الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | الحركة القومية العربية والتجدّد الحضاري .. أسباب الفشل وسبل النجاح

الحركة القومية العربية والتجدّد الحضاري .. أسباب الفشل وسبل النجاح

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الحركة القومية العربية والتجدّد الحضاري .. أسباب الفشل وسبل النجاح

الجمعة, 22 فبراير 2019 ساسين عساف

 

أين تكمن نقاط الضعف في الحركة القومية العربية الدالة على فشلها في إحداث التجدد الحضاري؟

بعين الفحص والتشخيص والمعاينة الواقعية يتبيّن أنّ هذه الحركة منذ نشوئها في ثلاثينيات القرن الماضي حتى أواخره لم تتمكّن من بسط هيمنتها الثقافية والفكرية والإيديولوجية على مفاصل الحياة العربية على الرغم من تمكّن بعض أطرافها من إدارة السلطة في بعض الدول العربية. 

منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ثمّة رؤى وتيارات ثقافية وفكرية وإيديولوجية سابقة على الفكر القومي كانت هي المهيمنة على الثقافة العربية بدءً بالفكر الإسلامي والفكر الليبرالي والفكر الماركسي، فضلاً عن الرؤى والتيارات الثقافية القطرية والتجزيئية والالحاقية التي خلّفتها مدارس الاستعمار والانتداب وتلك المتّسمة بالمحلّية أو الاقليمية كالمتوسّطية والفرعونية والسورية، الكنعانية والفينيقية، وتلك العائدة للمجموعات الإتنية الأقلّوية. هذه الثقافات مجتمعة ومنفردة ناهضت الحركة القومية العربية ومنعتها من بسط هيمنتها الثقافية. أمّا الثقافة الأشدّ صلابة في مواجهة الثقافة القومية فهي ثقافة "الغرب" التي كانت حاضرة في جميع مستويات الواقع العربي. فالسيطرة الحقيقية كانت للثقافة الرأسمالية.

 هذا والثقافة الماركسية سيطرت في مصر وسوريا والعراق في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات بانحسار الثقافة البورجوازية الليبرالية الوطنية. 

الثقافة القومية الراديكالية فرضت نفسها فقط بدءً من المنتصف الثاني من الخمسينيات حتى المنتصف الأوّل من السبعينيات عبر استخدامها سلطة الدولة الناصرية والبعثية (وزارات الإعلام والتوجيه والارشاد القومي) 

ولكن ابتداء من نهاية السبعينيات، وتحديداً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بدأت الثقافة القومية الراديكالية بالتراجع أمام ما عرف آنذاك بثقافة الصحوة الإسلامية وانتشار المدّ الإسلامي الأصولي. 

هذا والمجتمعات الديناميكية، والمجتمع العربي واحد منها لتعقيد بناه واختلاف عناصره التكوينية واتّساع جغرافيته وانفتاحه على قارات ثلاث، لا تنصاع أبداً لهيمنة ثقافة واحدية. لذلك، قد يكون من الأصحّ القول إنّ الفكر القومي الذي جسّدته الحركة القومية العربية لم يكن الفكر الأوحد والمسيطر في حلبة الصراع الفكري على امتداد الوطن العربي. 

وإذا أردنا أن نتزيّد في تعليل فشل الحركة القومية العربية في إحداث التجدّد الحضاري نبتعد عن الإجمال إلى التفصيل ونذكر الأعلام الثقافية المكرّسة على امتداد النصف الثاني من القرن الماضي كي نثبت أنّ كتابات ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وقسطنطين زريق وميشال عفلق التي تبنّتها أحزاب الحركة القومية العربية لم تستأثر بالمرحلة استئثاراً يسمح بإحداث التجدّد: 

من الليبراليين طه حسين وعلي عبد الرازق وأحمد لطفي السيّد وسلامه موسى ولويس عوض وشارل مالك ورينه حبشي وعبدالله العلايلي وحسن صعب وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ ... 

ومن الإسلاميين السلفيين الجدد سيّد قطب وحسن البنّا وأنور الجندي وعلي سامي النشّار... 

ومن الماركسيين أنور عبد الملك ومحمّد عابد الجابري قبل انفكاكهما إلى مواقع أخرى ومهدي عامل وحسين مروّة وسمير أمين... 

هذا من دون أن نغفل الدعوات إلى أسلمة الخطاب القومي (حسن حنفي) عن طريق دمج القومية بالإسلام بعد أن كان هذا الخطاب في بداية نشوئه قد قدّم نفسه للناس بمضمون علماني/ مدني. 

أسلمة الخطاب القومي تعني عملياً طغيان الثقافة الإسلامية عليه، فتكون، تالياً، الغلبة لهذه الثقافة وليس للثقافة القومية بمضمونها الأصلي... 

هؤلاء، وغيرهم كثير، لم يتركوا للفكر القومي مجالاً للهيمنة أو للغلبة الثقافية في الوطن العربي. 

بعض أطراف الحركة القومية العربية تسلّمت السلطة في عدد قليل من الأقطار: الناصرية في مصر، البعث في سوريا والعراق، الجماهيرية الشعبوية في ليبيا، البومدينية في الجزائر، تجربة السلال في اليمن... 

مصر الناصرية شكّلت النموذج القومي في الحكم لجهة التجدّد والانبعاث الحضاري في مرافق الحياة العامة الثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والتنموية وبقدر أقلّ نسبياً لجهة التجدّد عينه في العراق وسوريا بعد تسلّم حزب البعث العربي الاشتراكي الحكم فيهما ما أدّى فعلاً إلى نهوض حضاري عربي ذاتي كانت له امتدادات إلى غير قطر عربي. ولكن، 

خطّ الانحدار أو التراجع بدأ من هزيمة حزيران 1967 لينعطف جذرياً بعد تسلّم أنور السادات الحكم الذي قاد تصفية المشروع الناصري النهضوي فقيّد الحركة القومية وأطلق غريمها السياسي حركة الإخوان المسلمين وألحق مصر ذيلياً بالمشروع الأميركي الصهيوني فعطّل بذلك قاطرة العرب إلى التجدّد الحضاري. 

نظام السادات بسياساته المحلّية والمخابراتية والتزاماته الأميركية/ الإسرائيلية وبمصالح من استجمعهم حوله من "مطبّعين حضاريين" تمكّن من الانقضاض السريع على مشروع النهوض المصري الذي أعدّه الرئيس عبد الناصر والذي كان من ثماره انتصار نوفمبر تشرين 1973 

لقد حوّل السادات الانتصار إلى انكسار وقدّم مشروعه المصري السلمي مع الكيان الصهيوني على أيّ مشروع آخر فلا الوحدة العربية عنت له شيئاً ولا تحرير فلسطين ولا أيّ عنوان آخر من عناوين النهوض العربي. 

لا نقول هذا لنحمّل نظام السادات جميع الانتكاسات والارتكاسات العربية ولا لنبرّئ نظام الرئيس عبد الناصر من كلّ تقصير أو مسؤولية. فعلى الرّغم من كلّ الأدبيات الناصرية النهضوية والوحدوية والتحريرية والتحرّرية والتنموية أخفق النظام في بناء دولة المؤسسات بديلاً من كاريسما القائد وفي إنتاج فكر سياسي حديث بديلاً من الفكر الكلياني والتضييق على الحريات السياسية. 

هذه النواقص في النظام الوطني الناصري آذت صورة المشروع النهضوي العربي في أذهان النخب والمثقّفين الوطنيين والقوميين العرب المعنيين بتعميمه وتحقيقه. وبهذا تكون الناصرية، من حيث لم تحتسب، قد حدّت من زخم الحركة القومية العربية في مسيرة التجدّد والنهوض. 

امتلاك سلطة الدولة وتأبيدها في يد حاكم فرد، ولو كان من حجم الرئيس عبد الناصر، يعاونه مجلس قيادة في مرحلة أولى ومجلس وزراء في مرحلة لاحقة لا ينفيان الأصل الحاكم بانقلاب عسكري.. إن غياب "المدني" عن الحكومة يضعف إمكان التغيير ويحدّ من دينامية المجتمع السياسي في مسيرة نضاله الديموقراطي لإنجاز مشروع تاريخي حضاري يتجاوز بكثير محدودية وموقوتية المشروع السياسي. 

المشاريع الحضارية تتجنّد لها المجتمعات تناضل في سبيلها وتنجزها وتجدّدها جيلاً بعد جيل وتحوّلها إلى حركة مستمرّة في التاريخ.

 المشاريع السياسية تتجنّد لها حكومات وأحزاب وقيادات تناضل باسمها في سبيل الوصول إلى السلطة. 

المشروع الناصري كما المشروع البعثي ومشروع حركة القوميين العرب مشاريع حضارية تاريخية في تكوّنها الأصلي حوّلتها قواها السياسية وأحزابها والقيادات إلى مشاريع سياسية سلطوية. كانت مشاريع للمجتمعات فصارت للأحزاب. 

مشاريع التجدّد الحضاري تشكّل استجابة تاريخية لنداءات وانتظارات ووجدانات الشعوب، في حين أنّ المشاريع السياسية تشكّل غلافات لطموحات شخصية أو حركات حزبية. 

الحركة القومية العربية أنتجت مشروعاً فكرياً حضارياً ولكن من تسلّم السلطة باسمها سيّسوه وحزّبوه ونالوا من اعتباره المجتمعي والتاريخي. وهذا ما أوقع دينامية التجدّد الحضاري في مأزق الاستتباع السياسي الداخلي (النظام) والخارجي (رعاة النظام) 

إنّ الأنظمة السياسية مهما كانت تقدّمية ما لم تكن بينها والمجتمع علاقة عضوية، وما لم تكن لها فلسفة حكم استقلالي ومرجعية إيديولوجية خاصة تعجز عن تحقيق أي إنجاز حضاري فالتبعية تحت عنوان الإفادة من تجارب الشعوب وحضاراتها قمع للدينامية الذاتية التي بدونها يستعصي على أيّ شعب أن يحقّق تجدّده الحضاري. 

الخروج من حالة الاستتباع من الشروط اللازمة سياسياً وإيديولوجياً لحركة قومية عربية متجدّدة. قد تدخل في شراكة فكرية وسياسية ونضالية مع حركات عالمية ذات أهداف واحدة ولكن من موقع الاستقلال الذاتي فتلقى الإسناد بدون ارتهان خصوصاً في قضايا التحرّر من الاحتلال الاستعماري/ الصهيوني. وهذه واحدة من نقاط الضعف والإخفاق في التجربة السابقة لأطراف الحركة القومية في علاقاتها الدولية. فهل لها اليوم أن تجدّد نفسها على قواعد تعامل جديد مع حقائق المرحلة في سياق ما يشهده العالم من تحوّلات جذرية في العلاقات بين الدول والشعوب؟ (غلبة العنصر المادي على الروحي أو الإيماني والأخلاقي) 

إنّ قدرتها على ذلك مرهونة بقدرتها على إعادة بناء نفسها وإعادة تجديد مشروعها الحضاري كما طرحه مركز دراسات الوحدة العربية بعناصره الستّة: الوحدة والتحرر الوطني والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلّة والتجدّد الحضاري. والتحدي هو تحويل هذا المشروع إلى حركة حيّة في صميم المجتمعات العربية وثقافتها وحضارتها فيصبح مشروع أمّة يمكّنها من أن تستجيب بكفاءة لاستدعاءات الحاضر العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والمادي في النظرة البراغماتية إلى مستقبل الشعوب في سياق تدرّجها الحضاري وإعادة تأسيس هوياتها على قواعد فيها القليل من أدبيات الروح والأخلاق والفقه واللآهوت.. 

هذا التوصيف لا يعني أنّنا ندعو إلى إعادة تأسيس (أو تجديد) هويتنا الحضارية على هذه القواعد فالعرب أمّة إيمانية/ عقلانية منذ بداية تكوّنها الحضاري فالتوكّل والتعقّل هما الجوهر العضوي في سرّ تقدّمها الحضاري وحيثما حصل انفصال بينهما أصيبت الحضارة العربية بتفسّخات وتراجعات قاتلة وتمزّقات درامية أبعدت الأمّة عن دينها ودنياها وأوقعتها في خواء حضاري عبّأته "الحضارات المستعارة"! 

هنا قد يسأل البعض أوليس في هذه المعادلة التوفيقية بين الإيمان والعقل منسوب عال من الإرادوية؟ 

أوليست التوفيقية كمنهج في التفكير هي التي أثارت في تراثنا المعرفي والفكري والفلسفي إشكالات أكثر مما أوجدت من حلول؟

 نسأل وفي رأينا أنّ المنهج التوفيقي هو الأصوب والأصحّ للنهوض القومي فقيادة أي مشروع نهضوي عربي اعتمد هذا المنهج، فالنهضة العربية الأولى حقّقها الإسلام بالتوكّل والتعقّل والنهضة الثانية حقّقها الفقه الإسلامي العربي مقروناً بالفكر الفلسفي اليوناني والنهضة الثالثة حقّقتها حركة الإصلاح الديني بتأثير من حداثة الفكر الليبرالي الغربي.. هذه الحقائق في تاريخ الحضارة العربية لا تحتاج إلى اجتهاد ذهني كبير لإثبات صحّتها.

 في ضوء هذه الحقائق نتبيّن المألوف في مسار الحضارة العربية والطبيعي جدّاً في مسيرة التجدّد عدم الخروج عن هذا المألوف: تجدّد في الدين (فقه اللحظة القائم على ديناميكية التأويل) مصحوب بالترقي الاجتماعي (ديناميكية التنمية بأوسع معانيها وحقولها)

 بدونهما ينتفي كلّ كلام على تجدّد حضاري ممكن. إنّهما الممرّ الإلزامي إلى التجدّد الحضاري.

 نصّ الحركة القومية منذ ثلاثينيات القرن الماضي تضمّن فعلاً عناصر المشروع النهضوي كالوحدة والتحرّر الوطني والتنمية المستقلّة والعدالة الاجتماعية، وأغفل موضوعة التجدّد الحضاري واجتاحت متنه كاملاً فكرة "الوحدة المعنوية" وحوّلت سائر العناصر إلى هوامشه ما غيّب عنه صراحة التجدّد في الدين ومرجعيته العقلية. 

لذلك، 

واجهت التجربة القومية تحديداً في مصر وسوريا وبدءً من خمسينيات القرن الماضي إشكالية العلاقة مع الإسلام السياسي الذي كانت تمثّله حركة الإخوان المسلمين وإشكالية الطرح القائل: الإسلام هو البديل الذي شاع خصوصاً في إثر نكسة العام 1967 وتفاقمت الإشكالية بعد "الصحوة الإسلامية" التي أحدثتها الثورة الإيرانية. 

التجدّد الحضاري المبني في جانب منه على فكرة التجدّد في الدين وإعمال فقه اللحظة في قضايا الزمن العربي الراهن يتطلّب من الحركة القومية العربية إحداث تأسيس معرفي للعلاقة الجدلية التبادلية القائمة بينهما.

 وهو ينبني في جانب آخر على نجاح الحركة القومية في تثمير ديناميكية المجتمعات العربية في مسار تنموي شامل عنوانه رقيّ المواطن العربي.

 هذا العنوان، رقي المواطن العربي، هو الغاية القصوى لأيّ تجدّد حضاري.. والسؤال وفق أي نموذج؟

 نتوقّع من طرح هذا السؤال معرفة معاني الرقيّ التي تكتسبها "الألفاظ الحضارية" في عالم التحوّلات والانزياحات المربكة التي تفرض التباساتها على الفكر السياسي/ الاجتماعي المعاصر.

 فهل من اليسير المواءمة بين مضامين يضخّها عالم التحوّل المعاصر باستمرار واطّراد وتجدّد مذهل وبين حاجات مجتمع يفتقر إلى أبسط أفاهيم الاجتماع السياسي؟ (المواطنة واحد منها)

 تقبّل المضامين المعرفية يشترط وجود بنية ثقافية قابلة للاكتساب والاستيعاب. فهل بنية الثقافة العربية بشروطها الراهنة مهيّأة لاستقبال المضامين الجديدة لأفهوم المواطنة؟ وهل هي مفرغة من أيّ مضمون بما يسهّل فعل التلقّي؟ أتسمح البنى الثقافية التأسيسية للفكر القومي العربي باكتساب ما يجافي طبيعتها الأصلية؟

 تلك واحدة من إشكاليات تلقّي النماذج أو الأنماط ومضامينها من الثقافات الأخرى..

 وحلّها يتمّ باستنبات ثقافة سياسية/ اجتماعية من داخل بنية الثقافة العربية وتحديداً من داخل بنية الفكر القومي العربي المنفتحة على الحداثة والمعاصرة، وتجارب الحركة القومية العربية في نضالاتها اليومية.

 من هنا يبدأ التأسيس المعرفي لنجاح الحركة القومية العربية في التجدّد الحضاري.

 

ملاحظة : ان المقال المنشور لا يعبر بالضرورة عن راي الصفحة او الحزب انما يعبر عن راي كاتبه

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0