الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | سوريا على الصفيح الساخن

سوريا على الصفيح الساخن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
سوريا على الصفيح الساخن

د. مخلص الصيادي 12 / 4 / 2018

 

يراقب العالم كله تطور الوضع حول سوريا والتهديدات الغربية والمتعددة المصادر التي تتصاعد بشأن توجيه ضربة قوية للنظام السوري، واشتد ضجيج هذه التطورات بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي شمل بتهديداته القوات الروسية في سورية، وجاء هذا التصعيد كله بعد الحديث عن استخدام النظام للسلاح الكيماوي في الغوطة مؤخرا.

وواضح من متابعة مختلف التصريحات أن الجهد منصب حول التنبؤ بحجم الضربة التي ستوجه للنظام السوري  في حال تم ذلك ، وعن الأهداف التي ستنصب عليها صواريخ الولايات المتحدة وحلفائها، وما إذا كان من الممكن للقصف أن يحقق أهدافه دون أن يصيب القوات الروسية، وحينها ستجد القيادة الروسية نفسها مضطرة إلى الرد، مما يفتح الباب على تطورات دولية خطيرة.

وأظن أننا بحاجة لمقاربة أكثر دقة لتبين حقيقة ما يجري في سوريا، وحولها، وما يمكن أن يطالعنا به المستقبل.

** بداية يجب أن نقرر بثقة تامة أن هذا التهديد للنظام السوري، وهذا الاستعداد لتوجيه ضربة له، لاعلاقة له بمصلحة الشعب السوري، أو بتطلع هذا الشعب للتخلص من نظام قاتل فاسد طائفي ومستبد، ولسنا بحاجة هنا لسوق الأدلة على ذلك، يكفي أن نقول إن هناك اتفاقا دوليا على القبول ببقاء نظام الأسد، وأن التصريحات الصادرة عن مختلف القادة الغربيين، وقادة الكيان الصهيوني، وحتى العرب، باتت منذ أكثر من عام مستندة إلى فكرة بقاء الأسد ونظامه.

** ويجب أن ننتبه وبدقة أيضا إلى أن هذا التحرك الغربي الجديد ضد النظام السوري والمبني على استخدام هذا النظام للسلاح الكيماوي في الغوطة، لا ينطلق من انتصار إنساني للشعب الأعزل الذي اختنق بهذه الغازات السامة، فإن هذا التحرك جاء بعد أن حسم وضع الغوطة لصالح النظام تحت بصر وسمع كل العالم، ولو كان هؤلاء يريدون فعلا أن ينتصروا لأهل الغوطة ما أجلوا تحركهم إلى أن حسم النظام وحلفاؤه أمر الغوطة.

** وما يجب أن نؤكده كذلك أن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، لا صله له على الإطلاق بأهداف النضال الشعبي في سوريا، وهو نظام يرى همه الرئيس في دعم الكيان الصهيوني، وتمكين هذا النظام من السيطرة على المنطقة، وهو حين قرر نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس المحتلة، وقرر أن يطلق العنان لكل أشكال الاستيطان الصهيوني والعنصرية الصهيونية كان يبرز وجهة نظره ورؤيته للمنطقة كلها، وقد فعل الأمر نفسه حينما غذى لدى قطاع من القيادات الكردية، وهمَ إنشاء دولة كردية تكون رديفا للكيان الصهيوني، وتجسد في بعض أوجهها تطلعه لتقسيم المنطقة من جديد على أسس طائفية وعرقية ودينية " الشرق الأوسط الجديد"، يكون الكيان الصهيوني قطب الرحى فيها.

بعد هذه المقدمة الضرورية لفهم الوعاء الذي تجري فيه الأحداث يأتي السؤال:

ما الذي يريده هذا التحالف من تصعيد الوضع تجاه النظام السوري؟!.

ثم ما الذي يريد أن يضربه هذا التحالف في سوريا؟!.

إذا كان مؤكدا أن إسقاط النظام ليس هدفا له:

** فهل يمكن أن يكون الهدف ضرب السلاح الكيماوي المفترض وجوده لدى النظام؟.

هذا الافتراض، أو هذا الاستهداف غير ذي شأن، لأن مثل هذا السلاح الخطر جدا، بسيط جدا في تصنيعه، ولا يحتاج إلى بنية تحتية معقدة، ومن غير الممكن رصده إلا إذا قامت الجهات ذات الصلة بالكشف عنه.

وهنا يبرز السؤال:

هل تعرف واشنطن أين يوجد هذا السلاح؟، أم أنها سوف تقصف على أهداف احتمالية!،

المسألة برمتها هنا غير مقنعة، وغير مجدية.

** هل يمكن أن يكون الهدف من ضربة واسعة هو إضعاف قوة النظام " القوة العسكرية والمادية"؟.

في غير سوريا يمكن أن يكون هذا هدفا ذا تأثير كبير، لكن في وضع مثل الوضع السوري، فإن هذا الهدف لا قيمة له، هو هدف خلبي ليس إلا، وذلك لأن القوة العسكرية للنظام انتهت منذ وقت طويل، انتهت من انتهاء العام 2012 ، وقد بدأ تدخل حزب الله العلني الى جانب النظام حين وصلت حالة النظام إلى مشارف الانهيار، ولم يستطع حزب الله أن يوقف هذا الانهيار فتدخلت إيران بقوة، وبشكل مباشر، ثم حين عجز هذا التحالف عن الصمود، تدخلت روسيا منذ سبتمبر 2015 بقوتها المدمرة لوقف انهيار النظام.

وما نقرره هنا بشأن قوة النظام ليس من قبيل التقدير وإنما مرده تصريحات مباشرة وصريحة للأمين العام لحزب الله، ولقادة النظام الايراني، ثم لوزير خارجية روسيا والقيادة الروسية السياسية والعسكرية.

ليس هناك قوة للنظام السوري يمكن استهدافها، وتستدعي هذا الحشد الدولي. ثم إنه ليس هناك قواعد مادية للنظام في سوريا يمكن ضربها لإحداث إرباك في خططه وعملياته، فكل شيء في سوريا مادي وعسكري مرتبط بشكل مباشر وصريح مع طهران وموسكو، والدعم القادم من هاتين العاصمتين يغطي أي احتياج وأي نقص في امكانات النظام، وهذا أمر شاع أمره وبالتالي لا يحتاج إلى أدلة إثبات.

** هل يمكن أن يكون الهدف الحقيقي للضربة هي قوات حزب الله، والميليشيات الطائفية العراقية وغيرها، والقوات الايرانية؟،

لا يمكن أن يكون هذا تفكيرا ذا قيمة، حتى ولو اعتبر جزء مندمجا بهدف ضرب قوة النظام العسكرية، لأن القوة الحقيقية لحزب الله ليست في سوريا، وإنما في لبنان، وضرب هذه القوة يحتاج الى فتح معركة أخرى لا يظهر أن أحدا يريدها في هذه المرحلة.

** هل يمكن أن يكون المقصود من كل هذا التصعيد استهداف القوات والتواجد الروسي في سوريا؟

وهذا هدف في عمومه مهم، وقد أوحت تغريدات الرئيس الأمريكي الأولية به، لكنه هدف خطر جدا، لأن روسيا دولة عظمى، والاحتكاك معها لا يمكن ضبطه.

كذلك لا يمكن أن يكون مثل هذا الاستهداف سرا للولايات المتحدة تفاجئ به في لحظة من اللحظات حلفاءها الذي انتظموا معها في هذا التصعيد، والمراقبون لا يشكون في أن الكثير من الدول الغربية التي وقفت مع واشنطن في هذا التصعيد، لا تريد تصعيدا من هذا النوع مع روسيا، ولا يمكن أن تشارك فيه، على الرغم من الأزمة الراهنة الشائكة الخاصة بتسميم العميل الروسي المزدوج "سيرجي سكريبال"، كذلك من الواضح أن الكيان الصهيوني لا يرغب في هذا التصعيد، ولا يريد للولايات المتحدة إتخاذ اي خطوة من هذا القبيل في سوريا، وذلك لسببين رئيسيين:

أولهما: أنه لايريد تغيير فعلي للنظام السوري الذي استراح على مدى خمسة عقود الى قدرته في ضبط الحدود ومنع ولادة أي مقاومة سورية لاحتلاله للجولان، أو أي مقاومة فلسطينية عبر الحدود مع سوريا.

ثانيهما: أنه يخشى أن يؤدي تصعيد غير منضبط في سوريا إلى أن تفلت الأمور في المنطقة كلها، وتخرج عن الحدود الراهنة، التي عرف منذ كامب ديفيد كيف يضبط إيقاعها، ويحدد اتجاهاتها، ويحرك القوى الفاعلة فيها، فلسطينيا وعربيا ودوليا.

ورغم تعالى صراخ ترامب فإن قرارات الاحتكاك مع روسيا، لا يمكن أن تصدر عن مزاج مثل هذا الرئيس أو غيره، وإنما تقرره مؤسسات لها القدرة على صوغ قرارات تؤثر على مصير النظام العالمي كله.

** يبقى أن نستطلع هدفا أخيرا هو مزيج من أهداف عدة أشرنا إليها تؤدي مع بعضها البعض إلى تغيير موازين القوى، مما يفسح المجال لدفع الوضع في سوريا إلى حل سياسي بات مستعصيا نتيجة الوضع الراهن، ونتيجة هذا التقسيم الواقعي الواضح في الجغرافيا السورية، لكن هذا الاستهداف لايحتاج الى ضربة جوية أو عسكرية للنظام السوري، بقدر ما يحتاج الى تغيير الموازين على الأرض على غرار ما يحدث في الشمال السوري، على الحدود مع تركيا، وهو تغيير إذا ما مضى في طريقه المعلن وأخذ آفاقه، سيؤدي الى تغيير حقيقي في هذه موازين.

يجب أن نعترف أن إجمالي القوى الفاعلة في الوضع السوري " القوى الدولية والإقليمية والعربية" لا تملك القدرة، أو ليس في برامجها الوصول الى حل سياسي على قاعدة بيان جنيف 30 يونيو 2012 القاضي بإجراء تغيير سياسي حقيقي في سوريا، يقيم نظاما ديموقراطيا يعبر فيه الشعب السوري عن إرادته وتطلعه للسمتقبل

إن سوريا العربية الموحدة الحرة والديموقراطية، تخيف نظم المنطقة كلها، وقد لا يكون لأحد مصلحة في أن تستعيد سوريا ثوبها الحقيقي هذا.

في ظل ما استعرضناه يمكن القول أنه لا توجد أهداف حقيقية لأي عملية عسكرية غربية راهنة ضد النظام السوري، وكل ما يمكن أن تشهده هذه الأزمة هو على غرار ما تم قبل ذلك، حين استهدفت قاعدة الشعيرات الجوية بالصواريخ في 7 / 4 / 2017 ، لكن على نطاق أوسع، وليس من شأن هذا أن يغير شيئا على الأرض، بل على العكس من ذلك قد يؤدي إلى زيادة الاستعصاء في الحل السياسي في سوريا. وزيادة الضغط على الشعب السوري ذاته، وعلى قوى الثورة والمقاومة فيه.

يجب أن نكون على قناعة أن أركان النظام العالمي كله، والنظم التابعة له، إنما تتعامل مع المسألة السورية وفق مصالحها الخاصة، ووفق رؤاها وتطلعاتها، ولا يهمها في ذلك طبيعة النظام السوري، وهي  على وجه الحقيقة  غير عابئة بما أصاب السوريون على مدى السنوات السبع الماضية، وشواهد تلك السنوات تجزم بأن معظم هؤلاء، لم يقدموا للحراك الثوري السوري إلا ما أدى الى تخريب هذا الحراك، وحرفه عن مساره الحقيقي، والعمل على توليد قوى مضادة من داخله، ولم يقدموا للشعب السوري المهجر واللاجئ في مختلف أصقاع الأرض إلا صور الذل والمهانة، والمتاجرة به، وجاء فعلهم هذا على نفس منوال فعل النظام لكن بأثواب وأشكال أخرى.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0