الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | الطّاقة والسياسة والديمقراطية

الطّاقة والسياسة والديمقراطية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 عامر محسن

 

[1] 

«النفط هو رأس المال الذي أورثته للبشرية كائنات حيّة من الماضي»

جان بول سارتر

 

اذا ما اعتمدنا وجهة النظر التي عرضها تيموثي ميتشل في كتابه «ديمقراطية الكربون» (2011)، والقائلة بأنّ نظام الطّاقة في عصر الحداثة قد حدّد شكل النظام السياسي ونمط العلاقات الدوليّة ونشاط الإستعمار، فإنّ السنوات القادمة (التي ستشهد صعود أشكالٍ جديدةٍ من الطاقة على حساب النفط والوقود الأحفوري) قد تكون فاتحة عهدٍ جديد للعمران البشري.

 

بالنّسبة الى ميتشل، فإنّ الفحم والنّفط هما العماد المؤسس لا للرأسمالية الصناعية فحسب، بل للسياسات الجماعية والديمقراطية الغربية والنظام العالمي الذي نعرفه. قبل عهد الوقود الأحفوري، كان العالم يعتمد حصراً على مصادر الطاقة المتجددة، وبشكل أساسيّ طاقة الشمس (التي تتحول الى نباتات وغابات ومحاصيل ومراعٍ)؛ وكان الاقتصاد البشري يشبه نظاماً يقوم فيه عددٍ هائل من النّاس بالتشارك في جمع هذه الطاقة ونقلها، كمزارعين مثلاً، وكلّ فردٍ هنا ينتج قدراً صغيراً جدّاً من هذه الطاقة الطبيعية.

في ظلّ هذا النّظام، كانت قواعد المعاش والاقتصاد مختلفة؛ لم تكن هناك امكانية للنموّ المستمرّ بلا توقّف، فكلّ توسّع اقتصادي تحكمه دوراتٌ طبيعية تحدّه ولا يمكن تجاوزها (وتيرة تجدد الغابات والمراعي، مثلاً، ومواسم الزراعة). استغلال الوقود الأحفوري المخزّن في باطن الأرض منذ عصورٍ سحيقة، يقول ميتشل، فتح الباب على استخراج الطاقة بشكلٍ غير محدود، وامكانية النموّ بلا توقّف. بل أنّ ميتشل يدّعي أنّ مفهوم «الاقتصاد» نفسه، كمجالٍ مخصوصٍ للإنتاج والنموّ، مستقل نسبياً عن سياقه الجغرافي، وله قواعد متشابهة في كلّ العالم، قد ولد مع فتح باطن الأرض للإستعمار البشري بعد أن هيمن الإنسان على سطحها بالكامل.

 

طاقة الفحم والديمقراطية

 

الوقود الأحفوري، يقول تيموثي ميتشل، هو بمثابة وفرٍ جمعته لنا الطبيعة منذ عهودٍ سحيقة. كلّ ليترٍ من البنزين يحتاج الى 25 طناً من الكائنات البحرية، دُفنت في باطن الأرض منذ ملايين السنين، لتتحوّل الى وقود سائل. النفط الذي يستهلكه العالم في كلّ عام يوازي 400 سنة من نشاط كوكب الأرض وانتاجه للمواد العضوية (نبات وحيوان)، نستخرجه في عامٍ واحد على شكل مخزونات كربونية. بمعنى آخر، يحاجج ميتشل، فإنّ الوقود الأحفوري، فحماً ونفطاً، هو بمثابة «ضغطٍ» للزمن ولامكانيات الانتاج، بحيث يصير التوسّع الاقتصادي حرّاً من حدود الطبيعة.

الفحم أوصلنا الى الإنتاج المكثّف للفولاذ (قبله، كانت مصاهر الحديد تعتمد على الأخشاب والغابات، وكان انتاجها محدوداً بحجم هذه الموارد)، والفولاذ مع الفحم أعطيانا المحرّك البخاري، الذي سمح باستغلال مناجم الفحم العميقة ــــ وأوّل المحركات البخارية قد تمّ تصميمها، في أواخر القرن الثامن عشر، تحديداً لأجل هذه المهمة. وحين تمزج المحرّك والفحم والفولاذ تحصل على القطار والسكة الحديد، اللذين بنيا أصلاً لنقل الفحم؛ وهذه أعمدة العصر الصناعي. حُفرت شبكة هائلة من القنوات المائية في بريطانيا بين مراكز انتاج الفحم ومواقع استهلاكه لتخفيض كلفة النقل، ومع بدايات القرن التاسع عشر، كانت اوروبا الغربية قد دخلت بقوّة في عهد الوقود الأحفوري، حيث يزداد استخدام الطاقة والمحرّكات أضعافاً كلّ عشرة أعوام (وفي أواخر القرن، بدأ انتاج الكهرباء، بحيث أصبح عددٌ قليلٌ جداً من الناس، بالمئات مثلاً، ينتجون كمّاً هائلاً من الطاقة يكفي مدناً وبلداناً).

تتجاور مكامن الفحم والحديد مع تجمّعات السكّان في ثلاثة أقاليم في الغرب: بريطانيا، وحزامٌ يمتدّ من شمال فرنسا الى بلجيكا والمانيا، وجبال آبالاتشيا على الساحل الشرقي لأميركا؛ وفي هذه المناطق قامت الحداثة الصناعية. مجتمع الفحم يعني أنّه صار بالإمكان جمع أعدادٍ هائلة من الناس ــــ بالملايين وعشرات الملايين ــــ في تجمعات صناعية ومدينية، وإمدادهم بقدرٍ غير محدود من الطاقة للعمل والانتاج. ومن هذه التجمعات، يحاجج ميتشل، خرجت الديمقراطية والمطالب العمالية: اقتصاد الفحم، بما هو «شبكة» تحتوي على مفاصل وعقد (المناجم، مرافىء التحميل، سكك الحديد)، أعطى العمّال في هذه النقاط الحساسة امكانية للضغط والمطالبة والتكتّل لم يعرفها العالم من قبل (أو بعد انتهاء عصر الفحم، وصولاً الى يومنا هذا): يكفي أن يتوقّف مئاتٌ عن العمل حتى يختنق الاقتصاد. اصلاحات القيصر الألماني لقانون العمل، في أواخر القرن التاسع عشر، كانت استجابةً لإضرابات عمال المناجم، والحال مشابه في فرنسا وتحديد ساعات الدوام والضمانات الصحية. وثورة 1905 في روسيا انطلقت من حقول باكو ومشاغل السكك الحديدية فيها (حتّى في بلادنا، كان أوّل اضراب عمالي «حديث» في مصر هو لجارفي الفحم في محطة تزويد السفن في بور سعيد، أكبر محطات العالم يومها، في القرن التاسع عشر، والسعودية والخليج عرفت اضرابها الأول مع عاملي «أرامكو» وناصر السعيد).

من جهةٍ أخرى، فإنّ نشوء «ديمقراطية الكربون» في اوروبا الغربية استلزم نشاطاً غير ديمقراطيٍ بالمرّة في باقي أقاليم العالم. حتّى تزوّد هذه المراكز الصناعية في المركز الغربي بالغذاء والمواد الأوّلية، فأنت تحتاج الى استغلال قارات كاملة «بالطريقة التقليدية»، عبر استخدام طاقة الشمس، لاتتاج محاصيل من القطن والسكر والقمح تكفي المركز المتروبولي. ومن هنا بدأ «تخصيص» مناطق واسعة لمحاصيل محددة، عالية المحتوى الطاقوي: السكر في الكاريبي، القهوة في البرازيل، القطن في الهند، الخ. ولأن هذه الأقاليم كانت في غالبها زراعية وتعتمد الاكتفاء الذاتي، احتاج الأوروبيون الى انشاء بنى استعمارية حاكمة تفرض المحاصيل على المزارعين (سواء عبر بناء مجتمع من العمال\العبيد، أو عبر الاحتلال المباشر والإدارة الاستعمارية كما في الهند) وتضمن قيام هذه «التجارة» التكاملية بين المركز والأطراف.

 

طاقة الشمس اليوم

 

علي أن أوضح بأني لم أكن يوماً من المتحمّسين المبكرين لمفهوم «الطاقة المتجددة» وأنا، أصلاً، اقرأ الكثير من الأدبيات البيئية المعاصرة بتشكيك وحذر. وقد نصحت العديد من الأصدقاء في السنوات الماضية، حين أرادوا الإندفاع خلف مشاريع طاقة شمس ورياح في بلادنا، بأنّ هذه التقنيات ليست اقتصادية بعد، وانت لا تراها في اوروبا الّا لأنّ الحكومات تدفع دعماً هائلاً لتجعلها منطقية بالنسبة الى المستهلك. الّا أنّه، في السنوات القليلة الماضية، حصل تغييرٌ جذري.

للتبسيط والاختصار: بين عامي 2009 و2014، هبطت كلفة تركيب كيلوواطٍ واحد من ألواح الطاقة الشمسية من ما يقارب 8 دولارات عالمياً الى دولارين (والكلفة اليوم أقلّ بكثير). هبوطٌ في السّعر بهذا المستوى يغيّر كلّ المعادلة الاقتصادية وحدود ما هو ممكنٌ وما هو مربح. في تشيلي، أصبحت الطاقة الشمسية وفيرة ورخيصة الى درجة أن هناك أزمة لتصريف الطاقة الشمسية الفائضة، التي انهارت أسعارها. في بلدٍ مستوردٍ للوقود كالأردن، أصبح من الأوفر اقامة معملٍ على الطّاقة الشمسيّة المتجدّدة مقارنة بانتاج الكهرباء عبر الغاز أو الوقود. وفي بلدٍ كلبنان، حيث الطاقة نادرة ومستوردة وعالية الثمن، أصبحت الطاقة الشمسيّة، قطعاً، أكثر وفراً من البدائل، حتى على مستوى المؤسسات الصغيرة (وقد تطوّرت، بالتوازي مع صناعة الألواح الشمسية، تكنولوجيا بطاريات التخزين، التي ينخفص ثمنها بسرعةٍ ايضاً، وهي تسمح بتحقيق الاكتفاء عن الشبكة الكهربائية لو لزم الأمر).

هذا الإنحدار في السعر لم ينتج عن التطوّر «الطبيعي» لتكنولوجيا ألواح السيليكون، وتراكم الاستثمار الغربي فيها على مدى عقود، بل قاده قرارٌ ــــ سياسيّ في العمق ــــ اتّخذته القيادة الصينية منذ عشر سنوات، أدّى الى زيادةٍ مهولة في انتاج الألواح الشمسية الصينية، حتّى هيمنت على السوق العالمي وكسرت الأسعار. في تحقيقٍ لمجلّة «ساينتيفيك أميريكان»، تصف الدوريّة كيف أنّ أميركا، التي خلقت تكنولوجيا الألواح الشمسية وظلّت على رأسها منذ السبعينيات، لم تعد قادرةً على التنافس مع الصينيين فيما العالم يدخل عصر الطاقة الشمسية الرخيصة. الصناعة الأميركية اليوم، تقول المجلّة، تكفي بالكاد لسدّ ثلث الطلب الداخلي، ولا تنافس تقريباً حول العالم. وكالة «بلومبرغ»، ايضاً، نشرت هذا الأسبوع تقريراً عن تفكّك صناعة الألواح الشمسية في أميركا، مقابل الهيمنة الصينية، وتقول إنّ الانتاج الصيني أوصل السعر العالمي الى حدٍّ هو أدنى من تكلفة الانتاج بالنسبة الى المصانع الغربية.

لم تنبت هذه الصناعة في الصين بشكلٍ عضويّ، تقول «ساينتيفيك اميريكان»، فمصانع الألواح الشمسية هي بشكلٍ عام ضخمة وعالية المكننة؛ أي أنها تحتاج الى استثمارٍ رأسمالي كبيرٍ ولا يمكن زيادة الانتاج بالتدريج، بل عبر «قفزات» كميّة. بعد أن كانت الصين لا تملك، تقريباً، أي خبرة في انتاج الطاقة الشمسية (الصناعات الصغيرة الموجودة في البلد كانت موجّهة لاحتياجات ريفية ثانوية)، استثمرت الدولة الصينية أكثر من خمسين مليار دولار خلال فترةٍ قصيرة لتحفيز هذا القطاع؛ ثمّ أقرّت قوانين خلقت طلباً داخلياً هائلاً على ألواح السيليكون، فانفجر الانتاج والاستهلاك معاً. على الهامش: هذه القصّة توضح لنا ما يقصده كتّابٌ كسمير أمين أو علي القادري حين يحاججون بأنّ الحلف الغربي الذي يحكم العالم لا يعادي الدّول خارجه على اساس الايديولوجيا أو تعارض المصالح بالضرورة، بل هو يعادي أي «دولة» حقيقية، مستقلّة، تنبت خارجه، وينظر اليها كتهديدٍ محتمل وكهدفٍ دائم ــــ ولو لم تناصب الهيمنة العداء. لا يهمّ هنا إن كانت قومية أو اسلامية أو شيوعية، الصين أو روسيا أو ايران، فأيّ نموّ مستقلٍّ في الجّنوب يعني ــــ مباشرةً ــــ خسارة الغرب لقطاعاتٍ واحتكارات وهوامش أرباحٍ؛ وهذا لا يمكن تلافيه الا عبر «استيعاب» هذه الدول وتحديد مكانها ودورها في النظام العالمي ــــ حتى لا تفعل ما فعلته الصين في مجال الطاقة الشمسية أو الهواتف الذكية، وحتى تكون مثل الإمارات وليس مثل ايران. الغرب قرّر مصير عصر الكربون منذ بداياته الى اليوم، وقد كان تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في جانبٍ كبيرٍ منه (كما سنرى في المقال اللاحق) نتيجة لبناء هذا النظام. ولكنّ هذه الحسابات ستختلف مع عصرٍ جديدٍ للطاقة، قد يكون العالم قد دخله بالفعل. (يتبع)

 

 (2)

 

يعتبر تيموثي ميتشل أن المشكلة في النظرة الشائعة الى الطّاقة والنّفط هي أنّنا، في العموم، ندرس «مال النّفط»، وليس النّفط في ذاته. بمعنى آخر، الباحثون يتتبّعون ويدرسون النّفط حين يتحوّل الى أموال وارصدة وصفقات تجري في النّظام المصرفي، فيتكلّمون عن أثر هذه التحويلات الماليّة وتأثير «الريع» على السياسة، الخ. ولكنّهم لا يدرسون النّفط بما هو «شيء» مادّي، له خصائص فيزيائية وتقنيّة تقرّر سبل استخدامه والإمكانات التي يتيحها.

 

علي سبيل المثال، إنّ الفحم ـــــ كما أسلفنا ـــــ قد أعطى البشرية إمكانية الاستخراج غير المحدود للطّاقة (في الواقع، كان البشر يستخدمون الفحم منذ أزمنة بعيدة، ولكنّ الاستخراج كان محصوراً بالمخزونات السطحية، وحين يزيد عمق المنجم على حدٍّ معيّن، يصبح الجّهد اللازم لضخّ المياه التي تتسرّب اليه أكبر من كميّة الطّاقة التي تحصل عليها من الانتاج. ولكن، مع اكتشاف المحرّك البخاري، الذي صُمّم أساساً لتشغيل مضخّات المياه في أقبية المناجم، فُتح باطن الأرض بالمعنى الاقتصادي وأصبحت مكامن الفحم الضخمة في متناول الإنسان). من جهةٍ أخرى، فإنّ اقتصاد الفحم يعتمد على شبكات نقل وسكك حديد وعمّال تنقيبٍ وجرفٍ بالآلاف، ما أعطى هذه الأعداد من العمالة المنظّمة قدرة ضغطٍ كبرى على السّلطات السياسية والماليّة في بلادها.

النّفط، بالمقارنة، هو سائلٌ، لا يحتاج الى تحميل، ويعتمد استخراجه على الضغط الجيولوجي، وليس على الجهد البشري. لهذه الأسباب، فإنّ اقتصاد النّفط يحتاج الى عددٍ قليلٍ جدّاً من الأفراد (العمّال والخبراء) لاستغلاله ونقله وبيعه، ولا يستلزم تعاون قطاعٍ كبيرٍ من المجتمع. يمكن نقل كميّات كبيرة من النّفط، وبكلفةٍ زهيدة، في البحر على ناقلاتٍ هائلة فلا يهمّ لو كان يُنتج في الشرق الأوسط ويُستهلك في اوروبا، على عكس الفحم الذي ترتبط اقتصادياته بالجغرافيا، وتقلّ تنافسيته كلما ازدادت مسافة النقل. والنّفط، لأنّه سائل وغنيّ بالطّاقة، يمكن أن يُنقل في أنابيب بقوّة الضغط ـــــ والأنبوب الأوّل للنفط الذي تمّ تشغيله في بدايات القرن العشرين، في اميركا، بنته الشركات لتجنّب التفاوض مع سائقي الشاحنات وحتّى لا يكونوا تحت رحمتهم واضراباتهم، يروي ميتشل، ثمّ قلّدهم الرّوس في باكو.

 

أثر النّفط

 

تحويل اوروبا الغربيّة الى استهلاك النّفط بدلاً من الفحم (في انتاج الكهرباء، والتدفئة، اضافة الى الترويج للسيارات الخاصة التي تسير على الغازولين) جرى بعد الحرب العالمية الثانية كجزءٍ من بناء النّظام الدّولي الجديد؛ وقد أُتيح ذلك عبر القروض الأميركية ومشروع مارشال الذي كانت يموّل مستوردات النّفط من الشرق الأوسط (وقد كانت كلفة شراء النّفط حينذاك ثاني أكبر البنود حجماً في برنامج المعونة الأميركية). هذا التحوّل الى النّفط، يحاجج ميتشل، هو ما «أمرَك» اوروبا الغربية وقضى على سلطة العمّال فيها وأوقف، بالتّالي، تطوّرها الديمقراطي، لتحكم شعوب اوروبا الغربية عبر نظامٍ أبويّ بواجهة ليبرالية. وحين انحدر الاقتصاد في السبعينيات والثمانينيات وساءت الأوضاع، تمكّنت السلطات في بريطانيا والبرّ الأوروبي من تفكيك أو هزيمة ما تبقّى من عمّال المناجم بسهولة نسبيّة بعد أن خسر الفحم دوره المحوري، ولم تخرج مذّاك كتلة عمّاليّة أو مهنية مماثلة تقدر على التّفاوض مع النّظام أو فرض شروطٍ عليه.

ماذا عن بلادنا؟ أثر النّفط، بحسب ميتشل، لا يقتصر على الاستعمار والمطامع في منابع الذهب الأسود (كما كتب جورج قرم، لو أنّ أهمية النّفط قد تبدّت للغرب في القرن الثامن عشر بدلاً من القرن العشرين، لجرت ربّما ابادة للعرب كما حصل مع العديد من «الأقوام الأصليّة» حول العالم، ولما اكتفى الغربيون بالهيمنة السياسية وخلق الأنظمة التابعة). من خصائص النّفط أنّ الشركات والدول التي تدير انتاجه العالمي لديها، منذ الأربعينيات، مشكلة وفرة، وليس مشكلة ندرة. الإحتياطات التي تمّ اكتشافها في بداية القرن كانت كفيلة، لو تمّ استغلالها في وقتٍ واحد، بضرب السّوق النفطية وأسعارها وإخراج الكثير من الحقول المنتجة من العمل. من هنا، كان الهمّ الدائم للشركات الكبرى متمحوراً حول «خلق الندرة» في سوق النفط، والتحكم بالانتاج والأسعار حتّى تظلّ الصناعة مربحة. على سبيل المثال، حين بدأت اوروبا باستيراد كميات كبيرة من النفط الخام، كان هذا الإنتاج يأتي أساساً من الحقول «الجديدة» في الشرق الأوسط؛ وكلفة استخراج النفط في الشرق الأوسط أقلّ بكثير مما هي عليه في تكساس، فقامت الشركات بخلق بنية تسعيرية تسمح ببيع النفط العربي بسعرٍ يفوق كلفة استخراجه بأضعاف ـــــ حتى يظل النفط الأميركي اقتصادياً ـــــ واحتفظت الشركات بالفارق الكبير بين السعر والتكلفة على شكل أرباح.

من نفس المنطلق، يحاجج ميتشل، كان من الضروري لهذه الشركات الغربية أن تمنع صعود صناعات نفطية محلية في الشرق الأوسط وباقي دول الجنوب. لو خرجت صناعة نفطية مستقلة في العراق، وفي السعودية، وفي ايران، وغيرها في آنٍ واحد، لما عاد بالإمكان تنسيق الإنتاج والأسعار بشكلٍ مركزي (فكلٌ بلد سيعتمد السياسة التي تناسبه)، وستخرج الكثير من الحقول من دائرة الربحية، وستخسر اميركا عنصراً أساسياً من عناصر قوتها السياسية والمالية. لهذا السبب كان تاريخ النفط في المنطقة العربية، منذ الخمسينيات، هو تاريخ صراعٍ بين حكومات وحركاتٍ محلية تريد إدارة الثروة على المستوى الوطني، وبين شركاتٍ عالمية لها حسابات مختلفة، فتقنّن الإنتاج العراقي لصالح حقولها الأميركية، وتمنع العراقيين من استغلال حقولٍ نفطية اكتشفت في أرضهم وأبقتها هذه الشركات بوراً عن قصد، وتستخدم كل الوسائل ـــــ من الدبلوماسية والمؤامرات الى الجيوش والغزو ـــــ لمنعنا من استيراد تكنولوجيا النفط وتأصيلها وقيام شركاتٍ وطنية فاعلة ومستقلّة. هذه الأهداف السياسية للغرب، والتدخلات والانقلابات والحروب التي استلزمتها، كان لها أثرٌ على منطقتنا وتاريخنا المعاصر لا يقلّ أهمية عن ريوع النفط وأمواله.

 

العهد الشمسي

 

حتّى نكون واضحين: بعض التوصيفات الشعبية عن «نهاية عهد النفط» تبسيطية وغير واقعية. لن يحصل «انقلاب» واختفاءٌ للنفط والوقود الأحفوري فجأةً، خلال سنةٍ أو عشر، حين تصبح الطاقات البديلة اقتصادية أو نتيجة «نضوب» النفط من مكامنه. هذه العمليات تأخذ وقتاً طويلاً وأهميّة النفط ستستمرّ حتّى حين تدخل طاقات بديلة الى السّوق بقوّة (طالما أنّه وقود سائلٌ ومفيد، ستظلّ له «قيمة استعمالية» في أي عصر، ومحرّك الإحتراق الداخلي يحتاج الى النفط. وحتى لو راجت السيارات الكهربائية مستقبلاً، فإنّ عشرات ملايين السيارات التي تنتج في آسيا في كلّ سنة، وتسير على الغازولين، ستظلّ في الإستخدام لعقود قادمة ـــــ السيارة التي تصنع هذه السنة في الصين ستصدّر مستعملةً الى فييتنام بعد عشر سنوات، ثمّ ستجدها وهي تسير في تايلاند، وقد تتقاعد في الريف الكمبودي بعد نصف قرن من اليوم). ولكنّ عصر الوقود الأحفوري له حدّان، كما يقول ميتشل: أنّ الإحتياطات الموجودة لا بدّ لها أن تُستنزف في نهاية الأمر، ويصير استخراج النفط أكثر كلفةً وأقلّ اقتصادية بشكلٍ تدريجي، و ـــــ ثانياً ـــــ أنّ حرق مليارات الأطنان من النفط والفحم كان له ثمنٌ باهظ على البيئة قد يضع البشرية أمام خيارٍ بين اعتماد مصادر مختلفة للطاقة، والحدّ من انبعاث الكربونات في الجوّ، أو المخاطرة ببقاء الجنس البشري.

بتعابير أخرى، سيحصل ـــــ مع الزمن ـــــ ارتفاعٌ تدريجي في ندرة النفط وكلفة استخراجه بالتوازي مع انخفاض كلفة طاقاتٍ بديلة ومتجدّدة، تأخذ ـــــ شيئاً فشيئاً ـــــ مكان النفط والفحم والغاز في المزيج العالمي للطاقة. ومن هنا يُطرح السؤال الأساسي: ما سيكون شكل المنظومة السياسية في عهد «ما بعد الكربون»؟ وما هو مكان دولنا فيها؟ مثل الفحم والنفط، فإنّ الشمس والرياح والطاقة المائية ليست موزّعة على أقاليم العالم بالتساوي، وهي ليست قابلةً للشحن والنقل كالوقود السائل، وستكون هناك خريطةٌ جديدة للدول «الثرية بالطاقة» وتلك التي تفتقر اليها وسيعتاد العالم على حدودٍ وقواعد جديدة للنموّ الإقتصادي (خطة الصين لإنشاء شبكة عالمية لتوزيع الكهرباء، تنقل الطاقة من دولٍ ثرية بالطاقة المتجددة الى دولٍ كثيفة السكان، يجب أن تُقرأ من هذا المنظار).

التكنولوجيا هنا ايضاً حاسمة: على عكس ما يتصوّر الكثيرون، فإن الصحراء العربية، رغم السطوع الدائم لشمسها الحارقة، ليست مكاناً «مثالياً» لزرع الألواح الشمسية. ألواح السيليكون، في الحقيقة، تنخفض كفاءتها بسبب عاملين: أوّلاً، الحرارة المحيطة، فكلما ارتفعت حرارة الجو عن الثلاثين درجة، انخفضت فعالية الألواح بشكلٍ كبير (حين تمّ بناء محطة شمسية في الأردن مؤخراً، اختار المهندسون صحراء صخرية مرتفعة، تقلّ الحرارة فيها عن الغور أو البادية)؛ والعائق الثاني هو الرمال، التي تتراكم على الألواح أو تنبعث في الجوّ على شكل عواصف غبار، فهي ايضاً تقلّل من استيعاب أشعة الشمس بصورةٍ فادحة. ولأنّ الصحراء ليس فيها الّا قيظٌ ورمال، فإنّ وضع ألواح سيليكون في صحراء السعودية قد لا يكون أكثر فعالية، من جهة الانتاج السنوي الإجمالي، من تركيبها في شمال اوروبا أو المانيا. في الواقع، فإنّ المكان المثالي لاستثمار الطاقة الشمسية، والموقع الأكثر اقتصادية لتكنولوجيا ألواح السيليكون، هو تحديداً في بلادنا: ساحل الشام وفلسطين ولبنان واليونان وجنوب تركيا، حيث الشمس تسطع طوال السنة والحرارة منخفضة نسبياً، ولا توجد صحراء وعواصف رمال.

ولكن الألواح الشمسية ليست الّا طريقةً واحدة لـ «حصد» طاقة الشمس (هناك تكنولوجيا ألواح لا تعتمد على السيليكون، وكانت تنافسها لسنوات، وهي أقلّ تأثراً بالحرارة والجو الصحراوي، ولكن الفترة الأخيرة شهدت انحداراً قياسياً لكلفة ألواح السيليكون دون غيرها)، وهناك عدّة تقنيات تجعل من الصحراء مصدراً للطاقة، بل ومرتعاً للحياة والزراعة. من الممكن توجيه أشعة الشمس عبر نظام مرايا يسخّن المياه وينتج البخار والكهرباء (والمحطات الشمسية الكبيرة التي تستثمر فيها اوروبا في المغرب هي من هذا النمط)، وهناك أفكارٌ لأبراجٍ شمسية عملاقة، وتصاميم تخلط بين انتاج الكهرباء وتحلية المياه والزراعة، وهي بالغة الأهمية لمنطقتنا ولكنّ الاستثمار فيها شبه معدوم، وقد لا تشهد النور قط إن لم تظهر على أرضنا حكوماتٌ تعمل لصالح شعوبها، وتسخّر مواردها في خدمتها، وتجد لها مكاناً في العالم (حتّى في الأمور الصغيرة، وفي بلدٍ تنقطع فيه الكهرباء باستمرارٍ مثل لبنان، لم يفكر أحدٌ بنشر شواحن كهربائية للهواتف والحواسيب تعمل على الطاقة الشمسية).

من هنا، فإنّ العصر الجديد للطاقة، والتقاطع بين السياسة والتقانة، قد يأخذ في بلادنا أكثر من شكل: هو قد يتيح للمنطقة العربية أن تصبح اقليماً صناعياً، غنياً بالطاقة الرخيصة وتنافسياً على مستوى العالم. كما أنّ طبيعة الطاقة المتجددة تسمح، الى جانب المشاريع الكبرى، بانتاج حاجة الفرد من الكهرباء على مستوى العائلة والمحلّة، بشكلٍ يزيد من استقلال الناس مقابل الدولة، ويفتح امكانيات للتعاون المباشر والاعتماد المتبادل بين أفراد المجتمع. من جهةٍ أخرى، من الممكن بسهولةٍ تخيّل مستقبلٍ لا يختلف كثيراً عن عصر النّفط الحالي، حيث تُقام مزارع الطاقة الشمسية على أرضنا، برساميل غربية وبالتقنيات التي تناسبهم، لتذهب الكهرباء الى اوروبا لتغذّيها، فيما تحكمنا سلالاتٌ «شمسيّة» موالية للغرب، تلهو بأموال الريع وتترك للشعب الفتات والتخلّف.

 

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0