الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | فقيد الناصريين حبيب عيسي كتب : العروبة … وتلك ” الناصريات ” وجمال عبد الناصر ج2

فقيد الناصريين حبيب عيسي كتب : العروبة … وتلك ” الناصريات ” وجمال عبد الناصر ج2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
فقيد الناصريين حبيب عيسي كتب : العروبة … وتلك ” الناصريات ” وجمال عبد الناصر ج2

– حبيب عيسى مجلة الوعي العربي دمشق 1 /12 / 1988

(6)

 

في الأعوام التي تلت حرب ” أكتوبر ” تشرين الأول 1973 وفض الاشتباك واتفاقيات الفصل في سيناء والجولان ثم اتفاقية سيناء الثانية التي مهدت لرحلة الرئيس أنور السادات “التاريخية” إلى القدس المحتلة كان الشباب العربي ” الناصري ” مشغول بـ ” الناصرية ” ما هي ؟ : فكراً وعقيدة وأسلوباً واتجاهاً .. وكان تحديد المدلول العقائدي والسلوكي “للناصرية” غاية في الصعوبة كان بعض رواد نوادي الفكر الناصري في جامعات القاهرة وعين شمس وغيرها في غاية الحماس لتحديد من هو ” الناصري ” ومن هو غير ” الناصري ” وكانت المشارب تذهب بهم إلى اتجاهات مختلفة ومتناقضة كان البعض منهم مازال يراهن على “ناصرية” الرئيس أنور السادات رغم أن سيادته كان قد وقع اتفاقية سيناء الثانية ووضع 99 بالمائة من أوراق دولة مصر في الجيب الأمريكي الواسع … وكان هؤلاء يبنون مراهناتهم على أن الرئيس السادات تحدث في خطابه تلك الأيام عن جمال عبد الناصر ” الله يرحموا ” مادحاً … وكأن القضية هي موقف ذاتي من هذا الشخص أو ذاك وليست موقفا موضوعياً من اتجاه وحركة … لقد كانت الحوارات التي شاركت في بعضها في تلك الفترة عنيفة وشائكة والأعصاب متوترة والتشويش الفكري وصل أقصاه وأدار الرؤوس باتجاهات أقل ما يقال فيها أنها تؤدي إلى عجز الجميع عن الفعل الايجابي وارتفعت دعوة الالتزام بالنصوص والالتزام حتى بالسلبيات التي مارستها أجهزة دولة مصر الإقليمية وبات  التكفير والتشهير متاحاً للقاصي والداني وغدت كل محاولة للفت الأنظار إلى الأخطار المحدقة بالأمة وتاريخها وتراثها وأرضها وأبطالها التاريخيين ومنهم عبد الناصر … أصبح كل ذلك ” انحراف خطير ” … التصدي له أكثر أهمية من مواجهة الصلح مع “إسرائيل” ومن التصدي للتبعية الكاملة للولايات المتحدة الأمريكية اقتصادياً، وسياسياً و ..

محنة عربية .. شديدة القسوة .. كل ما فيها يذكرّنا بعصر الانحطاط بل أقسى هذه المرة فالأسلحة أكثر تطوراً الآن .. فالسياسة : سياسة طوائف عصر الانحطاط .. الفن والثقافة : ” السح الدح انبو ” .. الاقتصاد : اقتصاد ربوي يعتمد المقامرة والفهلوة والشطارة والفساد ،و … الأرض القومية المقدسة : لم تعد مقدسة في ظل الواقعيات الجديدة … الخيانة والتفريط : غدت مجرد وجهات نظر … هناك حقوق مشروعة للشعب العربي الفلسطيني وبالتالي فإن هناك “حقوق لم تعد مشروعة للفلسطينيين” … في ظل واقع كهذا هل يوجد عبد الناصر أو ” ناصرية ” تتصالح مع القوى التي تصنع هذا الواقع المأساوي وتشرف عليه .. ؟ !! وهل هناك أقل من الرفض ثم التنظيم ثم الحركة ثم إدارة الصراع ضد كل الأدوات ،والرموز التي صاغت وتصيغ هذا الواقع المناقض لكل ما أراد عبد الناصر أن يحققه في الوطن العربي … ففي واقع أقل سوءاً من هذا نظم عبد الناصر خلايا سرية وكتب مناشير تحريضية ووضع خطط ونفذ …

قد تفرض المتغيرات أسلوب جديد للمواجهة يختلف عن أسلوب عبد الناصر لكن من ناحية تحقيق الأهداف في الواقع الموضوعي فإن المطلوب هنا هو ذات المطلوب هناك ،وهو : تغيير الواقع ثورياً باتجاه الهدف الأخير الاستراتيجي الذي أطلقه عبد الناصر ” قبل أن يغيب أو يغيّب ” وهو تحرير الأرض العربية وتوحيدها وتحقيق العدالة الاجتماعية ،ورفع ،كل أشكال العدوان على الحقوق الأساسية للمواطن العربي وتحقيق التقدم والتنمية والاستقلال للشعب العربي … لكن هل للادعاء بالتزام هذه الغاية أي معنى  أو قيمة حقيقية دون العمل والتفكير والاجتهاد والممارسة المضنية والتضحية لبناء حزب ثوري قومي عربي تقدمي حقيقي بعيد عن الشكليات تخوض كوادره معارك الأمة والوجود والبناء والتحرير والوحدة بكافة الأسلحة من أول الأسلحة التي تفتك بالأعداء ،وتدفعهم خارج حدود الوطن  إلى آخر الأسلحة التي تعيد بناء الإنسان العربي الذي يكاد أن يفقد الذاكرة … لكن وفي نوادي الفكر الناصري كانوا يرفضون مصطلح حزب .. فليكن دعونا نقول : أداة تحالف مؤسسة تنظيم … سمّوه ما شئتم المهم أنه ” شيء ما ” له حدود واضحة يختلف عن ” الرخويات ” السائدة على سطح الحياة السياسية العربية … ” شيء ما ” قادر على الفعل والمواجهة . وهذا يعني أنه يجب أن تتوفر فيه الحدود الدنيا من الشروط المطلوبة للمقدرة على الفعل الواقعي في مواجهة أعداء لا ينقصهم التطور والأدوات  والخبرة .. فالقضية ليست شكلية على الإطلاق وعلى سبيل المثال هل يمكن أن نتصور بناء أداة لتحقيق هدف تغيير الواقع العربي ثورياً دون أن تكون هذه الأداة قومية تمتد ساحة فعلها وحركتها على طول الساحة العربية وعرضها ؟ … هنا كان ينتفض البعض في نوادي الفكر الناصري : فالواقعية كما يعتقدون تفرض عليهم تجميع ” الناصريين المصريين ” توحيدهم تنظيمهم وتلبية حاجات الشارع المصري : سكن طعام لباس رخاء والالتحام مع معاناة الناس من أول رغيف العيش إلى أزمة السكن ..  قلنا ،لكن أيها الأخوة : الظروف بعد عبد الناصر غيرها معه .. لقد كانت دولة مصر تتميز بأن عبد الناصر ،القومي العربي يحكمها … الآن أجهزة هذه الدولة تتجه بطريق معاكسة وبالتالي فإن ظروفاً جديدة لا بد من التعامل معها … هناك فرق بين إصدار قرار وأنت على رأس أجهزة ،تضبط حركتها فتنفذه وبين اتخاذ قرار في مواجهة أجهزة سلطة تتناقض  مع هذا القرار ،وتصارع لإحباطه .

إننا في مواجهة واقع جديد … ثم : ألم يحن الوقت لتتحول القضية القومية من مجرد مشاعر وأفكار وتمنيات إلى مؤسسة مقتدرة واقعياً على خوض المعارك الشرسة المفروضة من قوى متعددة الغايات … ألم يحن الوقت لننظر إلى القضية القومية من وجهة نظر واقعية …؟؟ لماذا هذا الانحياز لسائر أنواع الواقعيات في الوطن العربي من أول الواقعية الإقليمية إلى الواقعية في التعامل مع “إسرائيل” …؟؟ وترفضون التعامل مع الواقعية العربية القومية لماذا ،هذا الإصرار ،العجيب على أن القضية القومية في الوطن العربي هائمة خارج الواقع … وكأن أزمة رغيف العيش والسكن والتعليم والتحرير والتقدم والاشتراكية والديمقراطية … ليست أزمات قومية …؟؟؟ لماذا التوهم أو الإيهام بأنه من الممكن أن تحل ،تلك المشكلات كلياً أو جزئياً إلا في الإطار القومي .. ؟

إن العرب جميعا لا يعرفون كيف يأكلون لأن التجزئة اتخمت البعض لدرجة التقيؤ وهي حالة مرضية .. وحرمت البعض الآخر من الحد الأدنى اللازم لاستمرارية الحياة وهي حالة مرضية أيضا ً … إن التجزئة وضعت البعض في قصور وقلاع لا يعرفون كيف يعيشون فيها ولا كيف يتعاملون مع “الدارات الإلكترونية” المنتشرة على جدرانها وأبوابها … وهي حالة مرضية وحاصرت البعض الآخر ليعيشوا في المقابر ويتعلموا التعايش مع الديدان التي تنخر عظام موتاهم .. وهي حالة مرضية أيضاً … إن التجزئة وفرت للبعض وسائل مواصلات فارهة متطورة وألبستهم آخر صرعات الأزياء ووفرت لأولادهم مقاعد في أرقى جامعات العالم وحاصرت البعض الآخر في وسائل للنقل كتب على أبوابها ،أنها مخصصة لنقل الأبقار والأغنام وتركتهم شبه حفاة عراة … وأجبرت العديد منهم على أن ينزعوا حقائب المدرسة عن ظهور أولادهم ويستبدلونها بصناديق مسح الأحذية وبيع اليانصيب والدخان المهرب … ومن ثم أشياء أخرى .. ؟ !!

التجزئة إذن ليست “فعيلة” هائمة على سطح الحياة العربية إنها فعل معاد مركب شديد التعقيد يعزل الإمكانيات المادية للأمة عن الإمكانيات البشرية فيها فتذهب الأولى ترفاً وسفهاً وتفريطاً للأعداء وتحاصر الثانية لاهثة وراء لقمة العيش  تتعثر في الحصول على النذر اليسير منها بعد ،أن تريق ما تبقى من ماء الوجه ويملأها الشعور بالذل والإذلال … أليس هذا الواقع هو الذي فتح عيني جمال عبد الناصر على ضرورة وواقعية السعي والنضال لتحقيق هدف الوحدة العربية وبناء الدولة العربية الواحدة .. ؟

ثم هل كان جمال عبد الناصر يبحث عن إمبراطورية يتربع على عرشها أم كان يبحث عن الاستقلال والكفاية ،والعدل والتحرر من التبعية وتحرير الإمكانيات القومية وهو يتحدث عن الوحدة العربية ..

وللأسف الشديد ،فإن الجواب ،كان : إن هذا الكلام نظري فالمّلح الآن واقعياً هو تنظيم الناصريين المصريين ورفع شعارات تلبي حاجاتهم الملحة …

لكن أيها الأخوة لن تستطيعوا إقليمياً تلبية أي من الحاجات الملحة للجماهير العربية في مصر … فلماذا هذا الإصرار على تكرار التجارب الفاشلة .. ؟ ففي ظل هذا المنطق تشكلت مجموعات وشلل ” ناصرية ” في الإقليم الشمالي لم تعجز عن استعادة الجمهورية العربية المتحدة وحسب وإنما عجزت عن تلبية أي من الحاجات الملحة لعرب سورية وتحولت موضوعيا إلى جزء من الإشكاليات السلبية التي فرزها الانفصال وهي الآن في المواقع والمواقف التي تعرفون … وفي لبنان أيضا تحدث  ” الناصريون ” لنا  عن خصوصية الوضع اللبناني وأنهم سيحررون لبنان أولاً .. وهم  الآن في المواقع التي تعرفون … و ” ناصريو ” فلسطين واليمن والخليج والمحيط  ،لم يكونوا أسعد حظاً . فلماذا لا نستفيد من التجارب .. ؟ : ثم أليس العزوف عن تكرار التجارب الفاشلة ” قانون ناصري ” .. ؟! المهم أن تلك الحوارات انتهت إلى اللا جدوى ولا نتيجة وتفرق أبطال تلك الحوارات في مسالك مختلفة وبعضهم سطر الكتب فيما بعد ليخلع ألقاب ” الناصرية ”  ،على البعض وينفيها عن البعض الآخر ثم سارت الأمور في الواقع العربي إلى المنحدر الذي نعيش … وأحس الذين لا يجيدون الاشتراك في هذا ” الهزل ” السائد والذين لا يجيدون التلهي بالاشتراك في تلك الحركات الكرتونية ” بينما وطنهم مباح ” … هؤلاء ،غمرهم الإحساس أن البساط  ،سحب من تحت أقدامهم فاعتزلوا ،وانعزلوا عن الكثير من المماحكات الفارغة ورفعوا شعار : إذا لم يكن من الممكن صياغة الايجابيات فلنمتنع عن المساهمة في صناعة السلبيات … ولنميز أنفسنا على الأقل عن بعض ” الأنماط الناصرية ” التي طفت على السطح تتجر بعبد الناصر وتبيع نفسها وتبيعه لمن يدفع أكثر ..، وأنماط أخرى تتمتع بالصدق والنوايا الحسنة أبقت على ولإها العذري للرجل لكن مع عجز مطبق عن ترجمة ذلك الولاء إلى فعل إيجابي على الطريق الصحيح   !!

 

(7)

 

هكذا استمر الليل العربي الحالك السواد … تنطلق في حلكته بعض الشهب التي تضيء الظلمة للحظات .. لكنها سرعان ما تخبو لأنها تفتقد عنصر الضبط والربط والتنظيم والتخطيط الاستراتيجي المنتظم المتصاعد أبدأ باتجاه تحقيق الأهداف المحددة : عربي من ريف مصر – سعد إدريس حلاوة – يؤذن بالناس رافضاً الصلح مع ” إسرائيل” ويرتفع الأذان إلى أن ترتفع روح الشهيد .. ثم مجموعات من الشباب العربي تتحول إلى ألغام ناسفة تطارد الصهيونية .. ثم سليمان خاطر … ثم مجموعة من الرماة العرب يصرعون الرئيس السادات في مشهد تاريخي …  ثم ،أطفال فلسطين الذين أنتجهم شعب فلسطين بكثرة في السنوات الأخيرة يشهرون الحجارة في وجه الاحتلال .. ثم رافضون هنا … متمردون هناك ….. بين المحيط والخليج … إنها شهب لكنها ليست من فراغ .. إنها مترابطة الحلقات فيما بينها رغم التباعد الجغرافي والتباينات التنظيمية …

إنها ،صرخات المخاض التي تتصاعد ـ كلما اقتربت الولادة والأمة العربية ـ بعد السقوط الأخير للقوى التي هيمنت على الحياة العربية … هذه الأمة تقترب من لحظة إنتاج صادات الدفاع عن الوجود المهدد تهديداً شديداً …

من هنا جاء هذا الاهتمام الشعبي بنشاط تلك المجموعة السرية التي تلاحق “الإسرائيليين والأمريكيين”  في مصر فتصرع بعضهم وتصيب البعض الآخر ثم تختفي  بصمت إلا من بيانات مقتضبة تتحدث عن الأعداء الذين استهدفهم الرصاص وعن الاستقلال والتحرر، والأمة العربية الواحدة … تميزهم علامات هامة أهمها :

 

1-    يمارسون ” الانتماء لجمال عبد الناصر ” ولا يتجّرون بـ ” الناصرية ” .

2-    أعداؤهم … هم هم أعداء جمال عبد الناصر الاستراتيجيين .

3-    أهدافهم …  ،هي هي أهداف جمال عبد الناصر الإستراتيجية .

 

لكن محدودية الأسلوب أدت إلى محدودية النتائج وهذه مسؤولية لا تلقى على عاتقهم وحسب … وإنما هي مسؤولية مشتركة على “كواهل” كوادر حركة التحرر العربية جماعات وأفراداً بين المحيط والخليج .

هذا يقودنا للحديث عن جمال عبد الناصر : .. الإستراتيجية والتكتيك …؟ .

ورغم أن هذا الحديث يضيق عن الإجابة الوافية … إلا أننا سنضع فرضية ندعّي أنها صحيحة على طول الخط تقول : أن جمال عبد الناصر الذي قلب نظام الحكم في دولة مصر بحثاً عن الاستقلال والتحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية واحترام سيادة دولة مصر على أرضها وشعبها وتحقيق برنامج إصلاحي تنموي في ظل عدالة اجتماعية وتكافؤ للفرص … وجد نفسه في مواجهة مخططات وقوى استعمارية ومحلية منتشرة بين المحيط والخليج وأن مصر بالنسبة لتلك المخططات هي جزء من منطقة ” الشرق الأوسط ” الهامة اقتصاديا واستراتيجيا … وأن أصحاب تلك المخططات على استعداد للخوض حتى في خراب الحروب النووية دفاعا عن الخطوط التي رسموها على خارطة تلك المنطقة فغدت دولاً … ودفاعا عن ثروات هذه المنطقة التي تحولت من ثروات للمنطقة إلى مكاسب لأصحاب تلك المخططات يقاتلون دفاعاً عنها ضد أصحاب تلك الثروات من جهة وضد أي طامع فيها ،من دول غريبة أخرى  ” أياً كان ” من جهة أخرى .

وهكذا فإن وعي جمال عبد الناصر لمجمل هذه الحقائق وما يترتب عليها جعله يخوض معارك التحرر العربي وهو يقاتل ويناضل من اجل استقلال وسيادة دولة مصر …

فحلف بغداد والقواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة بين المحيط والخليج و”دولة إسرائيل” الصهيونية وخريطة ” سايكس – بيكو ” وغيره كثير .. كل هذا لا يمثل أوضاعاً خارج مصر وإنما يمثل أوضاعا وقوى تتحكم سلباً بأية محاولة لتطوير مصر وتحريرها … وهكذا وجد جمال عبد الناصر نفسه في خضم معارك التحرر العربي يخوضها رافضاً  ،كل المشاريع المعادية رغم خطورة ما يترتب على هذا الرفض من نتائج فأصبح رمزاً للنضال العربي وتحول ليكون ذلك البطل العربي للشعب العربي كله الذي تحيطه الدموع والأفراح ….

نحن إذن أمام قائد شعبي ثائر بجماهيره بين المحيط والخليج . وساحة نضاله هي الأرض العربية كلها تخطىّ الحدود والخرائط المرسومة وعدّل الصورة المقلوبة في الوطن العربي لتكون وحدة أرض الأمة ووحدة شعب الأمة هو الأساس وأن التجزئة طارئة مصطنعة فانحدر الخط البياني للإقليمية والطائفية والعائلية والعنصرية في الوطن العربي وأضحى شيوخ تلك الطوائف ورموز تلك العائلات والأقاليم وأصحاب الدعوات العنصرية العرقية .. باتوا معزولين بعد أن تجاوزتهم الجماهير العربية التي كانوا يتوهمون أنها جماهير طوائفهم أو أقاليمهم أو عائلاتهم فهرولوا بدورهم إلى جمال عبد الناصر علهم يلحقون الركب … كل هذا وأكثر من جهة ومن جهة أخرى فإن جمال عبد الناصر هو حاكم لدولة مصر الإقليمية التي هي جزء من الكل العربي أرضاً وشعباً … ومن الناحية الموضوعية أحس جمال عبد الناصر بالتناقض بين طبيعة وتوجهات أجهزة الدولة الإقليمية وبين طبيعة وتوجهات ومستلزمات النضال القومي العربي التقدمي وقد تصور جمال عبد الناصر أن وجوده في الموقعين ” أي كونه قائد النضال القومي العربي وحاكم دولة مصر في الوقت ذاته ” يحل هذا الإشكال وتصور أنه يستطيع أن يوفر للنضال القومي العربي قاعدة قوية للانطلاق باستخدام أجهزة دولة مصر وإمكانياتها في معارك التحرر العربي وقد فعل ” رحمه الله ” كل ما يستطيع لتطويع أجهزة تلك الدولة الإقليمية لخدمة الأهداف القومية … لكن أجهزة الدولة الإقليمية ليست مؤهلة موضوعيا للعب هذا الدور بل لا يمكن إلا أن تكون معادية له …

فالدولة الإقليمية بكل أجهزتها وقواها هي النقيض على طول الخط لأي نضال قومي وهي أجهزة شديدة التعقيد صممت ودججت بالسلاح لإجهاض أي عمل قومي ثوري جذري لأن نجاحه يعني زوالها وأن تلك الأجهزة لا يمكن إلا أن تؤدي هذا الدور المخرب حتى ولو اعتلى ناصيتها قائد قومي فذ كجمال عبد الناصر فهي تنصاع له في أوقات قوته وانتصاره وتحاول تطويعه واحتوائه وإذا لم تنجح تنقلب عليه تلك الأجهزة في أقرب فرصة ممكنة .. وهذا بالضبط ما حصل بين جمال عبد الناصر وأجهزة دولة مصر … تلك الأجهزة التي انقلبت على جمال عبد الناصر وانقادت لنقيضه في ضرب كل الإنجازات القومية التي حققها بل وحتى  في ضرب الانجازات المحلية المصرية على صعيد التنمية والاستقلال الاقتصادي المصري وهذا ما يؤكد حتمية العلاقة بين التنمية والاستقلال في أي قطر عربي من جهة وبين النضال القومي العربي  ،التوحيدي من جهة أخرى وبالمقابل حتمية العلاقة بين التخلف والتبعية في أي قطر من جهة وبين واقع التجزئة وأجهزة التجزئة الإقليمية من جهة أخرى .

ونحن سنضع فرضية أخرى وسنحاول أن نثبتها على طول الخط أيضاً تقول : أن كل الأخطاء والانحرافات والمآسي والانتكاسات التي نسبت إلى جمال عبد الناصر هي في حقيقة الأمر أخطاء وانحرافات ومآسي وانتكاسات الأسلوب الإقليمي وإنها تنسب في حقيقة الأمر لأجهزة الدولة الإقليمية لا إلى القائد القومي ونهجه التوحيدي .

وهذا يعني أن جمال عبد الناصر – القائد القومي العربي التقدمي وأهدافه الإستراتيجية التي أعلنها وسعى لتحقيقها والتي بات بتبنيه لها قائداً جماهيرياً للأمة العربية … هذه الأهداف الإستراتيجية هي المعنية بالانتماء إليها والدفاع عنها والبحث والسعي والعمل والممارسة المستمرة لتحقيقها وإن على الكوادر الثورية العربية عبء النضال والتضحية لبناء الأداة القومية الثورية القادرة وحدها على تحقيق تلك الأهداف … المهم أننا نريد القول بأكبر قدر من الحسم أننا معنيين بخط عبد الناصر الاستراتيجي الذي التفت حوله الجماهير الشعبية العربية فهذا هو الجوهر … أما الأسلوب الإقليمي وموقع الضرورة الذي ترتب على كون عبد الناصر حاكماً لدولة مصر الإقليمية وما رافق ذلك من إحباطات وقرارات تكتيكية محكومة بعجز الدولة الإقليمية من أول القبول بالوجود الدولي في “مضائق تيران” عام 1956  ،إلى قبول “مبادرة روجرز” وما رافق ذلك من إحباطات ونتائج سلبية فهذا كله منسوب إلى الأجهزة الإقليمية وطبيعة الدول الإقليمية بينما ،عرب الأرض والتاريخ وعبد الناصر ليسوا معنيين لا بتبنيه ولا بالدفاع عنه بل إن هذا كله يندرج تحت بند العجز الإقليمي والجرائم الإقليمية التي ترتكبها السلطات الإقليمية – أيا كان حاكمها – بحق النضال القومي التقدمي العربي ونحن ندعّي أن التناقض بين أهداف جمال عبد الناصر وخطه الاستراتيجي القومي التقدمي من جهة وبين أجهزة دولة مصر الإقليمية وأجهزة الدول الإقليمية الأخرى في الوطن العربي وصل ذروته عندما لم تتمكن الأجهزة الإقليمية من احتواء جمال عبد الناصر فعاثت فساداً من أول إفساد وتخريب دولة الوحدة – الجمهورية العربية المتحدة – إلى أن خذلته حتى في معركة الدفاع عن الإقليم المصري في الخامس من حزيران ” يونيه ” 1967 .. إلى أن قتلته وعكست الاتجاه تماماً فيما بعد …

 

(8)

 

أردنا مما تقدم أن نحدد علاقة جمال عبد الناصر بالدولة الإقليمية وأن نفرز بأكبر قدر من الوضوح الممكن ما لعبد الناصر كقائد قومي للأمة العربية وما للدولة الإقليمية وأجهزتها من أفعال لنرتب على هذا كله الموقف الذي ندعّي أنه صحيح من السلطة الإقليمية ومن عبد الناصر .

في 28 أيلول ” سبتمبر ” 1970  فقدنا جمال عبد الناصر … وشهد العالم كله الأمة العربية وهي تبكي الرحيل … حتى أعداء جمال عبد الناصر في الوطن العربي انتحبوا حزناً عليه … وهذه إحدى صفات القائد التاريخي … الذين أحبوه – انتحبوا عليه حزنا لأنهم كانوا يعتمدون عليه في تحقيق أهدافهم الكبرى … صحيح أنهم لم يعرفوا كيف يخوضون المعارك معه لكنهم  كانوا بين المحيط والخليج يلقون على كاهله عبء تحقيق أهدافهم …

والذين نصبّوا من أنفسهم أعداء له في الوطن العربي وجدوا أنفسهم وكأنهم في العراء لقد ألقوا على كاهل جمال عبد الناصر كل سلبيات وأسباب الانتكاسات العربية … لكنه في الضمير الشعبي الموروث هو حامل الراية … صحيح أن هؤلاء سيفيقون بعد قليل لاستئناف الهجوم على عبد الناصر بل  وسيحّملونه نتيجة ما يجري من أحداث بعد غيابه لكن اللحظة التاريخية ستكون قد سجلت الحدث وما ترتب عليه .

المهم أنه بعد 28 أيلول ” سبتمبر ” 1970 لم يعد جمال عبد الناصر حاكماً لدولة مصر الإقليمية ؟ وهنا كان لابد من فرز الموظفين الذين خدموا تحت أمرة جمال عبد الناصر في دولة مصر الإقليمية بالإضافة إلى أولئك الذين كانوا يدعوّن قرباً من جمال عبد الناصر في الوطن العربي بحثاً عن ” الوجاهة ” لدى الجماهير العربية .

الآن فرز كل هؤلاء عن الكوادر الثورية التي لم تكن معنية بتحقيق المكاسب عن طريق القرب من عبد الناصر ومن أجهزة الدولة الإقليمية وإنما كانت معنية بالفكر والجهد والحركة بالبحث عن الطرق والأدوات الضرورية لتحقيق الأهداف الإستراتيجية للأمة العربية التي أصبح جمال عبد الناصر بتبنيه لها والنضال من أجل تحقيقها بطل الأمة القومي .

بالمعنى الأول أي كون عبد الناصر حاكماً لدولة مصر الإقليمية وصاحب نفوذ لدى الجماهير العربية التف حوله أشد الانتهازيين نفاقاً في مصر والوطن العربي يكيلون له المدائح ويقيمون التماثيل لشخصه وينصّبون من أنفسهم أولياء ” الناصرية ” دون أن يقدموا أي فعل إيجابي حقيقي لدعم المسيرة النضالية لجمال عبد الناصر وإنما شّكلوا في أغلب الأحيان حواجز تمنع التواصل الثوري بين جمال عبد الناصر وبين جماهير الأمة حتى أنهم تحولوا إلى أجهزة تشكيك بالمناضلين العرب الحقيقيين فالمطلوب بالنسبة إلى تلك الأجهزة والجماعات هو البحث عن المخبرين وليس البحث عن المناضلين … هؤلاء على شتى مشاربهم ومواقعهم في أجهزة الدولة وفي أجهزة الأحزاب والمجموعات التي حملت لوحة ” الناصرية ” في الوطن العربي كانوا عبئاً على عبد الناصر خلال حياته وتحولوا إلى عبء أكبر على مسيرة النضال بعد غيابه … لقد اتجروا به حياً وميتاً …

وإذا كان من الظلم أن نعمم هذا الحكم على الجميع  فإنه من الإنصاف أن نعترف بحسن نوايا البعض … لكن العجز عن الفعل الإيجابي لهذا البعض كان قاتلاً .

لقد ترك جمال عبد الناصر دولة مصر الإقليمية بيد مجموعة أخلصت له علهّا تستطيع المحافظة على ما تحقق على الأقل … ترك بيد تلك المجموعة قيادة الجيش والقوات المسلحة وقيادة المخابرات العامة وقيادة مباحث أمن الدولة ووزارة الداخلية وقيادة الإعلام وقيادة التنظيم الطليعي وقيادة الاتحاد الاشتراكي وقيادة القطاع العام وقيادة مجلس الأمة وقيادة المكاتب الخاصة …

وإذ بهذه المجموعة وبلمح البصر تضيّع كل شيء بمهارة فائقة …

هناك فرق كبير إذن بين الذين يصلحون لتنفيذ القرار الصحيح وبين الذين يملكون مؤهلات اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح …

ونحن لا نقول هذا تهجماً  ،على أحد … بل إننا نجد في مواقف الوفاء عند البعض منهم ما يستحق التقدير والاحترام .. لكن كل هذا شيء وقضية بناء الثورة العربية شيء آخر … ولنؤكد في الوقت ذاته على حقيقة من المفترض أنها أصبحت واضحة للجميع :

إن جمال عبد الناصر كحاكم لدولة مصر وكقائد قومي للأمة العربية حاول أن يسّخر الدولة الإقليمية لخدمة النضال العربي … وبغض النظر عن حجم الإخفاق والنجاح فإن عبد الناصر منذ 28 أيلول ” سبتمبر ” 1970 لم يعد حاكماً لدولة مصر وبالتالي فإن الكوادر الملتزمة بأهداف الأمة العربية التي تبّناها جمال عبد الناصر لم تعد تحكم دولة مصر ولا غير مصر مما يترتب عليه أن ” الناصرية ” لم تعد تعني منذ عام 1970 الالتزام بأسلوب السلطة الذي استخدمه عبد الناصر في معاركه فهم لا يملكون أجهزة الدولة : لا مخابراتها ولا جيشها ولا إتحادها الاشتراكي ولا تنظيمها الطليعي ولا قطاعها العام ولا .. إلى آخره .


يتبع ===>

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع