الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر

في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

2019/9/29 د. مخلص الصيادي

 

في مساء مثل هذا اليوم 28 سبتمبر / ايلول ؛ قبل ثمانية واربعين عاما كتب على الأمة العربية أن تبدأ صفحة جديدة من حياتها ، فقد فجعت برحيل قائدها ورجلها الذي سلمته زمام القيادة الى مستقبلها الموعود

كل من بلغ اليوم الستين من عمره يذكر بوعي هذا اليوم ، فقد خرجت الأمة جميعها ، في مختلف بلدانها، شيبها وشبابها، أطفالها ونساؤها، فلاحوها وعمالها ، من المغرب العربي وحتى اقصى المشرق العربي، لم يبق أحد لم يخرج، بل استطيع القول إنه حتى أعداء الرجل خرجوا خجلا أو خوفا.

لقد رأيت هذا بأم عيني في مدينة حلب السورية حيث كان النظام يعد لمسيرة ضد جمال عبد الناصر ولم يكن إعلان الوفاة قد صدر، وحين تم الإعلان صدرت التعليمات للبعثيين بالانكفاء ، وصدرت التعليمات لرجال الأمن بأن يسايروا المسيرات التي لم يكن لها مثيلا، خشية انفجار الوضع ، ولمنع أي احتكاك .

المشهد في ذلك اليوم كان مشهد الفجيعة، وكانت مظاهر الفجيعة والخشية والتحسب متبدية على كل الوجوه، وفي كل الأماكن، ومتجسدة في كل الشعارات المرفوعة:

لقد ذهب عبد الناصر، هذا قضاء الله الذي لا راد لقضائه، وكان جانبا من هذا الحزن الطاغي والتفجع تعبيرا عن هذا الفقد ، لكن حانبا آخر منه كان تعبيرا عن التخوف من المستقبل، التخوف على كل ما مثله جمال عبد الناصر وناضل من أجله، داخل مصر، وقوميا ، وعلى المستوى العالمي.

كانت صرخة ناصر الأولى تخص الكرامة كرامة المواطن ، وكانت معركته الاساسية تتجسد في بناء كل ما يحفظ لهذا المواطن كرامته، ويمكنه من العيش كإنسان له حق : التعلم، والأمن، والصحة، والعمل، والأمل، والتقدم، وأن يعيش سيدا في وطنه / إقليمه الذي ينتمي إليه، وفي وطنه العربي كله، وأن يأخذ مكانه الطبيعي على خريطة العالم باعتباره أحد صناع الأمن والسلام والتقدم في هذا العالم.

ومن خلال هذا الالتزام، كان موقفه الحازم إزاء مواجهة الكيان الصهيوني، وإزاء حق المواطن العربي الفلسطيني في وطنه كامل وطنه. وحق الأمة العربية في إقليمها الفلسطيني المقدس، لذلك حين أعلن جمال عبد الناصر موقفه من المقاومة الفلسطينية ، وفي أقسى المراحل كانت هذه النظرة واضحة جلية، وكان تعبير عبد الناصر : “إن المقاومة الفلسطينية وجدت لتبقى، ولسوف تبقى ، حتى تعيد تأسيس وطنها الفلسطيني وحتى يمارس هذا الوطن دوره في النضال الشامل لأمته العربية”.

وقد سبق أن التزم بالموقف نفسه إزاء الجزائر وثورتها، فكان عطاؤه لهذه الثورة عطاء لنفسه وثورته، وأمته، لا عطاء لآخر ما يفرض عليه حسابات الربح والخسارة.

كان العدوان الثلاثي في أحد دوافعه رد على هذا الالتزام الناصري ، ولم يكن لهذا العدوان أن يزيد ناصر إلا تمسكا واصرارا على تحقيق الهدف.

كان دم المواطن العربي مقدس لا يجوز تحت أي اعتبار إهراقه، ومن هذه الرؤية كان تعامله الحذر والدقيق مع جريمة الانفصال التي وقعت قبل تسع سنوات تماما من يوم وفاته، وكان قانونه في ذلك أن من يهرق دم أبناء الوطن يكون قد حكم على نفسه بالسقوط. ويكون قد اسقط عنه كل شرعية سبق أن نالها ، فدم المواطنين مقدس .

كان الناس ينظرون إلى قائدهم إلى جمال عبد الناصر نظرتهم إلى الرجل الصادق النقي النظيف المؤتمن ، ومن أجل ذلك كانت تعتبره فوق الشبهات، وهكذا كان على الحقيقة.

وكانت الجماهير في المعارك التي خاضتها معه تتطلع إلى النصر، لكن لم تكن تروعها الهزيمة، إذا وقعت .

وكانت هذه الجماهير توفر كل إمكانات العمل الصحيح والدقيق، لتجاوزها.

كذلك لم تكن تهزها الأخطاء ، لأنها كانت تدرك أنها بمثل هذه القيادة يمكن لها أن تتجاوز الهزائم وأن تصحح الأخطاء، وأن تتعرف منها دوما على الحقائق دون أي تزويق أو تزوير.

وحينما خرجت تعلن عن فجيعتها بغياب عبد الناصر كانت أيضا تظهر خوفها على كل مامثله عبد الناصر بشخصه وعلى كل ما حققه بثورته.

ويبدو أن هذا القلق والخشية والتحسب الجماهيري، كان استشرافا دقيقا لمسار المستقبل ، فلم يمض ا

إلا القليل حتى طعنت الثورة من داخلها، وتمكن أعداءالخارج من النفاذ إلى هذا الداخل وقلب الطاولة رأسا على عقب داخل مصر وعلى المستويين القومي والدولي

2

تم إجهاض الجيش العظيم الذي أعده عبد الناصر لمعركة إزالة آثار العدوان على طريق التحرير وذلك بجعل حرب أكتوبر مجرد تحريك للوضع وصولا إلى كامب ديفيد، واتفاقيات الصلح مع العدو الصهيوني ، التي أخرجت الإقليم العربي المركزي من دائرته فعطلت قدراته وأصابت دائرته القومية بالعجز. وتم استنساخ كامب ديفيد لتكون نموذجا على أكثر من جبهة، واستمر نهج تفتيت الجسم حتى وصلنا إلى غزو العراق واحتلاله وتدميره، وإلى اجهاض الربيع العربي وتحويله إلى مناسبة لتدمير الحياة العربية في أقاليم الربيع المتعددة من خلال إطلاق وحشية النظم القائمة التي أظهرت دموية في مواجهة الحراك الثوري الشعبي الديموقراطي لا مثيل له في التاريخ، فسبقت بذلك النظم النازية والفاشية ونظم القتل اليسارية التي كشفت التطورات الحديثة عن جرائمها.

لقد وصل الوضع العربي الآن إلى درك لم يكن يتصوره أحد، وأظهر النظام الدولي والإقليمي بكل تكويناته المؤثرة تواطؤا ومشاركة في صنع هذا الوضع ، وبان وكأن الجميع يسارع في استكمال تدمير الحياة العربية، وذلك في محاولة لمنع ولادة فرص قد تتاح لنهوض جديد لهذه الأمة ، نهوض تستدعيه سنن الوجود وحقائقه التي تؤكد أن هذه الأمة لابد أن تعاود النهوض ، ولا بد لها أن تستعيد وحدتها الروحية والفكرية مقدمة لوحدتها السياسية.

ورغم فداحة الوضع الذي وصلت إليه أمتنا ، فإننا سنعاين مستقبلا المزيد من الانحدار، وسيقى الأمر هكذا حتى تتاح الفرصة للنهوض الجديد.

فأين نحن في تلك اللحظة ، ومن تلك الفرصة ؟ .

3

هذا هو السؤال الذي لابد أن نساهم جميعا في الإجابة عليه ، وأن نتشارك جميعا في صوغ أبعاده وبناء احتياجاته.

وحين أقول جميعا فإني أقصد تحديدا جميع أولئك الذين يؤمنون بأن ما وصلنا إليه هو تعبير عن حالة هزيمة لنا ولأمتنا، وانتصار لأعدائنا.

وأن النهضة والانطلاق الواجب علينا يجب أن يستهدف تحديدا استئناف تلك المسيرة التي بدأناها مع عبد الناصر :

– المسيرة التي تستند على قوى العمل الرئيسية في أمتنا وتلتزم قيم العمل والعطاء بكل اشكاله.

– المسيرة التي تلتزم وتؤمن بحرمة الدم الوطني، والأرض الوطنية، وقيم الحضارة العربية الإسلامية التي بنت شخصية الأمة وحفظتها وأعطتها سماتها الراهنة.

– المسيرة التي تؤمن وتلتزم العمل الديموقراطي والتي تعتبره الطريق الأسلم والواجب لاحداث التغيير وللحفاظ عليه.

– المسيرة التي تلتزم تحقيق الاستقلال الحضاري لأمتنا وتمكينها من ممارسة دورها ورسالتها في تقدم الانسانية

– المسيرة التي تمنع أي شكل وكل شكل من اشكال السلطات الاستبدادية ، وأي امكانية لقيام أنظمة الفساد، وأي فرص لولادة الطائفية والعنصرية .

– المسيرة التي يكون القانون العادل هو الفيصل في الحياة العامة، يحمى حقوق الفرد والجماعة من أي تغول عليها ، ويولد ويبني كل الأدوات والأجهزة والمنظمات القادرة على ملاحقة كل شذوذ وفساد وتجاوز للقانون .

– المسيرة التي تلتزم العدل على مختلف المستويات ليكون العدل وقوانينه ومفاهيمه وقيمه هو السيد ، وهو القيمة المعيارية التي يقاس عليها كل ما سواها.

– المسيرة التي تعتبر الحريات بكل اشكالها : الحرية الشخصية ، وحرية التعبير، وحرية التنقل، وحرية العمل، وحرية الحصول على المعلومات وتداولها،

وكل ما يتصل بإطلاق طاقات الانسان، وإبداعه حقوقا مقدسة لا يجوز التطاول أو التعدي عليها .

– وعلى مدى نصف قرن تقريبا رأينا وعايشنا من النظم المستبدة والفاشية والطائفية والقاتلة، ومن التنظيمات الطائفية والارهابية ما لم يخطر على بال، والمسيرة التي تستأهل الاجتماع فيها والعمل والتضحية من خلالها لابد أن تستهدف منع ولادة مثل هذه النظم مرة أخرى تحت أي مسمى ، وخلف أية راية .

 

تسعة واربعون عاما على غياب جمال عبد الناصر ومسيرته،

ونحن وأمتنا في انتظار لحظة البدء لاستعادة تلك المسيرة

فمتى يكون ذلك؟.

 

ملاحظة: إن المقال المنشور لا يعبر بالضرورة عن رأي الصفحة أو رأي الحزب إنما يعبر عن رأي كاتبه.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0