الرئيسية | اقتصاد وأعمال | الاقتصاد السوري بين اقتصاد الحرب واقتصاد الكوارث

الاقتصاد السوري بين اقتصاد الحرب واقتصاد الكوارث

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الاقتصاد السوري بين اقتصاد الحرب واقتصاد الكوارث

د. يَحيَى السَّيِّد عُمَر_ مسارات للتنمية السياسية

 

يعتبر مصطلح اقتصاد الحرب من المُصْطَلَحاتِ الاقْتِصاديّةِ القَديمةِ نِسْبيًّا، فأول ظهور لَهُ كانَ في إِبّانِ الحَرْبِ الأهلية الأَمْريكيّةِ 1861– 1865م، وترسخ هذا المبدأ خِلالَ الحَرْبِ العالَميّةِ الثّانيةِ، وقد ظَهَرَ هذا الاقْتِصادُ وبِقُوّةٍ خِلالَ الأَزْمةِ السُّوريّةِ وهذا ما أَدَّى إلى خَلَلٍ هَيْكَليٍّ في الاقْتِصادِ الكُلّيِّ والجُزْئيِّ.

يُشيرُ اقْتِصادُ الحَرْبِ إلى مَجْمُوعةٍ من إِجْراءاتِ الطَّوارِئِ الَّتي تَتَّخِذُها الدُّوَلُ لِتَعْبِئةِ مَوارِدِها الاقْتِصاديّةِ خِلالَ الحَرْبِ، وذلك بِوَضْعِ نِظامٍ لِإِنْتاجِ وتَعْبِئةِ المَوارِدِ واسْتِخْدامِها الإِنْفاقِ العَسْكَريِّ، ويُلْجَأُ لهذا الاقْتِصادِ خِلالَ الحُرُوبِ أو قَبْلَها من خِلالِ وضْعِ أُسُسِ التَّعْبِئةِ لِأَيِّ طارِئٍ عَسْكَريٍّ.

تعتبر التجربة الأَمْريكيّةُ والأَلْمانيّةُ أَفْضَلَ التَّجارِبِ الدَّوْليّةِ في إِدارةِ اقْتِصادِ الحَرْبِ، فَفي الحَرْبِ العالَميّةِ الثّانيةِ تَمَكَّنَت كِلا الدَّوْلَتَيْنِ من تَوْجيهِ مَوارِدِهِما لِتَحْقيقِ الأَهْدافِ العَسْكَريّةِ، واللّافِتُ في هاتَيْنِ التَّجْرِبَتَيْنِ أَنَّ إِدارَتَهُما تَمَكَّنَت من تَشْغيلِ المَكِنةِ العَسْكَريّةِ ومن تَحْقيقِ مُسْتَوَى تَشْغيلٍ عالٍ، فَكِلا الدَّوْلَتَيْنِ لَم تُعانيا من البِطالةِ في ذُرْوةِ الحَرْبِ.

يَخْتَلِفُ اقْتِصادُ الحَرْبِ في حالةِ الحُرُوبِ الخارِجيّةِ عن الدّاخِليّةِ، فَفي الحُرُوبِ الدّاخِليّةِ غالِبًا ما يَتِمُّ تَدْميرُ الاقْتِصادِ من خِلالِ اقْتِصادِ الحَرْبِ، كَوْنَ مُخْتَلِفِ الأَطْرافِ المُتَحارِبةِ تَسْعَى لِتَسْخيرِ المَوارِدِ الاقْتِصاديّةِ لِخِدْمةِ أَهْدافِها الخاصّةِ، وغالِبًا ما يَدْفَعُ الأَفْرادُ الثَّمَنَ الاقْتِصاديَّ لِهذه السّياساتِ الاقْتِصاديّةِ.

اقْتِصادُ الحَرْبِ بِمَفْهُومِهِ العامِّ مُخْتَلِفٌ عن الاقْتِصادِ المُرافِقِ للأَزْمةِ السُّوريّةِ، فَهو يُعْتَبَرُ حالةً خاصّةً، فباتَ أَقْرَبَ لاقْتِصادِ الكَوارِثِ وعلى الرَّغْمِ من وُجُودِ عِدّةِ أَطْرافٍ مُتَحارِبةٍ فإِنَّ المَوارِدَ الاقْتِصاديّةَ بغالِبيَّتِها كانَت مُسَخَّرةً لخِدْمةِ طَرَفٍ واحِدٍ وهو النِّظامُ، والَّذي اسْتَنْزَفَ مَوارِدَ البِلادِ الاقْتِصاديّةَ لِتَمْويلِ آلَتِهِ العَسْكَريّةِ.

التَّحَوُّلُ الرَّئيسيُّ لِلاقْتِصادِ السُّوريِّ إلى اقْتِصادِ الحَرْبِ بَدَأَ عامَ 2013م عِنْدَما بَدَأَ النِّظامُ بِتَحْويلِ المَوارِدِ الاقْتِصاديّةِ لِخِدْمةِ الآلةِ العَسْكَريّةِ، واسْتَمَرَّ هذا الاقْتِصادُ في الانْتِشارِ في ظِلِّ زيادةِ حِدّةِ العَمَلِ العَسْكَريِّ وتَوَسُّعِ نِطاقِ المُواجَهاتِ، ليُسَيْطِرَ في عامِ 2016م على ما تَبَقَّى من الاقْتِصادِ السُّوريِّ المُدَمَّرِ.

نَجَحَ النِّظامُ السُّوريُّ في اسْتِغْلالِ مَفْهُومِ اقْتِصادِ الحَرْبِ لِتَحْقيقِ أَهْدافِهِ، الدّاخِليّةِ والخارِجيّةِ، فجُزْءٌ من مَوارِدِ الدَّوْلةِ السُّوريّةِ وُجِّهَت لِإِرْضاءِ الحُلَفاءِ كعُقُودِ الاسْتِثْمارِ الَّتي مُنِحَتْ لِلرُّوسِ، كاسْتِثْمارِ مَرْفَأِ طَرْطُوس واسْتِثْمارِ مَناجِمِ الفُوسْفاتِ، ومِمّا لا شَكَّ فيه أَنَّ هذه التَّضْحيةَ بالمَوارِدِ عَزَّزَتْ من ولاءِ الحُلَفاءِ إِلّا أَنَّها أَضَرَّتْ بِاقْتِصادِ الدَّوْلةِ السُّوريّةِ.

جُزْءٌ من مَوارِدِ الدَّوْلةِ السُّوريّةِ تَمَّ تَوْجيهُها لِتَمْويلِ الميليشْياتِ المَحَلّيّةِ المُواليةِ لِلنِّظامِ، كعُقُودِ حِمايةِ آبارِ النِّفْطِ واسْتِغْلالِ المَعابِرِ والسَّيْطَرةِ على الحَواجِزِ وغَيْرِها، والَّتي أَفْرَزَت طَبَقةً ثَريّةً من أُمَراءِ الحَرْبِ المُوالينَ لِلنِّظامِ، وهذا التَّخْصيصُ للمَوارِدِ تَرافَقَ بمَظاهِرِ ثَراءٍ فاحِشٍ وبِنِسَبِ فَقْرٍ مُدْقِعٍ جاوَزَت نِسْبَتُهُ 90% من السُّوريّينَ.

إِنَّ تَوْزيعَ مَوارِدِ الدَّوْلةِ السُّوريّةِ بين حُلَفاءِ النِّظامِ في الدّاخِلِ والخارِجِ أَدَّى لِظُهُورِ اقْتِصاديٍّ حَرْبٍ، الأَوَّلُ اقْتِصادٌ داخِليٌّ والآخَرُ خارِجيٌّ، والتَّداخُلُ بَيْنَ هَذَيْنِ الاقْتِصادَيْنِ كانَ مُدَمِّرًا لِلاقْتِصادِ السُّوريِّ، وهُنا يُمْكِنُ تَشْبيهُ هَذَيْنِ الاقْتِصادَيْنِ بحَجَرَيِ الرَّحَى، فَهُما مُتَلاصِقانِ ومُتَعاوِنانِ في تَفْتيتِ الاقْتِصادِ السُّوريِّ.

العَديدُ من المَظاهِرِ السَّلْبيّةِ في المُجْتَمَعِ السُّوريِّ لا سيَّما في مَناطِقِ سَيْطَرةِ النِّظامِ يُمْكِنُ عَزْوُها لِسياساتِ اقْتِصادِ الحَرْبِ الَّتي مارَسَها النِّظامُ، ولَعَلَّ الحَدَثَ الأَخيرَ الَّذي تَمَثَّلَ في شِراءِ سَيّاراتٍ من قِبَلِ بَعْضِ المُتَنَفِّذِينَ في بيئةِ النِّظامِ والَّتي قُدِّرَ ثَمَنُها بما يَفُوقُ مِلْيارَ لَيرةِ سُوريَّة، في ظِلِّ أَزْمةِ خُبْزٍ خانِقةٍ، فاقْتِصادُ الحَرْبِ سَبَّبَ هُوّةً اجْتِماعيّةً حادّةً في المُجْتَمَعِ السُّوريِّ.

اقْتِصادُ الحَرْبِ بِمَفْهُومِهِ العامِّ قَضيّةٌ إيجابيّةٌ، فهو يُمَكِّنُ الدَّوْلةَ من تَعْبِئةِ مَوارِدِها لِمُواجَهةِ التَّهْديداتِ الخارِجيّةِ، وغالِبًا ما يَنْعَكِسُ نَماءً اقْتِصاديًّا بَعْد نِهايةِ الحَرْبِ، إِلّا أَنَّهُ في سُورْيا قَضيّةٌ سَلْبيّةٌ بالمُطْلَقِ، فَقد عَمِلَ على تَخْصيصِ المَوارِدِ لِفِئةٍ سياسيّةٍ مُحَدَّدةٍ مُقابِلَ دَمارٍ شِبْهِ تامٍّ للمُجْتَمَعِ ولِلدَّوْلةِ كَكُلٍّ.

في ظِلِّ حُكُومةِ النِّظامِ لَم يَتِمَّ تَخْصيصُ المَوارِدِ فَقَط لصالِحِ الآلةِ العَسْكَريّةِ، بَلْ تَمَّ تَدْميرُ المَوارِدِ الَّتي لم يَتَمَكَّنْ النِّظامُ من السَّيْطَرةِ عليها، كتَدْميرِ المُدُنِ الصِّناعيّةِ الرَّئيسةِ وإِلْحاقِ الضَّرَرِ بالزِّراعةِ والمُنْشَآِتِ الإِنْتاجيّةِ، وهذا يُعْتَبَرُ مُعاكِسًا بِالمُطْلَقِ للغايةِ الَّتي ظَهَرَ لِأَجْلِها مَفْهُومُ اقْتِصادِ الحَرْبِ.

إِنَّ دُخُولَ الاقتصاد السوري مَرْحَلةَ التَّعافي المُبَكِّرِ يُحَتِّمُ العَمَلَ على السَّيْطَرةِ على اقْتِصادِ الحَرْبِ وهذا الأَمْرُ مَرْهُونٌ بِالجُهُودِ السّياسيّةِ، فَلا بُدَّ من عَوْدةِ المَوارِدِ السُّوريّةِ لِلدَّوْلةِ وأَلّا تَسْتَأْثِرَ بِها حُكُومةُ النِّظامِ وتُوَجُّهُها لخِدْمةِ الآلةِ العَسْكَريّةِ المُوَجَّهةِ لِقَتْلِ وتَهْجيرِ السُّوريّينَ.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع