الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | رسائل الانفجار العراقي

رسائل الانفجار العراقي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
رسائل الانفجار العراقي

2019/11/30 عبدالله السناوي

 

إسناد الاحتجاجات العراقية، وما يتعرض له متظاهروها من تقتيل ومجازر، إلى طرف ثالث مجهول هروب من مواجهة الحقائق إلى الادعاءات.

لكل حدث احتجاجي بمثل هذا الحجم أسبابه وسياقاته وخلفياته، فلا شيء ينشأ من فراغ. باليقين هناك تدخل إقليمي ودولي في إدارة الأزمة العراقية المتفاقمة، بالضغوط السياسية أو بالتحريض على العنف المفرط.

هذا النوع من التدخلات لا يرادف أحاديث المؤامرات المعتادة بقدر ما يعكس مصالح أطراف تخشى خسارة نفوذها.

المؤامرات إحدى وسائل السياسة الخارجية للدول في التدخل بشؤون دول أخرى، أو توظيف ما يحدث فيها لمقتضى مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

اتساع الاحتجاجات العراقية تعبير عن ضيق عام بالسياسات المتبعة ومدى الفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين وحجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

الأنين الجماعي من تفاقم الأحوال المعيشية، الذي شمل الطوائف جميعها ولفت الانتباه العام إلى ما يجمعها في طلب دولة المواطنة، شهادة إفلاس مستحقة لنظام لا يستحق البقاء.

إذا ما اتسعت الاحتجاجات في أي بلد فإن هذا يؤشر إلى أزمة شرعية مستحكمة، وإذا ما جرت مجازر بحق متظاهرين سلميين فإن سقوط نظامها مسألة وقت.

تعود جذور الأزمة العراقية إلى ما حدث بعد احتلال بغداد عام (2003)، فككت دولتها بالكامل، حل جيشها وأجهزتها الأمنية، وأرسيت قواعد المحاصصة الطائفية في البلاد على يد السفير الأمريكي «بول بريمر» الحاكم الفعلي إثر الاحتلال.

كان ذلك تأسيساً ل«عراق ضعيف» منقسم على نفسه توحشت فيه الصراعات المذهبية والعرقية، واستأثرت بمقاديره السياسية والاقتصادية والاستراتيجية نخب حاكمة أقل ما توصف به أنها فاسدة وقرارها خارج حدودها.

كما وجدت في بيئته المحتقنة جماعات العنف والإرهاب حاضنتها.

الانفجار العراقي يلخص حجم الغضب المتراكم على مدى ستة عشر عاماً منذ احتلال بغداد.

بمعنى آخر فإن نظام «بول بريمر» يوشك على الرحيل. مخاض الميلاد الجديد سوف يكون عسيراً وتكاليفه الإنسانية باهظة بقدر حجم المصالح التي ترسخت على الأرض وحجم التدخلات الإقليمية والدولية التي تحكم معادلات الحكم الحالي.

كانت «إسرائيل» المستفيد الأول من التحطيم المنهجي للعراق ومقدراته، حرضت على غزوه متحالفة مع اليمين الأمريكي المحافظ، أو ما كان يطلق عليهم «أمراء الظلام»، بادعاء ثبت كذبه أنه يمتلك أسلحة دمار شامل.

كانت هناك خشية «إسرائيلية» معلنة من أن يتمكن العراق بمعدلات نموه المرتفعة وحجم التطور في بنيته العلمية أن يخرج من دائرة العالم الثالث ويمثل تهديداً وجودياً لها.

الانفجار العراقي رد فعل تاريخي متأخر لكنه طبيعي على تلك اللعبة التي أنهكته وأضعفته وأفقرته وأسلمت مقاديره لغير شعبه.

في الحراكين العراقي واللبناني ارتفعت نداءات دولة المواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين في تقلد الوظائف بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية.

كانت تلك رسالة بالغة الإيجابية إلى المستقبل أن تقسيم العالم العربي لن يمر بالسهولة التي تصوروها عند احتلال بغداد. في أعقاب سقوط عاصمة الرشيد تقدمت قوتان إقليميتان كبيرتان لملء الفراغ المترتب على ذلك السقوط، فالتاريخ لا يعرف الفراغ الاستراتيجي.

تقدمت تركيا بقوة نموذجها الصاعد في ذلك الوقت لكي تمسك بمقاليد القيادة الإقليمية، اقتصادها كان قوياً ومعدلات النمو مرتفعة، والنموذج يسوق نفسه باعتباره مزيجاً بين العلمانية والإسلام، حتى إنه تردد في مراكز الأبحاث التركية أن القرن الحادي والعشرين سوف يكون تركياً.

النموذج انكسر بأوهام «العثمانية الجديدة» والتورط في الأزمة السورية بدعم وتمويل جماعات إرهابية بينها جبهة «النصرة» وملفات عربية أخرى مثل ليبيا، وتدهور قيمة الليرة التركية والتقلص الفادح في الحريات العامة وتحول تركيا إلى دولة الرجل الواحد.

هكذا انتقلت من «صفر مشاكل»، بحسب تعبير وزير خارجيتها الأسبق «أحمد داود أوغلو» إلى «كل المشاكل» مع أغلب دول الإقليم.

كما تقدمت إيران بنفوذ مشروعها الإقليمي وخطابها ضد التوسعين الأمريكي و«الإسرائيلي» لتملأ الفراغ الاستراتيجي في لحظة بدا العالم العربي فيها مترنحاً بأعقاب اتفاقيتي «كامب ديفيد» وخروج مصر من الصراع العربي «الإسرائيلي».

اكتسبت أرضاً سياسية لم تكن لها من قبل، تمركزت في مركز قوة نسبي بأزمات عديدة خاصة الأزمة السورية.

تلخصت مشكلتها في صعوبة هضم ما تمكنت من التمدد فيه، وبدت أوضاعها الداخلية تحت الضغوط الأمريكية الاقتصادية منكشفة وطالتها احتجاجات اجتماعية هزتها بعمق.

لم تكن تلك محض مؤامرة، كما قالت القيادات الإيرانية، رغم التحريض الأمريكي المعلن والمتواصل.

من مصلحة إيران سد الفجوات مع العالم العربي وإيجاد حلول سياسية للأزمات التي استنزفت الطرفين.

 

ملاحظة : إن المقال المنشور لا يعبر بالضرورة عن رأي الصفحة أو رأي الحزب إنما يعبر عن رأي كاتبه .

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0