الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | الإعلام . . الهيمنة الناعمة وبدائل المواجهة في "كتاب الجمهورية"

الإعلام . . الهيمنة الناعمة وبدائل المواجهة في "كتاب الجمهورية"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الإعلام . . الهيمنة الناعمة وبدائل المواجهة في "كتاب الجمهورية"

بقلم: سيد حسين - رئيس تحرير كتاب الجمهورية

 

شهد التاريخ أن الصحافة في مصر أسست إعلامًا واعيا شاركت فيه بعد ذلك الإذاعة المصرية منذ قيامها في 1934 والتليفزيون منذ إنشائه في عام 1960. الصحافة هي التي شكلت الضمير الحي للأمة كي تكون واعية خلال ما يقرب من مئتي سنة. وأفادت اللغة العربية كما يقول أساتذة اللغة والأدب. أسهم صحفيوها بقدر عظيم في تنوير وتثقيف وبناء العقل المصري - بل العربي -. كانت الصحافة المصرية الصوت القوي المقاوم للاحتلال الإنجليزي لمصر منذ عام 1882م حتى قيام ثورة 1952. ناصرت الشعوب العربية ونضالهم ضد المستعمرين، وهي التي وقفت ومازالت وستظل تناصر الفلسطينيين حتى يحرروا أرضهم من دنس العدو الصهيوني. حملت مشعل الحرية فتقدم صحفيوها الصفوف دفاعًا عنها. مصر هي رائدة الصحافة في الوطن العربي، ومنطقة الشرق الأوسط ويشهد لصحفييها دورهم في التنوير والتثوير. ويذكر التاريخ أن مصر قد عرفت الصحافة في عهد محمد على الذي أنشأ جريدة «الوقائع المصرية» في 3 ديسمبر 1828م ثم أصدر سليم وبشارة تقلا جريدة «الأهرام» في 5 أغسطس 1876م، وأسس جرجي زايدان «الهلال» عام 1892م وجريدة «المقطم» التي أصدرها «آل نمر»، ومجلة «روزاليوسف» التي أسستها فاطمة اليوسف عام 1925. ولن ينسي التاريخ دور «جريدة اللواء» التي أصدرها الزعيم الوطني مصطفي كامل في حربها ضد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882م وصحف حزب الوفد التي حملت مشعل ثورة 1919 كما لا ننسي جريدة «أخبار اليوم» التي أنشأها الأخوان مصطفي وعلى أمين عام 1944 التي كانت صوتًا للملك فاروق. وجاءت جريدة «الجمهورية» التي أسسها الزعيم الخالد جمال عبدالناصر لتعبر عن أفكار ومبادئ ثورة 1952 فصدر عددها الأول في 7 ديسمبر 1953 برئاسة تحرير الأستاذ «حسين فهمي».. ثم أنشأت الثورة «جريدة المساء» الشقيقة الصغري لجريدة «الجمهورية» في 6 أكتوبر 1956 برئاسة خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة.. إلى أن صارت كل الصحف مملوكة للدولة وليست للأفراد بعدما صدر قانون «تنظيم الصحافة» في مايو 1960 الذي جاء مؤكدًا على سلطة الصحافة ورقابتها مثل مجلس الأمة «النواب الآن» وعدم تبعيتها للسلطة التنفيذية.. حيث نصت المذكرة التفسيرية للقانون على الآتي: «الصحافة تعتبر جزءًا من التنظيم الشعبي لا تخضع للجهاز الإداري وإنما هي سلطة توجيه ومشاركة فعالة في بناء المجتمع شأنها في ذلك شأن غيرها من السلطات الشعبية كالمؤتمر العام للاتحاد القومي وكمجلس الأمة «النواب الآن». ثم جاء عهد الرئيس السادات حيث قامت منابر التجمع والوسط والأحرار في عام 1976 التي صارت أحزابًا وأنشأت صحفها الحزبية. ولن ينسى التاريخ جريدة «الأهالي» الناطقة باسم حزب التجمع وكان أول رئيس تحريرها الأستاذ حسين فهمي أول رئيس تحرير لجريدة «الجمهورية» كما ذكرنا آنفًا التي قادت المعارضة ضد سياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد السادات التي أدت تلك السياسات إلى عواقب اقتصادية وخيمة على مصر في عهدي السادات ومبارك أفقدتها العدالة الاجتماعية بظهور طبقة منتفعي ذلك الانفتاح الذي أدي إلى سيطرة 5% من المصريين على 80% من ثروات مصر بطرق غير مشروعة. وتقف جريدة «الأهالي» ضد زيارة السادات للعدو الصهيوني وعقد معاهدة السلام المشئومة معه ثم تفضح الجريدة نية السادات في توصيل مياه النيل للعدو الصهيوني بعدما كشف النقاب والأسرار الكاتب الصحفي الكبير بجريدة «الجمهورية» «كامل زهيري» - نقيب الصحفيين - في كتابه «النيل في خطر» بالوثائق اتفاق السادات مع العدو الصهيوني لتوصيل مياه النيل إلى كيانه المغتصب وتتبني جريدة «الأهالي» قضية الكتاب لتنير الرأي العام المصري بهذا الأمر الجلل فيتراجع السادات عن تحقيق اتفاقه. ولم يتحمل السادات المعارضة لسياساته فكانت اعتقالاته لرموز المعارضة من الصحفيين والمفكرين وأساتذة الجامعات والسياسيين في سبتمبر 1981 وإيقافه صحف الأحزاب وعلى رأسها جريدة «الأهالي» التي عادت إلى الصدور مرة أخري في عهد الرئيس الأسبق مبارك. ولكنها تقف ضد تبعية مبارك للولايات المتحدة وفي فترة من تاريخ جريدة «الأهالي» يختار حزب التجمع الكاتب الصحفي الكبير عبدالعال الباقوري بجريدة الجمهورية (من 1993 حتى 1998) وهو واحد من أبرز الكتاب والصحفيين المصريين ليقود رئاسة تحريرها لتواصل رفع لواء معارضة سياسة الرئيس مبارك. كما لن ينسي التاريخ دور مجلة «روزاليوسف» عندما كان يرأس تحريرها الكاتبان الصحفيان الكبيران «صلاح حافظ وفتحي غانم» فوقفت مع الشعب عندما أصدر السادات قرار رفع الأسعار في يناير 1977 فقام الشعب المصري بانتفاضته ضد قراره ووصف السادات تلك الانتفاضة بانتفاضة «الحرامية» ولكن روزاليوسف تعارضه وتصدر أعدادها الأسبوعية وتصفها «انتفاضة الجوعي»، وبعد أن هدأت انتفاضة المصريين ضد قرار السادات بعدما تراجع عنه يصدر السادات قراره بإزاحة الكاتبين الكبيرين «صلاح حافظ وفتحي غانم» من رئاسة تحرير مجلة روزاليوسف. ولن ينسي التاريخ دور جريدة «العربي» التي كان يصدرها الحزب الناصري حيث قادت المعارضة ضد نية اتجاه وتخطيط الرئيس مبارك لتوريث ابنه جمال حكم مصر فرفعت جريدة العربي الناصرية شعار «لا للتوريث». وعن صحافتنا المصرية نواصل الافتخار بها فهي التي رسخت الهوية الوطنية وقيم الانتماء والأخلاق، وهي المقاومة للعولمة الأمريكية والتبعية لرأسماليتها المتوحشة التي تدس السم في العسل. هي المصباح المنير لكشف وفضح الفاسدين والمفسدين.. ألم يقل نابليون بونابرت: «أفضل أن يكون لي صحافة بلا حكومة على ألا تكون لي حكومة بلا صحافة».؟ كانت صحافتنا وإعلامنا على وعي بما قاله جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازية في عهد «هتلر»: «أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطك شعبًا بلا وعي» ولأن الوعي يأتي ويتشكل من خلال حرية تداول معلومات صادقة صحيحة، تقدم الحق والحقيقة، تقضي على الأكاذيب والأباطيل والأضاليل. تلك المعلومات التي تتبني القول الصادق، والفعل الصادق وهي التي تبرز الرأي السديد والرؤية الثاقبة من أجل مصر القوية ألم يقل الفيلسوف البريطاني برتراندرسل لن يهزم شعب يقدمه إعلامه الحقيقة؟ وإذا كان البعض يلاحظ تركيزي هنا على الصحافة فيما أكتبه فلريادتها وسبقها للإذاعة والتليفزيون وشبكات التواصل الاجتماعي. بل أضيف إن الإنسان يطمئن للصحافة لأنها الأكثر تدقيقًا للمعلومات وصحتها وعرضها بأسلوب راقٍ ولائق، كما أنها تراعي أخلاق وقيم المجتمع. كما أنها وثيقة في كتابة التاريخ السياسي والاجتماعي اعترف بها المؤرخون. يذكر الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه «بين الصحافة والسياسة»: «كان الإعلام وصحافة الكلمة في وسطة ساحة وطرفًا وأداة وفق طبائع الأمور التي تفرض أن تكون الصحافة في أي بلد جزءًا من الحياة السياسية فيه، ولهذا فإن متابعة ومراجعة ما يجري في عالم الصحافة هو متابعة ومراجعة لما جري ويجري في عوالم السياسة». ولأن العلاقة شائكة في كثير من الأحيان بين الصحافة الحرة والسلطة يقول عنها هيكل في كتابه 238: «علاقة الصحفي بالسلطة علاقة حيوية فهي صانعة الأخبار وهو يريد هذه الأخبار في نفس الوقت الذي تريد هي فيه كتمانها أو على الأقل تكييف نشرها ثم إنه بالنسبة لها وسيلة الوصول إلى الجماهير ولذلك فهي - السلطة - تفضله أداة ومن ناحيته هو - الصحفي - فإن هناك منزلقًا أن يصبح مجرد سلك وبوق. علاقة مركبة بين طرفين.. كلاهما يحتاج إلى الآخر، وكلاهما يحذر الآخر الصحفي يريد الأخبار ويريد استقلاله والسلطة تريد الوصول إلى الناس ولا يهمها استقلاله». إلى أن يقول هيكل: اقتراب الصحفي من السلطة واقتراب السلطة من الصحفي علاقة - هي الأخري - مركبة وعندما يقترب صحفي من صنع الأخبار إلى درجة كافية فإنه - شاء أو لم يشأ - يصبح ويتحول أحيانًا - بدرجة موقعه - إلى طرف في صنعها وليس ذلك مقصورًا على مصر - بل إنه قاعدة حتى في أكثر البلاد تقدمًا. ويأتي كتاب «من الذي دفع للزمار؟.. الحرب الباردة الثقافية» للكاتبة البريطانية فرانسيس ستورنور سوندرز «ترجمة طلعت الشايب الصادرة عن المركز القومي للترجمة» ليبين أهمية الصحافة والإعلام والعلاقة مع السلطة حيث رصدت الكاتبة البريطانية ما أنفقته الولايات المتحدة الأمريكية من مليارات في إنشاء صحف ومحطات الإذاعة وقنوات التليفزيون واجتذاب صحفيين وكُتاب على مستوي العالم لينشروا إيمانهم بالسياسة الأمريكية ونشر قيمها لتأصيل الهيمنة الأمريكية على العالم بأسره. ونحن - المصريين والعرب - لسنا ببعيدين عما تريده - بنا ولنا - الولايات المتحدة، بل إن مصر هي «الجائزة الكبري» لها - كما ذكرت مؤسسة راند البحثية الأمريكية في تقريرها عام 2004 قدمته للرئيس بوش الابن. من المهم إيراد ما ذكره الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه «بين الصحافة والسياسة» عن أهمية حرية المعلومات الكاملة التي تتيح للصحافة والإعلام القيام بالدور الكامل ص21 حيث ينقل هيكل عن «آرثر سالزبورجر» مؤسس جريدة نيويورك تايمز الذي يقول: «إن رأي أي إنسان في أي قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التي تقدم إليه في شأنها. أعط أي إنسان معلومات صحيحة ثم اتركه وشأنه تجعله معرضاً للخطأ في رأيه ربما لبعض الوقت ولكن فرصة الصواب سوف تظل في يده إلى الأبد. احجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف تدمر كل جهاز تفكيره وتنزل به إلى ما دون الإنسان». وتزداد التحديات أمام الصحافة والإعلام الأمر الذي يجعل الإعلام راصداً تأثير الانترنت غير المحدود في جميع المناحي الثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية. لذا يقول المفكر عالم الاجتماع السياسي السيد ياسين في كتابه: «الزمن العربي والمستقبل العالمي» الصادر عن دار المستقبل العربي ط1998 ص173: «هناك إجماع بين الباحثين على أن الانترنت تمثل بداية ثورة اتصالية ومعرفية لا تستطيع تحديد آثارها على المجتمع الإنساني بدقة في الوقت الراهن ومع ذلك هناك بحوث ودراسات تري أن الانترنت ستؤثر على طبيعة المعرفة الإنسانية ذاتها. ومن بين النتائج البارزة المتوقعة الموسعة المعارف الإنسانية وإمكانية الإطلاع عليها ومن مختلف المصادر والزوايا ستؤدي بالتدريج إلى القضاء على التخصصات العلمية الجزئية وستوسع من نظرة الباحثين وستجعلهم يدورون في مدارات أوسع بكثير من نطاق الدوائر الطبقية التي يعيشون فيها مما سيجعلهم أكثر موسوعية من تناول الظواهر مما قد يؤدي إلى خلق ثقافة إنسانية من نوع جديد لا تتسم بالتجزؤ الملحوظ في الثقافة السائدة وهذا التطور سيسمح للإنسان بأن تكون رؤيته للعالم أكثر شمولاً مما هو موجود اليوم. ويضع السيد ياسين المنهج للاستفادة الكاملة من الانترنت وهو المنهج الذي يغير فيه الإعلام الواعي بنهضة وتقدم مصر فيقول ص184 «الاستفادة القصوي من الانترنت لن تتم إلا في مجتمع قرر أن يقوم بعملية تنمية شاملة مستدامة تغير من النظام السياسي بحيث يصبح نظاماً ديمقراطياً يسمح بالتعددية السياسية وتداول السلطة وتفتح الطريق أمام ثورة ثقافية شاملة حتى تنطلق قوي الإبداع في ظل حرية كاملة للتعبير والتفكير وتمارس التطوير الاقتصادي من خلال نموذج عصري يؤلف تأليفاً خلاقاً بين الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية». ولأنه للأسف يعاني بعض إعلامنا التبعية الغربية دون مراعاة لخصوصية ثقافتنا العربية ويجعلنا نأخذ الحذر كما يقول د. محمد شومان أستاذ الإعلام المرموق - مؤلف هذا الكتاب «الإعلام.. والهيمنة الناعمة ومواجهة البدائل» - الغني بالمعلومات والتحليلات العلمية- يقول في كتابه «العولمة ومستقبل الإعلام العربي» ص18. «يعاني النظام الإعلامي من خلل هيكلي يتمثل في تبعية مدخلات ومخرجات النظام - وعلى عدة مستويات - للدول الصناعية المتقدمة والشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي تعمل في مجال الإعلام وتكنولوجيا المعلومات فالتكنولوجيا المستخدمة في النظام الإعلامي العربي تشتري من الخارج وفي أحسن الأحوال يجري تجمعيها داخل بعض الأقطار العربية دون إمكانية حقيقية لنقل وتوطين تكنولوجيا الاتصال والمعلومات أو إنشاء صناعات عربية مستقلة على مستوي ثان فإن المضامين الإعلامية والترفيهية تستورد من الخارج ودون مراعاة لخصوصية الثقافة العربية في كل قطر». ثم يستند د. محمد شومان ص28 - 29 إلى تأثير وسائل العولمة التكنولوجية في الثقافة والسياسة التي تؤدي بالتبعية إلى التأثير السلبي في الانتماء. «أن «أنطوني جيدنز» عندما ناقش عولمة وسائل الإعلام قد أشار إلى أن عولمة الإعلام هي الامتداد أو التوسع في مناطق جغرافية مع تقديم مضمون متشابه وذلك كمقدمة لنوع من التوسيع الثقافي وأكد جيدنز على أن وسائل الاتصال التكنولوجية الجديدة جعلت من الممكن فصل المكان عن الهوية والقفز فوق الحدود الثقافية والسياسية والتقليل من مشاعر الانتساب أو الانتماء إلى مكان محدد وشدد «جيدنز» على أهمية دور الإعلام في خلق وتضخيم الحقائق اعتماداً على الصور والرموز. ونجد «هربرت شيللر» صاحب المساهمات المتميزة عن الإمبريالية الثقافية حيث يعرف عولمة الإعلام بأنها تركيز وسائل الإعلام في عدد من التكتلات الرأسمالية «عابرة الجنسيات» التي تستخدم وسائل الإعلام كحافز للاستهلاك على النطاق العالمي ويؤكد شيللر على أن أسلوب الإعلان الغربي ومضمون الإعلام يدفع إلى التوسع العالمي لثقافة الاستهلاك عبر إدخال قيم أجنبية تطمس أو تزيل الهويات القومية أو الوطنية». بقي أن نتذكر - للتاريخ - كيف دفع الصحفيون المصريون الشرفاء الأكفاء الثمن الغإلى دفاعاً عن حرية وقيم بل عن عقيدتي المصريين - الإسلامية والمسيحية -

فالصحفيون لأول مرة يسَّن لهم قانون الإحالة إلى سن المعاش في عهد الرئيس السادات. - فما السبب؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول إنه من المعلوم أن القادة الأمريكيين كانوا يعرفون تحليل شخصية الرئيس السادات الذي كان يحب إعجاب وإطراء الآخرين له كما يقول عنه صديقه منذ قبل ثورة 1952 محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية الأسبق في كتابه «السلام الضائع في اتفاقيات كامب ديفيد» ص158: «لدي السادات حاسة ومذاق الإطراء لصفاته ومميزاته وعبقرية يسمعه ويستسيغه في كل آن فإذا جاء هنري كسينجر وأخبره أنه قد قابل في آخر المطاف من يفوقه في ميدان الاستراتيجية فلا شك أن هذا يطربه ويسكره». ولكن ما علاقة ما ذكرناه عن فهم القادة الأمريكيين لشخصية الرئيس السادات وتقنين سن معاش للصحفيين؟! أسرد لكم ما سمعته: من أستاذنا كامل زهيري نقيب الصحفيين وذكرته أيضاً في مقالها الأستاذة مديحة عزت في مجلة روزاليوسف منذ سنوات في بابها «تحياتي إلى زوجك العزيز» حيث ذكرا - أن بوش الأب «وكان نائباً وقتها للرئيس الأمريكي» أقام حفل تكريم للرئيس السادات والوفد المرافق له وهنا وقف بوش الفاهم لشخصية السادات فقال مادحاً فيه: إن الله قد خلق الكون في خمسة أيام وخلق الرئيس السادات وحده في اليوم السادس ثم استراح في اليوم السابع!! وبعد ساعات من انتهاء الحفل اجتمع الرئيس السادات برؤساء تحرير الصحف القومية المرافقين له وسألهم بزهو وإعجاب بنفسه: هل أرسلتم لصحفكم ما قاله عني بوش؟ فسكتوا إلا الأستاذ موسي صبري رئيس تحرير جريدة الأخبار الذي قال: يا ريس إن أمينة السعيد - وكانت رئيسة تحرير مجلة المصور ورئيسة مجلس إدارة دار الهلال - هي التي وقفت ضد إرسال ما قاله بوش وقالت إن هذا يمس عقيدتي المسلمين والمسيحيين مما جعلنا نوافق على رأيها فنظر السادات إلى أمينة بغيظ يتطاير الشرر من عينيه ولم ينطق بكلمة ولكن بعد عودته من أمريكا يأمر بفصل أمينة السعيد من رئاسة تحرير المصور ولكن مستشاريه من ترزية القوانين قالوا له: إن فصلها سيجعلها بطلة ولكن هناك حلاً قانونياً طرحوه على السادات الذي وافق عليه قائلين له: إن الصحفيين هم الفئة الوحيدة التي ليس لها سن معاش ولكي نتخلص من أمينة السعيد يسن قانون لمعاش الصحفيين عند سن الستين مثل الفئات الأخري ولأن أمينة السعيد ستقترب بعد شهور من هذه السن فيطبق عليها هذا القانون تلقائياً دون أن نلفت النظر أنه عقاب لها من الرئيس السادات وفعلاً خرجت أمينة السعيد طبقاً لهذا القانون من منصبها إلى المعاش كما طبق من وقتها على الصحفيين في الصحف القومية حتى الآن وهو قانون ظالم جائر ظالم لمهنة سامية وللصحفيين الذين قويت وصقلت خبراتهم ويزداد عطاؤهم في التعبير عن قضايا الوطن. لن ينسي التاريخ كيف عاني الصحفيون الشرفاء الأكفاء عدم توليهم دفة قيادة الصحف القومية في عهد الرئيس مبارك الذي تم في عهده التزاوج بين الثروة الحرام والسلطة الفاسدة المفسدة فقضي على جيلين من الصحفيين لم يأخذا حقهما ودفنت مواهب وقدرات صحفية كان في إمكانها تقديم أنصع الكتابات وأقوي الأفكار وأفضل الرؤيات لبناء مصر. أنقل عن كتاب «الصحافة والحكم» للكاتب الكبير محمد العزبي الصادر عن كتاب الجمهورية أكتوبر 2015 ص139. أنقل للتأمل هذه الحكمة من التاريخ: عندما أرادت الصين أن تحمي نفسها فأقامت السور العظيم الذي لا يقدر على اقتحامه أحد غير أن الصين تعرضت للغزو أكثر من مرة دون حاجة لتسلق الأسوار المنيعة لأن الغزاة كانوا يدفعون رشاوي للحراس فيفتحون لهم الأبواب.

 

ملاحظة : المقال المنشور لا يعبر بالضرورة عن راي الصفحة او راي الحزب انما يعبر عن راي كاتبه

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0