الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | نخب ، مجتمعات .. أين الخلل ؟

نخب ، مجتمعات .. أين الخلل ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
نخب ، مجتمعات .. أين الخلل ؟

سامي بن بلعيد

 

الفاعل السياسي الفاسد يعتبر مُنتَج للظاهرة الاجتماعية .. فعند التفكير في تفكيك الفاعل السياسي لا بد من ان يسبقه تفكير في تفكيك الظاهرة الاجتماعية لانها ستكرر انتاج نفس النسخ السياسية الفاسدة ...

 

دعونا نضع هذا الطرح الذي عرج عليه الكثير من مفكري وفلاسفة العالم على واقع البلاد العربية ومحاولات نهوضها عبر ثورات تحرير وتغيير عديدة لم يكتب لها النجاح ودائمًا ما يتمكن منها فاسدي الداخل والى جانبهم القوى التوسعية التي يعملون لصالحها في الغالب ..

 

تعود جذور الأسباب الى طبيعة تركيب الثقافة المجتمعية التي لم يلمسها التغيير ، ثقافة لا زالت تعيش تحت مثالب الجهل والتعصب ، ثقافة تحاول اللحاق بالحركة الحضارية العصرية عن طريق اجترار  الموروث بكل حمولاته الطائفية والقبلية والعشائرية والشللية على مختلف أصنافها ..

 

فما ان تُطرح الافكار الديمقراطية او المنهجية كمشروع بديل تحمله النخب المثقفة الا وتبخّرت في الفضاء المجتمعي الذي تتحكم فيه العواطف والانفعالات فتندفع الأحداث  نحو الاختلاف العنف والدم والدمار الذي يولد المزيد من الازمات

 

ابن خلدون أشار الى ظاهرة خطيرة تأصلت في الثقافة العربية منذ نهاية زمن القوة للحضارة الاسلامية وبداية زمن التراجع - نهاية القرن السابع  وبداية القرن الثامن الهجري - حيث أصيبت الثقافة العربية الاسلامية في كينونتها وتم التحوُّل من ظاهرة التفكير العقلي  التحليلي نوعا ما الى ظاهرة التعاطي العاطفي الانفعالي مع الاشياء ، ذلك الامر الجلل دفع العقل بشكل تدريجي الى الجمود حتى اصبح مغيبا عن الساحة الثقافية ، ومع ظهور ذلك التحوُّل وجدت الأوبئة المجتمعية ملاذها في تعزيز وجودها واصبحت النزعات الفردية والطائفية والشللية هي السائدة بكل قوة

 

هذا يعني ان ثورات الشعوب وانتفاضتها تختنق لانها تعيش في احضان ثقافة مجتمعية اكل عليها الدهر وشرب ، ثقافة تحاول تغيير الحياة بنفس وسائل التمزيق والازمات التي جعلتها تعيش واقع التمزيق والازمات  ، وجعلت المثقف الانسان يعيش منزويا يندب حظه التعيس وضياع جهوده في مجتمع تفصل بينه وبين المعلومة الواقعية جدرانٌ حديدية شيدتها مؤسسات الخرافة والتجهيل المقدس والمُسيَّس وما نتج عنها من تشكيلات مجتمعية عتيقة ...

 

في هذه الحالة يصبح دور النخب المثقفة بالذات تلك التي تتمتع بالصفاء الأيديولوجي والذهني دورًا باهتًا وعديم التأثير ، نظرا لسيطرة الثقافة المجتمعية الموبوءة بسموم الاختلافات ونظرا للنخب الحاكمة المستبدة ذات التبعية من جانب ، ومن جانب آخر نظرا لتأثير من يمثلون الشراكة مع النخب المثقفة ويشتركون معها بالجوانب النظرية ولكنهم لا يمتلكون النقاء الفكري الانساني ، فيسقطون تحت إغراءات الحاكم ، كما ان البعض فضّل  الابتعاد عن العامة ومارس التفلسف من قمم الأبراج العاجية كإخلاء طرف لا يمت الى الواقعية الانسانية بأي صلة .. ولم يقع الافراد وحدهم في شراك الحاكم بل ان هناك احزاب تخلت عن مسؤوليتها الوطنية والإنسانية ووقفت في ظل السلطات الحاكمة مكتفية بما تجنيه من مصالح لقياداتها وأفرادها ..

 

وبين كل تلك الازمات الداخلية ظهرت طفرات المدافعين عن حقوق الانسان - المرأة ، الطفل والأقليات - الذي استغلها البعض بطرق عبثية - بدراية او بغير دراية    - زادت من إختلاط الأوراق ..

 

وامام المشهد العصيب والمتداخل الذي الذي يخوضه لاعبي الداخل العربي كان هناك فاعلٌ عالمي اسمه الحداثة...   الحداثة كانت فعل ومن يواجهها لم يمتلك غير ردود الفعل ، فالشعوب التي امتلكت الوسائل العقلية والاقتصادية تمكنت من حماية نفسها وسقطت الشعوب التي تقوم ثقافاتها على موروثات الماضي السحيق ...

 

في الحقيقة نحن لم نكتشف صوت الحداثة بالمثاقفة او على طبق من ذهب ، بل ان مدافع نابليون بونابرت هزت مدينة القاهرة  عند قدومها ، والموجات الاستعمارية ذات الأشكال المختلفة - ثقافية ، اقتصادية ، وعسكرية - داهمت بلدان وهزت اركان ثقافاتها واقتصاداتها ... أي ان نزعة الهيمنة التوسعية الغربية الحداثية لم تخدم سلامة العالم ولم تطبق شعارات الحرية والعدالة والمساواة .. بل ان أضرارها اصابت اجيال ودمرت عائلات وكيانات عريقة

 

إذن كيف لنا ان نتجاوز الخط الديني الى الانساني ونرى الجابري وطرابيشي بعين الاخيرة ؟

وكيف لنا ان نقيِّم المروروث والحداثة من منظار يخدم الانسان ؟

 

كيف نؤسس لمفاهيم مجتمع  مدني خالي من عقيدة الهيمنة الداخلية والخارجية ويكون الانسان غايته الاولى ؟

 

بما ان الصراع منذُ الازل يدور حول الحاكمية - سياسة - ويتم استخدام الاديان وكل المفاهيم الفلسفية والفكرية مع وضع كل شيئ على حالة التصادم وسباق الهيمنة فليس هناك من حل غير بناء الأنظمة المدنية التي تصهر كل شيئ في اطار دستور مدني جامع يتمخض من خلالة بناء دولة النظام والقانون والمواطنة ، مع مراعات المقومات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لكل بلد على حدة ...


ملاحظة:  المقال للاطلاع يعبر عن رأي كاتبه, وهو لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو الحزب .


الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع