الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | رمانة الميزان وصمام الأمان

رمانة الميزان وصمام الأمان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
رمانة الميزان وصمام الأمان

2019/9/30 سامي شرف

 

ترددت كثيرا قبل البدء فى كتابة هذا المقال؛ فالحديث عن تداعيات مشروع الإصلاح الاقتصادى على البنية الطبقية للمجتمع المصرى- وتحديدا الطبقة الوسطى- وتأثيرات ذلك سياسيًا وأمنيًا- تناوله متخصصون كثُر وغيرهم بالبحث، ولكن ما يحدث فى مصر، منذ خمس سنوات وأكثر- بقدر ما يجعلنى أشعر بالفخر والتفاؤل- أجد به أمورًا تثير حفيظتى وشعورى بالقلق؛ ذلك الشعور الذى رسخته التطورات الراهنة على الساحة السياسية الداخلية!

بداية، وحتى أكون منصفًا، لا بد من الاعتراف بأن ما حدث فى مصر خلال السنوات الخمس الماضية من الحفاظ على بقاء الدولة المصرية، واسترداد استقلال قرارها، وتعظيم قوة الجيش المصرى، ليصبح أكبر قوة عسكرية فى المنطقة، واسترداد هيبة الدولة والقانون، وإصلاح اقتصادى هيكلى حقيقى، وما حدث على صعيد التصدى لوباء فيروس (C) – إنجاز كبير بكل المقاييس السياسية والاقتصادية.

ورغم هذا، كنت أتمنى أن أضيف مقياسا آخر، وهو المقياس الاجتماعى؛ ذلك المقياس الذى يقيس مدى رضاء المواطن العادى عن تلك الإنجازات، وما يؤسف له ويقلق فى ذات الوقت هو أن مؤشر المقياس الاجتماعى يشير إلى بطء شديد فى التقدم على مستوى الإنجاز الاجتماعى يفقد الإنجازات الأخرى كثيرا من تأثيرها الإيجابى على المواطن.

وأكثر ما يقلقنى فى هذا الإطار أنه بعد مرور ما يقرب من ثمانى سنوات على ثورة 25 يناير 2011، وست سنوات على ثورة 30 يونيو 2013 لا تزال الهوة الطبقية فى مصر بين الفقراء والأثرياء تواصل اتساعها الذى بدأته منذ أن دشن السادات سياسة الانفتاح- الخراب- الاقتصادى، ولعلى لا أكون مخطئا حين أقول إن هذه الفجوة تزايدت بشدة خلال السنوات الخمس الأخيرة، على خلفية برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى تطبقه الدولة.

ربما أتفهم، كرجل دولة، لجوء القيادة السياسية لمثل هذه الإجراءات الإصلاحية الاقتصادية فى ذلك التوقيت، وبهذه الوتيرة المتسارعة، وبهذه القسوة؛ فوضع مصر السياسى والاقتصادى كان بالغ السوء، والضغوط والتحديات الداخلية والخارجية كانت شديدة الخطر على بقاء الدولة ذاته وما زالت، وكان- وما زال- الخيار إما أن يتحمل عبء الحفاظ على هذه الدولة أبناؤها أو تسقط الدولة- لا قدر الله- وتعم الفوضى، ويتحول أبناؤها إلى لاجئين، كما حدث فى بلاد أخرى.

والأكثر من ذلك أن عدد الفقراء تزايد لانحدار بعض أبناء الطبقة الوسطى إلى طبقة الفقراء لما يتعرضون له من ظروف اقتصادية صعبة تحول بينهم وبين استمرارهم فى الطبقة التى كانوا ينتمون إليها، ولم يستطيعوا التكيف مع هذا الوضع، واستمروا فى الانحدار إلى أن وصلوا إلى طبقة الفقر المدقع. نعم هذا صحيح، ولا ينكره أى منصف.

ولكن السؤل: هل كان ذلك ضروريًا؟!

 

والسؤال الآخر: هل استمرار ذلك إلى الآن منطقى أو صحى؟!

 

فى إجابتى عن السؤال الأول نعم كان ذلك ضروريا؛ لأن أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة هم ملح هذه الأرض، وهم أصحاب المصلحة الأصيلة فيها، وأى ضرر أو كارثة قد تحدث- لا قدر الله- لهذه الدولة هم أول المتضررين. أما إجابتى عن السؤال الآخر، فهى- قولا واحدا- لا. ليس من المنطقى بعد مرور هذه السنوات، خاصة مع ظهور بوادر انتعاش اقتصادى، ومع حجم الأموال الضخمة التى تضخ فى مشروعات عملاقة ألا يشعر أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة بتحسن فى مستوى معيشتهم، وأن تستمر معاناتهم الاقتصادية، وأن يرتفع مؤشر الفقر بينهم، وهو ما أكدته الإحصائيات الرسمية للدولة مؤخرا.

إن المؤشر الرئيسى والعامل الأهم لنجاح أى إصلاح سياسى أو اقتصادى هو مردوده الاجتماعى، ولا سيما على الطبقة الوسطى فى المجتمع، فبالقطع نمو هذه الطبقة واتساعها، وتقليص الهوة بينها وبين طبقة الأثرياء ضمانة رئيسية ومؤشر دال على نجاح أى مشروع إصلاح؛ فاتساع حجم هذه الطبقة يعنى أن حجم طبقة الفقراء يتراجع، وأن أبناء الأخيرة ارتقوا فى السلم الاجتماعى للطبقة الوسطى، وأن خطط التنمية والإصلاح آتت ثمارها بامتياز.

إن الطبقة الوسطى هى التى تتمتع بالثقافة والعلم والأخلاق الحميدة والتمسك بالدين والقيم، ومن أبنائها يخرج «الأطباء والمحامون والمعلمون والكتاب وموظفو الدولة والمبدعون فى شتى المجالات، وغيرهم ممن تقوم على أكتافهم أى نهضة حقيقية»، كما أن هذه الطبقة تهتم باستقرار المجتمع؛ لأن مصلحتها تقتضى ذلك، وتهفو لتحقيق أمنه واستقراره، وتتمسك بالدستور والقانون، وبمعايير الدولة الحديثة، كالمشاركة والحرية والديمقراطية، وفصل السلطات واستقلال القضاء، والحياة البرلمانية، وتصون الهوية الوطنية، وتمنع الصدام بين الأثرياء والفقراء، وتحمى السلم الاجتماعى. ولذا، فهذه الطبقة هى رمانة الميزان وصمام الأمان فى أى مجتمع، وغيابها أو تقلصها يعنى خطرًا كبيرًا على السلم الاجتماعى والأمن القومى؛ حيث يؤدى ذلك الغياب أو التناقص إلى انتشار ظواهر أخلاقية منحرفة، والتطرف والإرهاب، والانتهازية والفساد، وضعف الانتماء لهذا الوطن، وجعل أبنائه فريسة سهلة لكل من يريد النيل منه. لذا، يجب على من ينفذوا خطط الإصلاح أن يحافظوا- قدر المستطاع- على الطبقة الوسطى، فهى تمثل رمانة الميزان وصمام الأمان لاستقرار الدولة.

 

وأخيرا: إن الضمانة الحقيقية لنجاح أى مشروع نهضة حقيقية فى أى دولة، والمناعة الحقيقية لأى مجتمع، وأى نظام سياسى ضد أى مخططات مضادة تكمن فى الدعم الشعبى، الذى يأتى، من خلال شعور المواطن العادى بأنه شريك حقيقى فى أى إصلاح وأى تنمية، وأن هناك عدالة فى توزيع الأعباء والعوائد.

 

ملاحظة: إن المقال المنشور لا يعبر بالضرورة عن رأي الصفحة أو الحزب إنما يعبر عن رأي كاتبه.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0