفكير المركزي بقضايا التحديات الوطنية المركزية بدورها، وليس المضي إلى نهج استغلال شروط الأزمة والانقسام من أجل أهداف خاصة هنا وهناك، وعلى حساب القضايا الوطنية العليا، مهما كانت الحجج، والمضي البراغماتي لاستخدام كل الوسائل المتاحة، وكل التحالفات المتاحة أيضاً من أجل ذلك.

 

-5- وبدون أي شك كانت وبقيت المسألة القومية الكردية في قلب قضية التغيير الديمقراطي الجذري الشامل، وبدون حلها بصورة ديمقراطية من منظور المصلحة والعمل الوطني المركزي في الأزمة الكارثة، فإن أي حل آخر جزئي، أو في إطار أهداف خاصة، سيكون منقوصا، وخاطئا، وسيترك آثاراً سلبية على كامل الساحة الوطنية، وبشكل خاص على القضية نفسها وعلى الشعب والقومية الكردية، وسيترك ردود فعل عميقة ومتعصبة قومياً بين القومية الأكثرية العربية، والقومية الكردية.

 

-5-وهناك ضرورة قصوى من أجل توحيد صفوف المعارضة الوطنية الديمقراطية الداخلية أساساً، وأعني بالداخلية تلك المهتمة أساساً بالفعل الاجتماعي والسياسي والثقافي والفكري الكفاحي الداخلي، لتكون قوة فاعلة ودينامية في فرض مسار الحوار الداخلي، وفي فرض عملية الحوار والتوافق الوطني، وفي بقية حزمة المهام والتحديات من مواجهة الفاشية والاحتلالات والتغيير الديمقراطي، إلى بقية حزمة المهام والملفات المتعلقة بالأزمة، وليست تلك المعارضة الانتظارية، والمستقيلة من عملية الكفاح الداخلي، بانتظار المسارات والضغوط الخارجية، المنتظرة أن يعطيها طرف ما خارجي دورا وحصة وتأثيراً. وكل ذلك دون وضع المسارات في مواجهة بعضها، بل جعل الداخلي الرئيسي والحاسم فيها.

 

تلك هي نقاط الارتكاز الرئيسية فيما يتعلق بوجهة نظري حول الأزمة السورية وسبل الخروج منها، مع الاعتذار على مثل هذا التكثيف إذ يمثل الحد الأدنى الذي يسمح جزئيا بشرح أي وجهة نظر حول الأزمة،..يبقى السؤال فيما إذا كنت أتوقع إمكانية حصول انفراج قريب فيها؟

 

من حيث الإطار والشكل، واستمرار لقاءات آستانا وجنيف، وتقديرات بعض وسائط الإعلام، كما من الزاوية الحصرية المتعلقة بنتائج آستانا في قضية الهدنة، والمشروع الروسي المتعلق بمناطق تخفيف التوتر، كل ذلك يوحي أننا نشهد انفراجا قائما بصورة فعلية مقارنة بما هو قبل ذلك، أليس أي حد وسوية من وقف إطلاق النار انفراجا؟ أليس استمرار اللقاءات في آستانا وجنيف انفراجاً؟ وعلى اعتبار أن السلطات التركية أحد الأطراف الراعية، مع نفوذ كبير على أوساط واسعة من القوى والفصائل الأصولية المسلحة، وروسيا وإيران طرفان راعيان مع تحالف ونفوذ في جهة النظام السوري والجيش والشركاء في المواجهة العسكرية للطرف الآخر، كل هذا يعطي إمكانية ويسمح بالتفكير أن هناك احتمالية في استمرار الاتفاقات الموقعة، وهو بالتالي احتمال انفراج ليس في الشروط واللحظات القائمة فحسب، إنما يبدو كذلك للمستقبل القريب على الأقل.

 

ولكن ماذا تبتغي الأطراف المتناقضة والمتصارعة من تلك الاتفاقات؟ وهل حققت أهدافها الفعلية؟ هل تبدو الأمور والاحتمالات مؤقتة؟ إن الأهداف السياسية والمطامع السياسية التي تريدها الأطراف، خاصة الطرف التركي لا تزال على درجة عالية من التناقض الصراعي مع الطرف الآخر، أي مع الطرف الروسي والنظام وإيران، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الدخول الأمريكي بخططه الجديدة على الوضع السوري، والعمل على أهداف أكثر خطورة من قصة إزاحة واستبدال رأس والحلقة الأساسية حوله بعد التأكد أن الطرف الروسي لن يسمح بذلك، مما دفع بإدارة ترامب للعمل على تثبيت وقائع جغرافية وعسكرية خطرة جداً، ومن أجل اللعب الشامل والعميق لتدمير ما تبقى من الأهمية الجيوسياسية في الوطن السوري، متنبهين إلى الدور الأمريكي الشامل بتحفيز صفّه الإقليمي وحلفائه، نستطيع أن نقدر أيضا أن تعقيدات خطرة جدا قد دخلت على خط الأزمة، وعندما لا تزال رأس حربة الأصولية الفاشية (داعش والنصرة) ليستا في موقع التركيز الفعلي لإيقاع الهزيمة بهما، بل في موقع اللعب من قبل الأطراف الفاعلة لوجستياً وسياسياً حولهما من واشنطن إلى السلطة التركية إلى الكيان الصهيوني إلى دول الخليج والأردن، بذلك نقدر أيضاً خطورة الأهداف التي تعمل عليها أطراف الصف الأمريكي، ويسمح لنا بالتقدير والمقاربة أن الانفراج الجزئي القائم خفيف وعائم على السطح، والكل يعمل على تصريف الوقت وتحسين شروطه لجولات عنف آخر أقله داخل القوى والمنظمات الإسلامية في إطار اللعب بها كأدوات، أو علاقات الأولوية من العداوات والتحالفات في المرحلة المقبلة، وهكذا لا أستطيع أن أتوقع عقليا وفي المقاربة الفعلية، انفراجا جديا، أتوقع دورا أمريكياً أكثر سلبية وتدميراً، أتوقع دوراً تركياً أكثر تأثيراً سلبياً أيضاً في الوقائع الجيوسياسية السورية، أعتقد أننا سنشهد فصولاً إضافية من العنف، والتشدد السياسي من أجل أهداف وحصص متناقضة.

 

على صعيد القضية الكردية، ما رؤيتك لمستقبل الكرد في سوريا؟

 

-1- من سوء الحظ أن الأكثرية القومية العربية في سوريا تعيش وتعاني موجة جزر وتراجع قومي شديد، بينما تعيش القومية الثانية في سوريا (الكردية) موجة مدّ قومي، واستعداد شعبي عالي لتحقيق أهداف قومية خاصة بالقضية نفسها، ومن سوء الحظ أن هناك موجة مد إسلامية دينية مرتدة، أكثر خطورة من أي مرحلة أخرى، ولا يمكن أن تجلب إلا موجة فاشية في مواجهة ديكتاتورية النظام. ومن الواضح أن القوميتين والشعبين عوضاً من أن يكونا في صف واحد لمواجهة الفاشية الأصولية، وتحقيق التغيير الديمقراطي، عوضاً من ذلك فإن النخب القيادية على درجة عالية من التناقض في التفكير تجاه الأزمة الوطنية والانقسام الوطني السوري.

 

-2- إذ ذهبت النخب الكردية إلى المقاربة والقناعة أن شرط الأزمة الوطنية السورية ، شرط ضعف النظام، شرط الانقسام الوطني، يسمح لها بالعمل على شروط قومية خاصة بالقومية والشعب الكردي في سوريا، فمضت إلى تحالفات ووسائل واستغلال حالة المد القومي عندها، مضت إلى التعبئة والتجنيد واستغلال الاستعداد الشعبي للموت، مضت إلى استغلال فرط القوة من أجل أهداف خاصة، بدلاً من التركيز على القضايا والتحديات الوطنية السورية العليا.

 

-3- وكانت التحالفات التي نسجتها النخب الكردية، أساساً مع واشنطن، الطرف الذي يجب أن تكون كافة أطراف وفئات الشعب السوري في وضعية حذر من التحالف معه، إن لم تكن ضده وفي مواجهته كطرف تدخلي واحتلالي، خاصة بسبب مواقفه في الأزمة السورية، ووقوفه إلى جانب الصف الأصولي الفاشي حتى هذه الدقيقة، كما اللعب عليه واستغلاله في خلق وقائع مفيدة للنفوذ الأمريكي على حساب الوطن السوري ووحدته وسيادته.

 

-4- وحتى هذه الدقيقة لا تقدّر النخب الكردية خطورة الموقف الأمريكي واحتمالات تقلبه بين السلطة التركية وكامل أهمية تركيا استراتيجيا لها، وبين النخب الكردية والقضية القومية الكردية ودعم أهدافها في سوريا.

 

-5- كما كان من الخطأ الشديد التركيز الثقافي والفكري والسياسي والتنظيمي في شروط الأزمة والتناقضات في اتجاهي الحركتين القوميتين المتناقضين، التركيز على قضية الفيدرالية، واللامركزية والالتباسات التي حصلت فيها، ونسج التحالفات من أجلها، كان الأفضل بكثير التركيز على القضايا الوطنية السورية المركزية، والحذر في استغلال شروط الأزمة والانقسام الوطني، والحذر في قضية التحالفات، وضرورة العمل على التشارك العميق مع القوى الديمقراطية السورية والداخلية منها بشكل خاص، والعمل على تشكيل مركز معارض جاد، يقود النضال من أجل تفعيل الكتلة الاجتماعية الغالبية، وبقية حزمة المهام والتحديات الوطنية من مواجهة الفاشية والاحتلالات الخارجية وهزمها إلى التغيير الديمقراطي الجذري والشامل وفي قلبه القضية القومية الكردية وغيرها من العناوين الأساسية.

 

-6- ومع استمرار كامل قناعتي بحق الشعب والقومية الكردية في سوريا برفع الاضطهاد والظلم القومي أساساً عنهما، وحل القضية حلاً ديموقراطياً جذرياً وناجزاً، يصل حدود حق تقرير المصير، بنفس المعايير التي يجب تطبيقها في القضية القومية العربية، إنما في شروط أخرى مغايرة لتلك الشروط القائمة، أخشى أن المقاربة التي أقدمت عليها النخب السياسية الكردية، وخياراتها بتوعها أنها ستضع الشعب والقومية القومية الكردية في وضعية تناقضات ومواجهات متعددة في المستقبل غير البعيد، ليس فقط مع أجزاء مهمة من أهل القومية العربية في سوريا، بل أيضاً مع السلطة والجهة التركية والنخب التركية الواسعة التي يجمعها الموقف في القضية القومية الكردية، وسيدخله كل ذلك في حالة حروب متعددة الجبهات حتى بتجاوز المدى المنظور، إن جدار الفصل التركي سيؤثر عالياً في وحدة النضال القومي الكردي، وتناقضات حركة التحرر القومي الكردي وقياداتها ستؤثر أيضاً في ذلك، تركيا ستستخدم أدوات أصولية سورية في معارك مفتوحة كما يحصل، والطرف الأمريكي في أحسن حالاته سيكون ضابطاً للتناقض الكردي والتركي، بينما استراتيجياً سيمضي إلى التنسيق مع الأكثر أهمية له.

 

-7- لدي خوف شديد أن الشعب والقضية الكردية في سوريا بسبب كل ما أوردته، لن تكون أفضل حالاً من مستقبل الأزمة والانقسام في الصف العربي، خوف شديد من أن تدخل حروباً متعددة ومفتوحة مع أكثر من طرف، وأن تكون في تحالفاتها خاصة مع الطرف الأمريكي في الوضعية الموضوعية، إن لم أقل الذاتية أيضاً في خدمة خطط وأهداف الطرف الأمريكي في سوريا.

 

-8- هل فات الوقت لعمل آخر مختلف؟ أبداً..وأعتقد أنه يتمثل في ضرورة إعادة النظر والمراجعة من قبل النخب السياسية الكردية الفاعلة في كامل موقفها وأولوياتها وتحالفاتها، والتركيز على تشكيل حلف معارض ديمقراطي ووطني داخلي، يركز على الأولويات والتحديات الوطنية الأساسية التي فرضتها الأزمة، يركز على تشكيل كتلة اجتماعية واسعة من الشعبين والقوميتين، بدلاً من تحالفات محلية ضيقة لا تمثل الحالة الوطنية السورية مركزياً، يركز على مواجهة الفاشية وهزمها، على التدخلات الخارجية الاحتلالية بامتياز، التركية منها والأمريكية والإسرائيلية، وعلى التغيير الديمقراطي الجذري والشامل، وحتمية قيام نظام مختلف، وفي كل ذلك يجب الدفع بالنظام عبر العمل المستقل، وتشكيل قوة معارضة ديمقراطية مستقلة، أو العمل الحواري التشاركي في جبهة واسعة ضد الفاشية والاحتلالات، خاصة التركي ومخاطره على الوطن السوري، وعلى كفاح الحركة القومية الكردية، وللطرف الروسي دور حاسم في ذلك، في الضغط على النظام أو إقناعه بضرورة فتح مسار الحوار الداخلي، وقيام جبهة واسعة من أجل كل حزمة الأهداف تلك، وليس للطرف الأمريكي أي دور مشابه أو مقارب، دوره نقيض ذلك بالمعنى الشامل.

 

-9- بذلك يمكن أن تضمن القوميتين والشعبين، وبقية الأقليات القومية، إمكانية إعادة الوطن السوري إلى وحدته وسيادته، وتعايشه الديمقراطي العادل، ومن أجل كل ذلك أقترح سلسلة لقاءات للحوار في كل ذلك، والمراجعة ووحدة عمل المعارضة الديمقراطية الداخلية، ودور خاص للخروج من الأزمة.

 

حاوره: سلام أحمد

تحرير: ع. أحمد

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0