الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | تفاهمات ملء فراغ الانسحاب الأمريكي

تفاهمات ملء فراغ الانسحاب الأمريكي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
تفاهمات ملء فراغ الانسحاب الأمريكي

د. محمد السعيد إدريس الأهرام: 1/1/2019

 

كشفت التطورات المتسارعة للأحداث منذ إعلان الرئيس الأمريكي قراره بسحب قوات بلاده من سوريا، كما كشفت ردود الفعل المضطربة لكافة الأطراف المعنية أو بالتحديد المتورطة في هذه الأزمة عن حقيقتين مهمتين أولهما: أن القوات الأمريكية في سوريا، رغم أنها كانت محدودة العدد والعتاد (2500 عسكري ومدرب) إلا أن ثقلها الفعلي والمعنوي كان كبيراً ويفوق بكثير عددها، وأن غيابها سوف يزعزع توازن القوى بين كل هذه الأطراف، ومن ثم بات كل طرف منها معنياً بتحديد مواقع أقدامه الجديدة وإلى أين يمكن أن يتمدد، وما هي أهدافه في سوريا ابتداءً من الآن. وثانيتهما أن الأطراف أو القوى الدولية والإقليمية التي استطاعت أن تؤسس شراكة عسكرية- سياسية فيما بينها داخل سوريا وبالتحديد الثلاثي: الروسي- التركي- الإيراني افتقدت أهم عوامل، أو أهم دوافع ومبررات استمرار تلك الشراكة العسكرية- السياسية التي لم ترتق يوماً إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الراسخة المؤسسة على أهداف ومصالح مشتركة لها من الثبات والقوة ما يضمن استمرارها.

وإذا كان هذا هو حال الأطراف التي كانت مناوئة للوجود العسكري الأمريكي في سوريا فإن حال حلفاء واشنطن داخل سوريا لم تكن ردود فعلهم أقل وطأة وبالتحديد إسرائيل والميليشيات الكردية الحليفة للولايات المتحدة "قوات سوريا الديمقراطية" وجنحها العسكري أي "وحدات حماية الشعب"، إضافة إلى فصائل المعارضة السورية الأخرى التي كانت تعِّول على الدعم والمساندة الأمريكية، وامتدت التأثيرات السلبية إلى دول عربية حليفة لواشنطن شاركتها الحرب ضد سوريا بكل أعبائها. أفضل من لخص حال هذه الأطراف كان الكاتب الإسرائيلي "أيال زيسر" في صحيفة "إسرائيل اليوم" الموالية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي اعتبر أن الانسحاب الأمريكي من سوريا "سيؤدي إلى حرب الكل ضد الكل". فقد خلص أيال زيسر في مقاله الذي خصصه للتداعيات المحتملة للانسحاب الأمريكي من سوريا، إلى نتيجة أو خلاصة شديدة المرارة في تعليقه على حال الميليشيات الكردية التي دربتها وسلحتها واشنطن للقتال ضد "داعش" ثم تركتها دون سابق إنذار معلقة في الهواء دون حليف قال فيها "لقد استعملهم الأمريكيون وألقوا بهم" وزاد على ذلك بالقول: "القوة العظمى تستخدم حلفاءها عندما تخدم الأمور مصالحها، ولكنها في الغالب تتركهم لمصيرهم عندما لا تكون لها حاجة بهم".

الإسرائيليون يعيشون الآن هذا الهاجس، وهذا ما اهتم أيال زيسر بالحديث عنه بالإشارة إلى أنه "إذا كانت الولايات المتحدة صديقة وحليفة أولى لإسرائيل، فإن لهذه الصداقة ثمة قيود واضحة، وأنه من الصعب الافتراض بأن الولايات المتحدة ستكون حقاً مستعدة لإرسال قوات لتقاتل إلى جانب إسرائيل إلا إذا كانت هناك مصلحة أمريكية". ولعل هذا الاستنتاج المبكر ربما هو الذي فرض على الإسرائيليين أن يقاتلوا باستماتة من أجل استرجاع الثقة والتنسيق المشترك مع روسيا في سوريا إلى سابق عهده وتجاوز الآثار السلبية لحادثة سقوط طائرة الاستطلاع الروسية "إيليوشن – 29" أمام السواحل السورية التي حمَّلت موسكو إسرائيل مسئولية سقوطها. وإذا كانت إسرائيل قد بذلت جهوداً ووساطات هائلة من أجل استرجاع التفاهمات السابقة مع روسيا في سوريا إلى سابق عهدها، فهناك من يؤكدون أن الانسحاب الأمريكي من سوريا ما كان له أن يتم دون تنسيق أمريكي- مع روسيا بخصوص الكثير من الملفات وفي مقدمتها تفاهمات هلسنكي (يوليو 2018) بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين التي تركز على حماية أمن ومصالح إسرائيل من خلال سماح موسكو لإسرائيل بتوجيه ضربات قوية للحشود والمعدات والمواقع الإيرانية ولحلفاء إيران في سوريا خاصة "حزب الله"، إلى جانب تعهد موسكو بإبعاد القوات الإيرانية وحلفاءها بعيداً عن الحدود مع إسرائيل في هضبة الجولان السوري المحتل لمسافة 100 كم. ويبدو أن إسرائيل نجحت بقوة في هذا المسعى، فالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا التي وقعت بعد أقل من يومين من إعلان ترامب عن سحب قوات بلاده من سوريا، وإن كانت استعراضاً إعلامياً إسرائيلياً يقوم به نتنياهو لكسب معارك صراعاته الداخلية في إسرائيل وليؤكد لحلفاء تل أبيب الإقليميين أن إسرائيل مازالت قادرة على حماية نفسها دون وجود الحليف الأمريكي، إلا أن هذه الاعتداءات كان من المستحيل أن تحدث دون ضوء أخضر روسي.

وإذا كانت تركيا قد حصلت على تفويض من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقيام بدور "الوكيل" أو "المعتمد" الجديد لحماية المصالح الأمريكية ومصالح حلفاء واشنطن في سوريا، ومن ثم يمكن اعتبارها الطرف الفائز من الانسحاب الأمريكي، وأنها بات في مقدورها أن تعيد حساباتها مع موسكو وأن تؤسس لتفاهمات جديدة تركية- روسية تتقاسم فيها البلدان مناطق النفوذ والسيطرة، كما تتقاسمان مسئولية رسم معالم التسوية السياسية في سوريا من خلال الدستور الجديد، حسب ما كشفت اجتماعات موسكو الرباعية لوزراء خارجية ودفاع روسيا وتركيا السبت الماضي (29/12/2018) فإن إيران، على ما يبدو هي الطرف الذي أضحى معنياً بدفع الأثمان على عكس الكثير من التوقعات سواء في علاقتها مع روسيا أو حتى في علاقتها مع سوريا، وهذا ما يفسر توجسات طهران من قرار الانسحاب الأمريكي في ظل ما تتوقعه من تفاهمات روسية – أمريكية وأخرى روسية- إسرائيلية، وثالثة روسية- تركية وربما روسية مع سوريا تخص وضع دمشق بين خيارين: إما روسيا وإما إيران في حال وصول العلاقة بين موسكو وطهران إلى مستوى صدام المصالح نتيجة المتغيرات والتفاهمات الجديدة المترتبة على الانسحاب الأمريكي.

لدى إيران توجسات كثيرة من تلك التفاهمات التي جوهرها ملء فراغ الانسحاب الأمريكي واقتسامه بالتحديد بين روسيا وتركيا وإسرائيل. من أبرز هذه التوجسات أن يكون الانسحاب الأمريكي استعداداً لعدوان أمريكي يجري الإعداد له ضد إيران، أو أن يكون هدفه إخراج إيران من سوريا بناء على تفاهمات روسية- تركية برعاية أمريكية وتحفيز إسرائيلي، أو أن يؤدي، على الأقل، إلى رفع وتيرة الأعمال العسكرية التركية في شمال سوريا وما يمكن أن يترتب عليه من تأزيم للعلاقات بين الثلاثي: روسيا وتركيا وإيران. ما يزيد من توجسات طهران موجة العودة العربية إلى سوريا وبالذات من دول عربية على خلاف شديد معها. فطهران تدرك أن هذه العودة هي حتماً محصلة تفاهمات متعددة الأطراف لملء فراغ الانسحاب الأمريكي ، وأنها هي المعنية قبل غيرها بدفع أثمانها.

هل يمكن أن تنسحب إيران من سوريا؟

سؤال شديد التعقيد ويتوقف على ما إذا كان هذا الانسحاب إرادياً أم قسرياً، عندها يمكن أن تكون التداعيات ملتبسة، وربما يكون هذا كله أحد أهم أهداف انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، عندها سيكون ملف العلاقات الإيرانية – الروسية أبرز الملفات التي سيفرض على طهران أن تتعامل اضطرارياً معها لمواجهة تطورات درامية في علاقاتها الإقليمية.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0