الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | "نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

"نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"نحو عيش مشترك في ظلّ قيم مشتركة"

الأربعاء, 13 مارس 2019 د. ساسين عساف

 

(التحريض السياسي والديني ودوره في تأجيج العنف والتكفير)

ظاهرة العنف السياسي والتكفير الديني ايديولوجيا مسيطرة في معظم الدول العربية، وهي ظاهرة وافدة اليه، وأصيلة فيه، حتى بات صحيحاً القول: انّ الوطن العربي يعيش اليوم في زمن الحاجة الى العنف والتكفير.

جاء من خارج الوطن العربي من، في عصر الانفجار الاعلامي الكبير، يحرّض على العرب والمسلمين لجعلهم في أعين الغرب إرهابيين بالانتماء. هذا التحريض الاستعدائي يغذّيه أمران: الاعلام الصهيوني وأصوليات الغرب. هذه الظاهرة الوافدة الى الوطن العربي تعود الى بدايات تسعينيات القرن الماضي، ففي العام 1990 جاء في خطاب كيسينجر، مهندس السياسة الخارجية للولايات المتّحدة لعقود ما زالت مستمرّة، أمام المؤتمر السنوي لغرفة التجارة الدولية ما يلي: "انّ الجبهة الجديدة التي على الغرب مواجهتها هي العالم العربي الإسلامي باعتبار هذا العالم هو العدو الجديد للغرب.." وفي العام 1992 جاء في كتاب نيكسون الذي هو بعنوان "اقتناص اللحظة" ما يلي: "الإسلام سوف يكون قوّة جغرافية متعصّبة ومتراصّة... والغرب سوف يضطرّ لتشكيل حلف جديد مع موسكو من أجل مواجهة عالم إسلامي معاد وعنيف... والإسلام والغرب على تضادّ: دار الإسلام ودار الحرب..." هذه المقولات الاستعدائية استكملت مسيرتها التحريضية بلسان اليمين الأميركي المتصهين أمثال صمويل هنتنغتون وبرنارد لويس ودانييل بايبس وستيفن أمرسون وريتشارد بيرل...

هذه الحرب على العرب والمسلمين أنتجت نظرياً فقه المقاومة والممانعة وأنتجت عملياً حركات وتنظيمات دينية مسلّحة تقاوم الاحتلال وتضرب مصالح قوى الاستكبار العالمي وتجاهد ضدّ الأنظمة والحكومات والقوى المتعاملة معه.

ما يعنينا هنا هو خطاب التحريض على العنف السياسي والتكفير الديني المقيم في الوطن العربي والأصيل فيه وليس الوافد اليه، أي الخطاب المتبادل بين قواه الدينية والسياسية.

ظاهرة العنف والتكفير في الوطن العربي انتقلت بقوّة منذ أوائل الثمانينيات من حيّز الايديولوجيا الى السوسيولوجيا، من البنية الذهنية الى البنية الاجتماعية، من نمط تفكير الى نمط سلوك، من فكرة الى ثقافة، من خطاب الى ممارسة فأقامت بين الدين والسياسة وحدة عضوية وجعلتهما في مجال جهادي ونضالي واحد وقسّمت حكومات الدول العربية وأنظمتها ومجموعاتها السياسية والدينية والاتنية بين كفّار ومجاهدين وأشعلت حرباً أهلية متعدّدة المجالات والمواقع والأطراف والأساليب.

انّها حرب، كما سائر الحروب، مؤسّسة على التحريض.

بين أبناء الوطن العربي قيم وتعاليم وأحكام وممارسات وثقافات وتراثات مشتركة تشكّل من المضامين الروحية والأخلاقية والقومية والإنسانية ما يكفي لخفض وتيرة هذه الحرب... وبين العرب قوى وجماعات تؤمن بمعنى الشراكة وتعلو به الى مرتبة المقدّس في اللاهوت أو الفقه وتمارسه شراكة سماء على الأرض، أي شراكة حياة.

شراكة الحياة معاً تعني السير في اتجاه خلاصي/ ديني واحد وفي اتّجاه قومي/ سياسي واحد، وكلاهما لا يسقطان الحقّ في التنوّع والاختلاف.

فقه الشراكة والقائمين بها مصدره القيم المشتركة وقوامه التفاهم مع الآخر والسلام معه احتضاناً وتفهّماً وتقديراً. من عناوينه: التواصل، الحوار، الانصاف، الاحترام، التسامح، المحبّة، الرحمة... وهي عناوين تدلّ اليها ديناميكية الانتماء وعمقه الى الدين والى السياسة.

فقه القطيعة والقائمين بها، على اختلاف مصادره وغاياته، قوامه التحريض على الآخر والحرب عليه عنفاً وادانة وتكفيراً.

ما طبيعة هذا التحريض ودوره في تأجيج العنف والتكفير؟

التحريض هو ضرب من ضروب التعبئة العقائدية المضادّة وفنّ من فنون الإرهاب الفكري المنظّم يأتي من خارج الدين ومن سوء فهم أو تحريف أو تأويل متزمّت له وغالباً ما ينجم عن عصبيات ومصالح سياسية أو ايديولوجيات شمولية تمارس القهر والقمع باسم الارادة الالهية (تكليف وواجب، الحكم التيوقراطي، الدين قوّة اكراه) أو باسم المصلحة العامة (مصلحة الدولة العليا، الحكم الديكتاتوري، الدولة قوّة اكراه) وهو وسيلة من وسائل انتاج العنف والتكفير.

يحرّكه فكر اجتماعي/ ديني/ سياسي/ أمني/ ثقافي/ اقتصادي شمولي لا يعترف بوجود قيم أو مصالح أو أهداف مشتركة لإعادة تشكيل الخطاب والموقف والسلوك والنظرة الى الذات والآخر.

ينهض به الاعلام التسويقي/ الترويجي/ الاستقطابي/ الاستميالي/ الاثاري/ الاستفزازي

يشهد الواقع العربي الراهن أنّ وراء التحريض فكرة الثأر(الاجتماع القبلي) وفكرة القصاص (الاجتماع الديني واقامة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر") وفكرة الانقلاب (الاجتماع السياسي الثوري) وفكرة الاجتثاث أو الاستئصال أو جبّ الآخر (الاجتماع السياسي المعولم الرأسمالي المتوحّش أو الافتراسي)

ما يشهده الواقع العربي الراهن في وسائل الاعلام والاتصالات كافة يثبت صحة قول من قال: انّ الأمّة العربية هي أمّة المذياع (التخدير والتنوير والتثوير) وانّ الحضارة العربية هي حضارة اللسان وانّ لسان العربيّ أفصح من عقله وانّ في تراثه ما يكفي للدلالة على أنّ التحريض فنّ ملازم له في فخره ومدحه وهجائه ونقائضه وأدبه السياسي والديني.. وهو فنّ قائم على مخاطبة غرائز الناس واثارة مشاعرهم العصبية والدينية.

من أهدافه: تفرّد مجموعة أو فرد بتسيير الأمور المشتركة وفرض ارادتها/ﻪ على المجتمع أو الأمّة.

من مستهدفي التحريض الديني مثلاً: النظام السياسي الكافر، الدولة الفاسدة المنحرفة عن الشرع، المجتمع الخارج عن أصول الاجتماع الإسلامي وأحكامه.

من مجالاته: القضيّة القومية (العمالة)، القضيّة الدينية (التكفير)، القضية الاصلاحية (التخلّف والاستبداد)

من مفرداته: رجعي/ تقدّمي، محافظ/ ثوري، انعزالي/ وحدوي، قطري/ قومي، صهيوني/ عروبي، عميل/ وطني، مؤمن/ كافر، متديّن/ مارق

من نتائجه: تغذية عوامل التفرقة والفتنة بين أبناء المجتمع الواحد أو الأمّة الواحدة، الغاء نقاط التلاقي أو المساحات القيمية المشتركة، بتر ثقافة الحوار والانفتاح والتعاون والتواصي بالرحمة ومخالفة تعاليم الأديان خصوصاً الدعوة الى المحبّة والى كلمة سواء، مخالفة قواعد الاجتماع السياسي خصوصاً الحقّ في حرية اختيار النظام والحاكم والحقّ في المشاركة والتداول السلمي للسلطة، تشدّد الأنظمة القائمة في الدفاع عن شرعيّتها وتعزيز بنيتها التسلّطية واستنكاف الحكومات القائمة عمّا كانت تدّعيه بشأن الاصلاح خصوصاً الاصلاح السياسي ورفض تداول السلطة وانكار الحقّ في الحريات السياسية والقضاء على تعدّدية الرأي السياسي وافراغ الحياة السياسية من دينامية الحركة والجدل والحوار، تسويغ المشاريع الخاصّة (الأمن الذاتي مثلاً أو السعي الى الانفصال)، تسهيل عبور مؤامرة التفكيك والتجزئة واثارة الأقليات وسائر الهويات المقموعة أو المستهدفة (استهداف الأقليات هو جسر العبور الصهيوني الى ثقافة الأمّة وواقعها)

العنف هو استخدام القوّة المادية والمعنوية لتطويع الآخر وتدجينه واستتباعه وتحويل التنوّع في كلّ مجال الى نمط واحد مفروض على الجميع. وهو ثلاثة أنواع: المادي والرمزي والفكري. ومتى نظّمت أفعاله يصبح إرهاباً، فالإرهاب هو العنف المنظّم.

يشهد الواقع العربي أنّ العنف هو الأسلوب الأكثر رواجاً في مراحل الأزمات والمآزق الحضارية أو الثقافية أو السياسية الكبرى حيث تنهزم المشاريع التاريخية المبنية على قيم الروح والفضائل والحكم والخير والعدالة والتسامح وحقوق الإنسان وقانون العلاقات الطيّبة بين الناس ومكارم الأخلاق.

التكفير هو فعل مناف لحرية الضمير والوجدان والمعتقد، وهو استخدام الدين لمعاقبة أهل التفكير في النصّ الديني وفهمه وممارسة تعليمه بصورة تخالف رأي بعض الحركات الدينية الأصولية أو السلفية المتزمّتة (جماعة الهجرة والتكفير) انّه شكل من أشكال المحاكمة والدعوة الخفية الى القتل بالكلام المفضي الى التصفية الجسدية.

يشهد الواقع العربي أنّ التكفير بات سمة أساسية من سمات الخطاب الديني المتزمّت لدى تلك الحركات التي توسّع انتشارها العقائدي وازدادت امكاناتها المادية وتضاعفت قدرتها على جذب الشباب وتجنيدهم في فرق القتل والتفجير ومدّت نفوذها الى مؤسسات الاعلام والتربية والقضاء.

أهل التكفير لا يحتملون حرية التفكير وتعدّدية مناهجه واجتهاداته، ولا يقوون على مواجهة الفكر بالفكر فيلجأون الى سلاح التكفير الذي هو بيدهم سلاح ديني في صراع فكري.

من أسبابه: "الإسلام السياسي" أو الانحراف بالدين أو الاستخدام النفعي له، تنتجه القراءات المتزمّتة للنصّ الديني والمتشدّدة في تسييس الدين والمستهدف في أيّ حال هو الإسلام التنويري.

من مقولاته: هداية الأمّة مجدّداً الى الإسلام، استتابة الأمّة من الردّة أو معاقبتها عليها، كلّ ما أفهمه أنا عن الدين هو علم الدين وفتواي غير قابلة للنقض أو التغيير، اسقاط حكم الطاغوت واقامة حكم الله، (إن الحكم الاّ لله) اسقاط مبدأ الاحتكام للأمّة، اسقاط ولاية الأمّة على الأمّة واقامة دولة الخلافة أو ولاية الفقيه وتدبير قضايا الناس باسم التلازم العضوي بين الديني والسياسي وجعل هذا التلازم في دائرة المقدّس وما عدا ذلك يستوجب التعيير والادانة والتحريم والتكفير.

من وسائله: بثّ أفكار متزّمتة والدفع الى مواقف متطرّفة والاغواء بتبنّي الأساليب العنفية، والتضييق على الناس وصرفهم الى المظاهر في السلوك والأزياء وفي ممارسة الطقوس والعبادات، والضغط على حرية الرأي والتعبير وتحصين اللاّ مفكّر فيه أو المحرّم على التفكير.

من نتائجه: هيمنة ثقافة تشكّل النقيض لثقافة الدين الحنيف وجوهر تعليمه وروحه السمحة ورسالته الخاتمة والجامعة وتغييب وسطيته وسماحته، تكفير الأمّة والزعم باحتكار الإسلام الصحيح في أطر فئوية، تكفير الأنظمة والحكومات وسائر القوى السياسية وتصفيتها جسدياً ومعنوياً سعياً الى امتلاك السلطة وتثبيت الحقّ الحصري في تسلّمها، الفتنة وتمزيق وحدة الأمّة والمجتمع ونسف قواعد الحكم في الإسلام وأصوله: الشورى والمشاركة والمساواة والعدل والاجماع، اغلاق الباب أمام العقل البشري للاجتهاد والفهم الجديد والقراءات الجديدة استنفار "الهويات المقموعة" (الأقليات) وخنقها ودفعها الى الانغلاق وتهجير نخبها.

 

ملاحظة:ان المقال المنشور لايعبر بالضرورة عن راي الصفحة او الحزب انما يعبر عن راي كاتبه.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0