الرئيسية | الأخبـــار السياسية | مقــالات | قراءة في المؤتمر القومي العربي الثالث والعشرين

قراءة في المؤتمر القومي العربي الثالث والعشرين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

فؤاد زيدان

 


توفرت للمؤتمر القومي العربي الثالث والعشرين افضل الأجواء الممكنة لحسن الأداء في تونس ، كما جاء المؤتمر في لحظة هامة من حياة الأمة كانت كفيلة بتحويله الى واحد من أنجح المؤتمرات وأكثرها تأثيرا ودفعا لمسيرة مشروع النهوض العربي ، وذلك بعد ما يقرب من مسيرة عام ونصف من عمر موجة الاحتجاجات العربية الشاملة التي بشرت بإمكانية قيام الشعب العربي بإعادة رسم حياته في وطنه الكبير بعد عقود من الاقصاء والترويع والتهميش واستلاب الارادة .
لكن ما حصل على أرض الواقع خلال ثلاثة أيام من انعقاد المؤتمر كان محزنا ومروعا ، وبدا وكأنه لحظة نهاية وليس لحظة بداية متجددة لهذا التجمع ، وبدل أن يساهم برسم المستقبل الجديد بدا مثقلا بتبعات تشده الى الخلف ، ومتصادما ليس فقط مع المحاور الستة لمشروع النهوض القومي في الوحدة والديموقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والتجدد الحضاري ..وانما متصادم أيضا مع كل دعواته للجماهير العربية خلال 23 عاما من المؤتمرات للقيام بدورها في تغيير حياتها بما يتوافق مع مصالح الأمة والوطن ..وذلك ما دفعني مرارا وتكرارا الى المطالبة بإضافة محور سابع الى المحاور الستة لمشروع النهوض تلخصه الآية الكريمة :" يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون "
ومنذ اليوم الأول للمؤتمر بدا أن الحوارات سقيمة ولا تتناسب مع أهمية اللحظة التاريخية التي تمر بها الأمة ، وباستثناء كتاب حال الأمة الذي بذل فيه جهد تحليلي واستشرافي مفيد لكنه لم يحظ بأي اهتمام أو دراسة وتم توزيعه خلال المؤتمر نفسه ، فان بقية الأوراق المقدمة غلب عليها طابع العموميات والشعارات التي تجتر الماضي ولا تقدم جديدا ، ولا تهتم الا بالدفاع عن أنظمة وادانة أخرى باستخدام مكاييل متعددة .. كما بدت معظم الحوارات مع الأسف وكأنها تتوجه الى خارج المؤتمر لتسمع من لا يهتم بسماعها بدل أن تسعى لرؤية قومية مشتركة تتفاعل ايجابيا مع ما يجري في الساحة العربية
وهكذا أضاع المؤتمر فرصة ذهبية حين اختار الخروج من التاريخ بدل محاولة الدخول الى قلبه وقلوب الجماهير العربية ..وعلى سبيل المثال بدل ان يهتم بجدية في مناقشة أسباب الخلل في العلاقة بين القوميين والاسلاميين وما أدت اليه من كوارث ناجمة عن الانغلاق والتقوقع ومحاولات الاستئثار وأسر عقد الماضي ..اختار تحويل هذا الأمر الى ورشة عمل تعقد في المستقبل بينما يتسرب هذا المستقبل من بين أصابع الجميع ، ومن الغريب أن يدعو البيان الختامي أيضا الى ورشة عمل حول استنهاض التيار القومي ..بعد كل ما جرى ويجري على الأرض العربية
الأسوأ من ذلك كله أن المؤتمر اختار في الأزمة السورية أن يتجاهل كل الوقائع الدامية التي تحدث على الأرض السورية ، وأن يغمض عينيه عن خمسة عشر ألف قتيل هناك وعن عشرات آلاف المصابين والمعتقلين ، وأن يلجأ الى العموميات كقوله : "وتصميم أطراف متعددة على الحل الأمني " بدل تسمية الأمور بأسمائها وتحميل النظام مسؤولية اختيار الحل الأمني الذي أدى لتحويل الأزمة من حركة احتجاجات سلمية كان من الممكن استغلالها في التغيير الايجابي لمصلحة كل الوطن .. الى الدخول في دوامات العنف والقتل وما أدت وتؤدي اليه من آلام ومعاناة وخسائر مادية ومعنوية ضخمة ، والى فتح بوابات عريضة لعودة التدخلات الخارجية وتحويل سوريا الى ساحة للصراعات وتسوية الحسابات الدولية والاقليمية على حساب دم ومصالح الوطن ..وفتح البلاد على المأزق الخطير الذي تعاني منه الآن .
.ترى لو كان كل الناصحين صادقون ..ألم يكن من الممكن اطفاء نار ستأكل حتى من أوقدها في سوريا ؟ولو صدق المداحون بغير الحق الآن ، ونصحوا بالحق ، ألا يساهمون بفتح بوابات الأمل على حلول جادة وممكنة تستجيب لتطلعات الشعب العربي السوري التي يصفونها بالمشروعة ..ويحافظون بالتالي حقا لا قولا على سوريا العربية الحرة الديموقراطية المقاومة ؟
لقد آن الأوان للتغيير الشامل في المؤتمر القومي العربي ، ولانتهاء مرحلة توزيع الادانات والتمنيات الانشائية التبشيرية في كل اتجاه لمصلحة تفكير قومي جاد يبحث عن حلول للأزمات ويلتزم بمصالح الشعوب والأمة فوق المصالح الفئوية والحزبية والقطرية الضيقة المغلفة بلبوس قومي أو ديني أو تقدمي .
.لكن المشكلة أن المؤتمر القومي العربي الثالث والعشرين بدا عاجزا عن القيام بتقديم أية رؤية ايجابية ، وذلك ما دفع أحد الأعمدة المؤسسين فيه ليقول لي بحق : ان مستوى تركيبة وفاعلية المؤتمر القومي العربي قد تراجعت كثيرا وأنه بات بحاجة لعملية قيصرية صعبة لاستعادة دوره وفاعليته ..وحين سألته هل هذا ممكن الآن أكد استحالة ذلك في ظل هيمنة تيار فئوي يعمد لتوظيفه فرديا وفئويا وقطريا ..فهل تنشأ في المؤتمر حركة تغيير جادة نحو ما ينفع الناس في الأمة ..أم يتحول المؤتمر الى صدى لقوى وشخصيات معزولة عن أمتها بينما تنبت قوى سياسية جديدة من رحم المعاناة ؟ ذلك هو التحدي.. وللحديث بقية ان شاء الله

مع تحيات فؤاد زيدان

 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0