الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | فقيد الناصريين حبيب عيسي كتب : العروبة … وتلك ” الناصريات ” وجمال عبد الناصر ج3

فقيد الناصريين حبيب عيسي كتب : العروبة … وتلك ” الناصريات ” وجمال عبد الناصر ج3

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
فقيد الناصريين حبيب عيسي كتب : العروبة … وتلك ” الناصريات ” وجمال عبد الناصر ج3

– حبيب عيسى مجلة الوعي العربي دمشق 1 /12 / 1988


هناك فرق كبير إذن بين الذين يصلحون لتنفيذ القرار الصحيح وبين الذين يملكون مؤهلات اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح …

ونحن لا نقول هذا تهجماً  ،على أحد … بل إننا نجد في مواقف الوفاء عند البعض منهم ما يستحق التقدير والاحترام .. لكن كل هذا شيء وقضية بناء الثورة العربية شيء آخر … ولنؤكد في الوقت ذاته على حقيقة من المفترض أنها أصبحت واضحة للجميع :

إن جمال عبد الناصر كحاكم لدولة مصر وكقائد قومي للأمة العربية حاول أن يسّخر الدولة الإقليمية لخدمة النضال العربي … وبغض النظر عن حجم الإخفاق والنجاح فإن عبد الناصر منذ 28 أيلول ” سبتمبر ” 1970 لم يعد حاكماً لدولة مصر وبالتالي فإن الكوادر الملتزمة بأهداف الأمة العربية التي تبّناها جمال عبد الناصر لم تعد تحكم دولة مصر ولا غير مصر مما يترتب عليه أن ” الناصرية ” لم تعد تعني منذ عام 1970 الالتزام بأسلوب السلطة الذي استخدمه عبد الناصر في معاركه فهم لا يملكون أجهزة الدولة : لا مخابراتها ولا جيشها ولا إتحادها الاشتراكي ولا تنظيمها الطليعي ولا قطاعها العام ولا .. إلى آخره .

وإنما أصبحت كل تلك الأجهزة في الخندق الآخر … كما أن هذا يعني وبأكبر قدر من الوضوح أن استخدام تلك الأساليب تنظيمياً أو فكرياً لا يصلح لخدمة الأهداف الإستراتيجية للنضال العربي والتي تبناها جمال عبد الناصر .

فتلك الأساليب كانت مرتبطة بانصياع الدولة الإقليمية لقرارات القائد القومي الذي هو جمال عبد الناصر والذي من العبث التفكير بأن أي أحد يستطيع أن يعيد التجربة .

لقد عاد جمال عبد الناصر منذ عام 1970  ،إلى ضمير أمته التي تعاني من أوضاع شديدة الشبه بالأوضاع التي كانت سائدة قبل عام 1952 لكن أكثر سلبية من حيث الحريات العامة ،والاستبداد بالناس ،وحيث الأوضاع الفوقية تفرض أنواعاً شتى من العدوان المعقد والمرّكز على جماهير الأمة العربية … وإذا كان جمال عبد الناصر في مثل هذه الظروف قد فكر بالتنظيم والتخطيط والثورة على صعيد مصر فإن جمال عبد الناصر “الناصرية” المفترض في السبعينات والثمانينات وما يأتي من الزمن ليس معنياً بأقل من التنظيم والتخطيط والثورة على صعيد الوطن العربي مستفيداً من التراكم النضالي الذي حصل ومن التجارب المرة التي نرى حصادها في كل مكان من الأرض العربية … وفي مثل هذه الظروف لن يلتق جمال عبد الناصر بحاكم مصر أو غير مصر، ولن يبرر له ،ولا لسواه ما يفعل ،وما يفعلون ولن يتزعم شلة أو مجموعة عاجزة عن الحركة والفعل الحقيقي ،ولو كانت تحمل أسم  “الناصرية” .

ولن يشترك في جبهة مع السلطة التي تستبد بالشعب ولن يشكل حزباً  ،شكلياً يبيعه لمن يشتري … وإنما كان سيحرّض وينظمّ ويفكر في كيف يغيّر الواقع العربي ثورياً ،باتجاه النهوض ،والتنوير ،ومقاومة غزاة الخارج والمستبدين ،والطغاة في الداخل … وجمال عبد الناصر المفترض في “الناصرية”، في السبعينات والثمانينات وما يأتي من الزمن هو كل ذلك مضافاً إليه خبرة النضال والتجربة المرة .

 

(9)

 

لكن ما علاقة هذا كله بخالد جمال عبد الناصر ورفاقه وما نسب إليهم من أفعال .. ؟ :

أولاً – نحن ندعّي أن هناك علاقة جوهرية وثيقة بين ما نسب إلى خالد جمال عبد الناصر ورفاقه من أفعال وبين الخط الاستراتيجي للقائد القومي جمال عبد الناصر .

ثانياً – إن محدودية النتائج ،هنا مرتبطة بمحدودية الأسلوب الإقليمي فالمطلوب ليس، الالتفاف الجماهيري العربي حول ” الأبطال ” وإنما الاشتراك الجماهيري العربي في الفعل والممارسة …

ثالثاً – إن أصحاب “الناصريات” إياها الذين شكلوا شرنقة حول هذا العمل المقاوم عن طريق البحث عن صورة مع خالد جمال عبد الناصر أو عن طريق تبنيّ ما يجري والتغني به : يشكل سلبية يجب التعامل معها بحزم وحسم حتى لا ينعزل الحدث عن الجماهير العربية المعنية أولاً وأخيراً بتقييم ما جرى والتفاعل معه للانتقال إلى خطوة أرقى وأكثر فاعلية ومقدرة على مواجهة الظروف والمستجدات بالغة التعقيد .

رابعاً – لقد أثبتت المواجهات والأفعال التي نسبت إلى خالد جمال عبد الناصر ورفاقه أن مقاومة ما يجري من أفعال معادية ،ينفذها الغزاة ،والطغاة ممكنة بإسلوب محدود فكيف إذا تطور الأسلوب ليشمل ساحة المعركة كلها ،وهي ساحة الأمة العربية .

خامساً – لقد آن الأوان لينفضّ سوق الاتجار بجمال عبد الناصر واختلاق أشكال مشوهة من العمل السياسي تنسب إليه . فجمال عبد الناصر رجل رافض مقاوم للواقع العربي المجزأ والتابع والمستلب وبالتالي من العبث الإدعاء بالاقتداء به  من الذين لا يقاومون جدياً لتغيير هذا الواقع بالثورة الشاملة في شتى المجالات ….. .

سادساً – لهذا كله لابد من تبيان الخط الاستراتيجي النضالي لجمال عبد الناصر وتحديد إطاره من أول الأهداف إلى آخر الأساليب وفرزه عن خط الضرورة والمرحلية الذي تمثل في كون جمال عبد الناصر حاكماً لدولة مصر وما ترتب على ذلك من وسائل غير قادرة على حمل مسؤولية النضال العربي إلى غايته وأهدافه .

 

(10)

 

لقد حدد جمال عبد الناصر في البدايات .. في فلسفة الثورة هذه المعاني عندما قال : ” إن قصص كفاح الشعوب ليس فيها فجوات يملؤها الهباء وكذلك ليس فيها مفاجآت تقفز إلى الوجود دون مقدمات .

إن كفاح أي شعب جيلاً بعد جيل . بناء مرتفع حجراً فوق حجر وكما أن كل حجر في البناء يتخذ من الحجر الذي تحته قاعدة يرتكز عليها كذلك الأحداث في قصص كفاح الشعوب كل حدث فيها هو نتيجة لحدث سبقه وهو في نفس الوقت مقدمة لحدث مازال في ضمير الغيب … “

إن ولادة فكرة الثورة في ذهن جمال عبد الناصر كما حاول أن يحددها في ” فلسفة الثورة ” أبعد من حادث نادي الضباط وحريق القاهرة وحرب فلسطين وحصار الفلوجة ومظاهرات طلبة الإسكندرية … إن بذورها ـ كما قال : ” ولدت في أعماقنا حين ولدنا وأنها كانت أملاً مكبوتاً خلقه في وجداننا جيل سبقنا .. ” ويضيف .. ” .. لم يكن الذي حدث يوم 23 يوليو تمرداً عسكرياً وفي الوقت ذاته لم يكن ثورة شعبية .. ” ثم يعبر عن حالة الإحباط التي تلت حدث 23 يوليو” فيقول : ” لقد كنت أتصور قبل 23 يوليو أن الأمة كلها متحفزة متأهبة وأنها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور فتندفع الأمة وراءها صفوفاً متراصة منتظمة تزحف زحفاً مقدساً إلى الهدف الكبير … وكنت أتصور دورنا على أنه دور طليعة الفدائيين وكنت أظن أن دورنا هذا لا يستغرق أكثر من بضع ساعات ويأتي بعدها الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير … ثم فاجأني الواقع بعد 23 يوليو … قامت الطليعة بمهمتها واقتحمت سور الطغيان وخلعت الطاغية ووقفت تنتظر وصول الزحف المقدس للصفوف المتراصة المنتظمة إلى الهدف الكبير … وطال انتظارها .. لقد جاءتها جموع ليس لها آخر .. ولكن ما أبعد الحقيقة عن الخيال . كانت الجموع التي جاءت أشياعاً متفرقة وفلولاً متناثرة تعطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير وبدت الصورة يومها قاتمة مخيفة تنذر بالخطر … “

هكذا كانت البدايات … وتطور الأمور بعد ذلك معروف لكن جمال عبد الناصر أحس منذ اللحظة الأولى : ” أن الجموع التي جاءت أشياعاً متفرقة وفلولاً متناثرة كانت تعطل الزحف المقدس إلى الهدف الكبير ” ونحن نقول الآن وبعد التجربة المرة ،أن الفلول المتناثرة ما زالت إلى الآن تعطل هذا الزحف … لقد كانت الجماهير العربية الإتكالية على جمال عبد الناصر تنتظر منه أن يفعل كل شيء … تصورت أنه قادر على فعل كل ما تريد وأنه مسؤول عن تحقيق كل ما تريد … وعندما لم يستطع أن يحقق لها كل هذا الذي تريده انكفأت خائبة فحدث الفراغ الذي ملأه الأعداء .

ولنفترض أن هذه الحالة ترافق دائماً وجود البطل التاريخي في الأمة … لكن هذه الحالة كان يجب أن تنتهي فور غياب جمال عبد الناصر في عام 1970 ولكن الجماهير العربية لم تفعل ذلك إلى الآن فانتكست مسيرة الثورة العربية إلى “الدرك” الذي نعيش … الآن يجب أن تنفضّ الجماهير العربية عن الفرجة على ما يجري فالمطلوب ليس تأييد خالد عبد الناصر ورفاقه وليس الانفعال بما يجري داخل “محكمة معرض القاهرة الدولي” . المطلوب أكثر من ذلك بكثير ..

المطلوب من جماهير الأمة من كوادرها الثورية الطليعية أن تعرف وتخطط وتبني وتتحرك وتستخدم كل الوسائل والطاقات الممكنة للانتقال من مقاعد المتفرجين إلى الاشتراك في صنع وصياغة الأحداث في الوطن العربي … فما جرى خلال السنوات التي تلت غياب جمال عبد الناصر كفيل بأن يضع كل عربي أمام مسؤولياته الجسام فالأمة تتعرض لأخطار جسيمة تتهدد الوجود أرضاً وشعباً … ووسائل المواجهة التقليدية التي طغت على سطح الحياة السياسية العربية سقطت في الامتحان … وبالتالي فنحن أمام لحظة فاصلة من تاريخ أمتنا لتفرز ما يجب لمواجهة كل هذا الذي يجري .

بهذا وبهذا وحده يكون الوفاء لجمال عبد الناصر وعبره إلى سلسلة الأبطال التاريخيين الذين تصدوا لموجات من الأعداء وفدوا إلى هذه الأرض … والوفاء لن يكون إلا بالتصدي والمواجهة الجدية للموجة المعادية الراهنة .

أما كيف يتم ذلك … وكيف تترجم هذه الكلمات إلى واقع بعد أن أتخمتنا الكلمات .. ؟ فهذا سؤال لم يعد لعربي الحق في أن يتهرب من الإجابة عليه فقد تراجعنا حتى الحائط وبالتالي لم يعد الهروب من المواجهة ممكناً فكل عربي مهدد . وكل أرض العرب مستباحة ومهددة …


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع