الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | الطائفيّة الثقافية ,, فن التوحش

الطائفيّة الثقافية ,, فن التوحش

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

أ.د.علي اسعد وطفة المصدر : الصدى نت

 
يعرف كانط الثقافة: ” بأنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقا من طبيعته العقلانية، وبهذا تكون الثقافة في نظر كنت أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه”.
يفترض تاريخيا أن تؤدي الثقافة دورا إنسانيا نهضويا في المجتمع، وينطوي هذا الدور على ترسيخ القيم الإنسانية العليا، وتحقيق أعلى درجة من التماسك والتلاحم الاجتماعي، وهذا يتضمن محاربة العنف والتطرف والعصبية والانتقال بالمجتمع إلى حالة التحضر العليا بما ينطوي عليه هذه التحضر من قيم السلام والتسامح والإيمان بالإنسان والمواطنة رفضا للعنف والدم والتعصب والانقسام. فالثقافة رسالة إنسانية حضارية أخلاقية توظف في حماية المجتمع والجماعات والأفراد وضمان مصالحهم وحماية وجودهم وترسيخ أسمى المعاني والقيم الإنسانية. ومن الطبيعي أن يكون المثقف (الحقيقي) منتجا لمثل هذه الثقافة مدافعا عنها مضحيا بذاته من أجلها ومن أجل القيم الأخلاقية في مجتمعه ومن أجل المجتمع الإنساني بتمامه وكماله. ويقتضي هذا التوجه أن المثقف الذي ينادي بالعنف والانقسام والتعصب يكون خارج الثقافة والقيم الأخلاقية، ويكون فعله فعلا مضادا للحياة والرسالة الأخلاقية الإنسانية للمثقف الحقيقي.
وضمن هذا التصور وعلى أساسه لا يمكن للمثقف الحقيقي أن يكون طائفيا أو مذهبيا، ولا يمكن أن يكون محليا يدافع عن ثلة من البشر أو طائفة من الخلق. فالمثقف الحقيقي كما يراه غرامشي هو المثقف العضوي الذي يتلاحم مع القضايا الكبرى لمجتمعه دون تحيّز أو تمييز أو تعصب. وهذا يعني أن المثقف يفقد هويته الثقافية الحقّة عندما ينحدر إلى مستنقع العنف والتعصب والسقوط في مستنقع الطائفية والمذهبية.
وعلى خلاف هذه الصورة الخلاقة للثقافة ودورها الإنساني والأخلاقي بدأت مثقفونا ورجال الدين فينا يأخذون منحى آخر يتمثل في تكريس ثقافة طائفية حاقدة ماجنة ضد الإنسانية والكرامة الإنسانية.
إن نظرة خاطفة على المشهد الثقافي في العالم العربي تبين بوضوح أن معظم المثقفين العرب قد سقطوا في مستنقع التوحش الطائفي فركبوا أمواجه وتسلقوا جدرانه العالية . فصيل واسع وكبير من رجال الدين والمثقفين والسياسيين قلبوا للثقافة ظهر المجن فبدؤوا بتمجيد الطائفية والمذهبية، وتأجيج الحقد الطائفي نفخا في نار الفتنة وإذكاء للهيبها. أساتذة جامعات معروفون، مفكرون “علمانيون” كبار، رجال دين مشهود لهم، شعراء مبدعون، أدباء مخضرمون، انخرطوا في معركة التعصب المذهبي والطائفي وأصبحوا ممثلين لطوائفهم وأعراقهم وأديانهم، لا بل حتى لانتماءاتهم العشائرية والمناطقية الضيقة. وفي لهيب هذا التوحش الطائفي غاب العقل وغابت العقلانية وبدأ الناس يغرقون في الطوفان. وفوق ذلك كله يضفي هؤلاء المثقفون على تعصبهم الشرعية ويحيطونه بهالة ثقافية وقوة سحرية.
ولرجال الدين في هذا الحمق حظوة وسطوة، فكثير منهم قلب ظهر المجن للدين في أنبل صوره التسامحية، فتحولت خطاباتهم إلى تحريض، ونصائحهم إلى تهديد ووعيد وقولهم إلى بث العداوة والتحشيد.
إنها لكارثة أخلاقية أن يكمن التوحش الثقافي فينا ويتأصل في أعماقنا… ويأخذ صورة شيطنة الآخر، تأثيم الآخر – وترذيله وتكفيره ومن ثم تهشيم قيمته الأخلاقية وتجريده من قيمته الإنسانية – زندقته، تقبيحه، تحميله بكل سلبيات الوجود، تخوينه، ومن ثم تكفيره، والدعة إلى قتله وإبادته.. .. هذا هو نمط العقلية الثقافية السائدة مع الأسف في مجتمعاتنا العربية .
وضمن هذه الصورة المأساوية انقسم المثقفون في سوريا والعراق ولبنان أو تمّ تصنيفهم بالأخرى على لون المذاهب التي ينتسبون لها، فأصبح لكل طائفة مثقفوها وحماتها ودعاتها من أهل الفكر والثقافة. وقد انبرى بعض منهم للدفاع عن مصالح طوائفهم والهجوم على الطوائف الأخرى وفق ميزان القوى والمصالح الطائفية التي تحكم وضعية طوائفهم فيما بعد الثورة.
وقد كشف هذا الزلزال أن هذه الأنظمة العلمانية كانت تعمل على مسارين مختلفين تماما يتمثلان في تناقض الشعارات والنظريات مع الواقع والممارسة. فهذه الأنظمة لطالما كانت ترفع شعارات المواطنة والديمقراطية والعلمنة من جهة بينما كانت تعمل في الظل والعلن على ترسيخ قيم الانتماءات والولاءات التقليدية الطائفية على مدار الساعة وفي مختلف المناسبات.
لقد رفعت الأحزاب السياسية في الدول العربية شعارات المواطنة والتقدم والديمقراطية والعلمانية منذ الاستقلال حتى اليوم ولكن من يتأمل في الممارسة الواقعية لهذه الأحزاب يجد بأن هذه الأحزاب قد تنكرت في جوهر الأمر لشعاراتها فاتخذت هذه الممارسة طابعا طائفيا إقليميا تتكاثف فيه كل عناصر التخلف والانحطاط. وقد بينت الدراسات الجارية في هذا المجال أن بعض الأحزاب الحاكمة كانت تعتمد ممارسة طائفية عنصرية في داخلها كأن أن يكون توزيع المناصب في داخل هذه الأحزاب قائما على المحاصصة الطائفية والمذهبية والإقليمية والمناطقية بصورة مبتذلة ورخيصة. ويترتب على ذلك وبصورة طبيعية أن يتمّ توزيع المناصب في الدولة وفقا لهذه المحاصصة البغيضة.
وفي المستوى الثقافي استطاعت هذه الأحزاب الحاكمة أن تؤدي إلى تدمير ثقافة المواطنة فاستهدفت بصورة مقصودة أو غير مقصودة كل القيم الديمقراطية والثورية والأخلاقية والنقدية. وشملت هذه الحملة تدمير الجامعات والمؤسسات الثقافية وتفريغ المضامين الحقيقة للثقافة من جميع مفردات العدالة والحق والقيم والواجب والمواطنة.
وضمن هذه الرؤية يمكننا القول بأن الأنظمة الحاكمة استطاعت أن تحقق ثورة ثقافية شاملة سوداء استلابية ضد كل قيم المواطنة والحق والخير والجمال من أجل قيم الواسطة والمحسوبية والطائفية والمذهبية والولاءات الضيقة والخضوع والتسلط وعبادة الفرد، وبموجب هذه المنهجية تم الإجهاز فعليا على مختلف المظاهر الثقافية الحقيقية التي ترتكز على قيم المواطنة والديمقراطية والقيم الإنسانية,
ومع بداية ما يسمى بالربيع العربي برزت الثقافة الطائفية في السر والعلن وبدأت تسجل حضورها الكاسح في صفوف المفكرين والمثقفين والنخب الثقافية في مختلف المسارات والفعاليات الفكرية والثقافية.
فالأحداث السياسية في سوريا ولبنان والعراق لم تكن يوما ما طائفية أو مذهبية في جوهرها ولكن الطائفية والمذهبية وظفت لتأجيج الصراع والقتال والتقسيم في المنطقة، وقد لعب التحريض الطائفي والمذهبي دورا كبيرا في إخفاق الثورة وفي تأجيجها في الوقت نفسه، ومن ثم اصبحت الطائفية ذريعة سياسية لوصول قوى جديدة إلى الساحة السياسية ومن أجل تدمير المنطقة وتقسيم البلاد على أسس عرقية وطائفية.
والحال ذاتها في العراق فعندما قامت القاعدة بالاستيلاء على قسم كبير من العراق في حزيران 2014 سرعان ما ارتدت هذه الوضعية حلتها المذهبية ليأخذ الصراع طابعا طائفيا يبرر تقسيم العراق وشطره إلى أقانيم عرقية وطائفية وقومية.
فالأحداث السياسية في سوريا ولبنان والعراق لم تكن يوما ما طائفية أو مذهبية في جوهرها ولكن الطائفية والمذهبية وظفت سياسيا لتأجيج الصراع والقتال والتقسيم في المنطقة، وقد لعب التحريض الطائفي والمذهبي دورا كبيرا في إخفاق الثورة وفي تأجيجها في الوقت نفسه، ومن ثم اصبحت الطائفية ذريعة سياسية لوصول قوى جديدة إلى الساحة السياسية ومن أجل تدمير المنطقة وتقسيم البلاد على أسس عرقية وطائفية.
والسؤال المحوري الذي تطرحه هذه المقالة هو: أين هو المثقف الحقيقي العضوي النقدي من هذه الانفجارات الطائفية في المنطقة؟ والجواب مأساوي فالمثقفون الحقيقيون قلة وندرة في مجتمعاتنا. وذلك لأن المثقف الحقيقي يجب عليه أن يستوفي ثلاثة شروط أساسية:
أولا: أن يكون في جوهر الأمر قادرا على الخروج من الدوائر الضيقة التي ينتمي إليها وأن يرفض انتماءاته الصغرى، وأن يعلن انتماءه الوطني في دائرة ما هو إنساني وكوني.
ثانيا: أن يمتلك ثقافة حقيقة ولا سيما أدوات التحليل الثقافي والفكري أي أن يكون قادرا على قراءة الواقع قراءة موضوعية خارج دائرة الأوهام الطائفية والمذهبية والتعصبية. فالثقافة لا تكون مجرد انطباعات وأهواء وحدوس عامة بل هي منهجية تاريخية وطرائق متقدمة في التحليل والكشف والتأمل الموضوعي والنظر. وهذا يعني أن الثقافة الحقيقة يجب أن تكون ثقافة علمية قائمة على معطيات الفكر السوسيولوجي المتقدم. فالمثقف الحقيقي هو الذي يستطيع أن يخضع الظواهر التي يتأملها إلى معطيات علم الاجتماع وأن يتأمل فيها وفي قوانين حركتها وتطورها وفق معايير موضوعية بعيدا عن الرؤى الذاتية والتحيزات القيمية والتعصبية التي يحملها في ذاته.
ثالثا – على المثقف الحقيقي أن يمتلك وعيا ثقافيا نقديا متقدما وهذا يتطلب منه أن يعي جيدا العوامل الموضوعية والتاريخية لتطور المجتمع والظواهر الاجتماعية، كما عليه أن يدرك قوانين التطور ومعادلات الحركة الإنسانية، وأن يكون قادرا في الوقت نفسه على تحليل المجتمع وظواهره بطريقة لا تتأثر بأي انتماء مذهبي وطائفي وإقليمي وعرقي. فالمثقف الحقيقي يجب أن يكون خارج الانتماءات والمذاهب وبعيدا عن التعصب والتمذهب كي يستطيع أن يكون مثقفا حقيقيا فاعلا ونشطا في التاريخ والمجتمع الذي يعيش فيه.
هذا المثقف النقدي الذي يمتلك شروط وجوده وشروط التحليل المنهجي للواقع هذا المثقف الذي يستطيع ينتزع نفسه من عمق الانتماءات الضيقة الخانقة ما زال غائبا إلى حدّ كبير في مجتمعاتنا العربية. كم نحن اليوم بحاجة إلى النمط المميز والحقيقي للمثقف الذي ينتصر للحق ويبحث عن الحقيقة وينتمي إنسانيا لا طائفيا أو عرقيا أو قبليا. ولا نستطيع أن ننكر وجود نخبة من هؤلاء المثقفين الحقيقيين النقديين. ولكنهم بمعيار النسب الضخمة للمثقفين الطائفيين والعصبويين ما زالوا قلة قليلة جدا وهم على قلتهم يتعرضون لكل أشكال التضييق والحصار والاختناق. ولا غرابة في ذلك إذ يوجد اليوم أكثر من 1300 فضائية عربية، وحوالي 170 قناة رياضية، و150 قناة دراما، و120 قناة غنائية، واكثر من 100 قناة دينية، و100 اخبارية…ولا وجود لقناة عربية واحدة يهمها بث الثقافة النقدية الإنسانية المضادة لكل أشكال التطرف والتعصب الديني والطائفي. وكما يقول الكواكبي:” إذا كان كبار الأمة قد ألفو النفاق والرياء مرضاة للمستبد، فعامة الناس سيألفونها أيضا حتى يضطر أكثر الناس إلى إباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل وإهانة النفس وحتى يصبح من القيم المعترف بها: اعتبار التصاغر أدبا، والتذلل لطفا، والتملق فصاحة، وترك الحقوق سماحة، وقبول حرية القول وقاحة، وحرية الفكر كفرا “. والطائفية مجدا والعنصرية مذهبا.
 

ملاحظة:  المقال ملك الكاتب ويعبر عن رأيه, وليس بالضرورة أن يعبر عن رأي الموقع أو الحزب 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع