ما بعد الصفقة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ما بعد الصفقة

عبد الحليم قنديل Kandel2002@hotmail.com

      صائب عريقات كشف المكشوف أصلا ، وأذاع ما تصوره سرا ، قال كبير المفاوضين الفلسطينيين أن عنده ما يؤكده ، وركام من وثائق ومحاضر اجتماعات ، تفيد أن ما يسمى خطة سلام ترامب أو "صفقة القرن" ، ليست من بنات أفكار جاريد كوشنر ولا جيسون جرينبلات ولا الرئيس الأمريكى المتعجرف ، ولا وليدة إعلان 27 يناير 2020 ، بل هى بالنقطة والفاصلة والحرف والخرائط المرفقة ، هى ذاتها التى عرضت على المفاوضين الفلسطينيين يوم 23 سبتمبر 2012 ، من قبل بنيامين نتنياهو الذى كان رئيسا لوزراء كيان الاغتصاب الإسرائيلى وقتها ، بالضبط كما هو اليوم .

  شهادة عريقات قد لا تقدم معنى جديدا ، بقدر ما تؤكد الثابت والمستقر ، الذى خرج للعلن بسفور وتبجح استفزازى مع رئاسة ترامب ، التى يسعى لتجديدها بكسب رضا إسرائيل واللوبى الصهيونى فى أمريكا ، ليواصل ذات التصور الخادم لإسرائيل ، فما بين أمريكا وإسرائيل علاقة اندماج استراتيجى ، ودور واشنطن هو تجنيد قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، لفرض إرادة العدو الإسرائيلى ، والضغط على النظم العربية الخائرة ، التى تضغط بدورها على السلطة الفلسطينية ، بهدف دفعها لتقبل النقاش والتفاوض المذعن للصفقة الأمريكية ذات المنشأ الإسرائيلى .

  وقد لا يكون من جديد فى الرفض الفلسطينى المبدئى لصفقة ترامب الجديدة القديمة ، فقد رفض الفلسطينيون ما هو أقل سوءا وكارثية منها ، ورفض الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات صفقة "كامب ديفيد" الثانية قبل عشرين سنة ، كان رئيس وزراء كيان الا حتلا ل وقتها الجنرال إيهود باراك ، وكان سيد البيت الأبيض بيل كلينتون ، وجرت مفاوضات مطولة وسرية ، رفض عرفات فى نهايتها التوقيع على اتفاق برعاية أمريكية ، وأعلن أنه لن يخون القدس ، ووضع الخطوط الحمر أمام أى مفاوض فلسطينى يلحقه ، فما بالك إذا كانت الصفقة الجديدة ، لا تبيع القدس وحدها لإسرائيل ، بل تبيعها الضفة الغربية إلا من قليل متناثر ، وتبقى للفلسطينيين دويلة ميكروسكوبية كاريكاتورية ، بدت فى خريطة ترامب على صورة ثعبان يتلوى ، برقشوا جلده بخمس عشرة مستوطنة يهودية كبرى ، وأحاطوه من كل الجهات بأراض تهدى لإسرائيل ، بينها منطقة الأغوار ، التى تمثل ثلث مساحة الضفة الغربية ، وفيها أغلب موارد المياه ونصف سلة غذاء الفلسطينيين فى الضفة ، فضلا عن أخذ إسرائيل للقدس بكاملها ، وتصوير أجزاء من "حى شعفاط" و"أبوديس" ، كأنها تصلح كعاصمة مقدسية للدويلة الفلسطينية ، مع أنها خارج القدس المحتلة أصلا ، فى حين تبقى المستوطنات اليهودية مدارة وموصولة بكيان الاحتلال ، وتبقى فتافيت الأرض المعادة للفلسطينيين مفككة ، توصل فراغاتها بجسور وأنفاق ، بينها النفق المقترح إقامته بين غزة وما تبقى من الضفة الغربية ، مع إضافة رشاوى مقترحة ، بينها منطقة زراعية ومنطقة صناعية جنوب رفح الفلسطينية ، ووعود بأموال تصل إلى خمسين مليار دولار ، يدفعها الخليجيون العرب بأمر الأمريكيين ، وعلى سبيل إغراء الفلسطينيين ببيع وطنهم التاريخى فى سوق النخاسة .

  وقد لا يكون من عجب فى مواقف أغلب النظم العربية الحاكمة ، وبياناتها الهزلية التى صدرت تباعا ، وعبرت فيها عن "تقديرها" لمواقف الإدارة الأمريكية ورعايتها للسلام ، ودعت إلى ما أسمته "دراسة" الخطة الأمريكية ، حتى لو انطوت على معنى بيع فلسطين ، ومد حدود كيان الاغتصاب الإسرائيلى  من نهر الأردن إلى شاطئ البحر المتوسط ، فلا محرمات ولا مقدسات عند هؤلاء ، والحرام الوحيد عندهم ، أن يعارضوا واشنطن لا سمح الله ، فكراسى الحكم أهم عندهم من فلسطين ، حتى لو أعادوا طلاء بياناتهم المخزية فى اجتماع الجامعة العربية ، وأعادوا ترديد المعزوفة الفولكلورية المعتادة ، عن مبادرة السلام العربية ، وعن ما يسمونه بمقررات الشرعية الدولية ، ونصح الفلسطينيين بالتفاوض والتواصل مع الإدارة الأمريكية ، مع تركهم فريسة لتوحش الاحتلال الإسرائيلى ، فالأهم عند هؤلاء الحكام ، هو التفرغ لتمتين الصلات وتوثيق علاقات التحالف مع إسرائيل ، وكسب رضا واشنطن عبر كسب قلب وعطف إسرائيل ، وإلى حد حضور بعضهم لحفل إعلان صفقة بيع فلسطين فى البيت الأبيض ، فهم جماعة إسرائيل بلا حرج ، ولا مانع عندهم من بيع الأوطان وبيع فلسطين وبيع الأقصى وبيع القدس ، بل والتكفل بدفع الثمن نقدا بالوكالة عن أمريكا وإسرائيل .

  ومعنى ما تقدم ببساطة ، أن الكرة عادت إلى ملعب الشعب الفلسطينى ، وكما كانت عليه الأمور عبر سنوات بعيدة خلت ، وقد رفض الفلسطينيون صفقة البيع ، ويواصلون الرفض عبر بيانات وتصريحات ومسيرات غضب ، وهذا حقهم الذى لا يمارى فيه ، فالدم لا يصير ماء ، والأرض الفلسطينية كلها مجبولة بدم شهداء الشعب الفلسطينى ، والمفاوضات لم تصل بهم إلى شئ من كسب حقوقهم غير القابلة للتصرف ، وأرض فلسطين كلها من النهر إلى البحر ، لا يصح التفريط بذرة تراب منها ، ولم يجلب التنازل سوى المزيد من التنازل ، وكارثة اتفاق أوسلو 1993 ، لا تزال ترخى ظلالها السوداء ، واستمرار انقسام 2007 يشل الحركة الفلسطينية ، ولا حل متاحا للفلسطينيين ، سوى أن يخلعوا أشواكهم بأيديهم المدماة ، خاصة مع تخلى النظم العربية عن رعاية قضيتهم ، وخذلان ما يسمونه بالمجتمع الدولى ، حتى لو جرى استنكار ومؤاخذة  التصرفات والصفقات الأمريكية الإسرائيلية ، وهذه كلها من فوائض العبث ، فالتركيز على ما يسمى "العمل الدبلوماسى" الفلسطينى ، والشكوى للمنظمات الدولية والإقليمية ، والاعتصام بأذيال قرارات الشرعية الدولية إياها ، كل ذلك بلا جدوى عملية ، والقصة الجارية اليوم هى فرض نهائى للأمر الواقع ، ولا يفل الحديد إلا الحديد ، وما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها ، و"صفقة القرن" لن تنتهى لمجرد الإعلان فلسطينيا عن رفضها ، فالأهم أن تجرى ترجمة الرفض إلى سلوك جديد مؤثر ، وألا ينتهى الغضب إلى محض بيانات عاطفية ، ولا إلى مجرد قصائد شجن تتغنى بعذاب الشعب الفلسطينى ، ولا إلى مجرد لقاء عابر فى غزة بين حركتى "حماس" و"فتح" ، وأقل الواجب أن تطوى صفحة الهوان كلها ، وأن ينتهى الانقسام بين غزة ورام الله فورا ، ومن دون الحاجة إلى اجتماعات مصالحة إضافية، عقدت منها مئات الاجتماعات من قبل ، ومن دون التوصل إلى خطة عمل جديدة ، تليق بتحدى النوازل الجسام التى لحقت بالوضع الفلسطينى ، فأنهكته ومزقته ، وقدمت خدمة فلسطينية مجانية لكيان الاحتلال الإسرائيلى .

 

  وليس عند الفلسطينيين من بديل فيما نتصور ، سوى أن يحطموا قيودا وضعوها على أيديهم ، جعلت من قضية الشعب الفلسطينى آخر اهتمامات الفصائل المتصدرة للمشهد ، وقد لا يفيد المزيد من البكاء على اللبن المسكوب ، والأهم هو وقف الخطايا ، فلا يليق بأحد أن يدعى الانتساب لقضية التحرير الوطنى الفلسطينى ، ثم يستمر فى الوقت نفسه بالتنسيق الأمنى مع سلطات الاحتلال الإسرئيلى ، وهنا نتمنى أن تكون قطيعة الرئيس عباس الخطية الأخيرة لنتنياهو نهاية لعار التنسيق مع العدو، ولا يليق بأحد أن يدعى مقاومة المخططات الأمريكية الإسرائيلية ، ثم يستمسك بامتيازات سلطة "أوسلو" الوهمية ، ولا يليق بأحد أن يعلن رفض الوساطة الأمريكية ، ثم يسعى من وراء ستار إلى التفاوض مع كيان الاحتلال مجددا ، وقد قرر المجلسان "المركزى" و"الوطنى" الفلسطينى مرات ، وقف العمل باتفاقات أوسلو ولواحقها بالجملة ، وشطب الاعتراف بإسرائيل ، ولم ينفذ القرار كاملا إلى اليوم ، وهنا جوهر الخلل الذى يصح الانتباه إليه قبل أن يضيع الشعب الفلسطينى فى ربع قرن آخر من التيه ، والمطلوب فيما نتصور ، حل السلطة البائسة أولا ، وإطلاق طاقات الشعب الفلسطينى فى ممارسة حق المقاومة بكافة أساليبها ، ورد الاعتبار لقضيته الأصلية كقضية تحرير وطنى ، ورد الاعتبار لمنظمة التحريركسلطة وحيدة ووعاء كفاحى وطنى جامع ، تنضم إليه حركتا "حماس" و "الجهاد الإسلامى" فورا ، وبغير مماحكات لا معنى لها ، من نوع نسب التمثيل والواجهات الرئاسية الفارغة ، وتوحيد كل كيانات الكفاح المسلح ، وقيادة المقاومة الشعبية والجماهيرية السلمية ، والعودة إلى خط المقاومة الشاملة كخيار وحيد فى المدى المنظور ، فلا قيمة ولا جدوى لمفاوضات تجرى فى فراغ ، وتعديل توازن القوى هو الذى يحفظ الحقوق ، ويصوغ الحقائق الحية ، وبغير خضوع لنصائح نظم عربية سامة ، تستعبد شعوبها ، وتخون فلسطين فى الوقت نفسه ، ولا فرصة لشل خيانة هذه النظم ، سوى بتفجير وإطلاق شعلة الكفاح الفلسطينى من جديد ، فالحق بغير القوة ضائع بالتأكيد ، والرد على صفقة الهوان لا يكون بغير صفقة المقاومة ، والعودة إلى تركيز الجهد الفلسطينى على فعل الانتفاض من أجل الحرية ، وهو ما يستطيعه الشعب الفلسطينى ، الذى لا تنبنى وحدته الوطنية على غير الأساس المقاوم ، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون .

 

ملاحظة:  المقال للاطلاع يعبر عن رأي كاتبه, وهو لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع أو الحزب .

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع