الرئيسية | دراســـــات | سياسية | العَسْكرُ في الشّام - ملامح من خطة حكّام دمشق لعَسْكرة الثورة السورية -

العَسْكرُ في الشّام - ملامح من خطة حكّام دمشق لعَسْكرة الثورة السورية -

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

محمد حيان السمان الحوار المتمدن - العدد: 3747 - 2012 / 6 / 3 - 01:10 المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية

 

 

 

 

 

 



في مقاربتنا التالية لا بد من التأكيد بداية على منطلق هام وأساسي نعتمده هنا, من شأنه تنظيم التفكير في مجمل القضايا المطروحة حول موضوع عسكرة الثورة السورية وتسليحها, والتدبر في أبعاد هذه المسألة, ومساراتها المحفوفة بالمخاطر والإشكالات, التي لن تقتصر على راهن الثورة وحراكها الشعبي الحالي فحسب, إنما تطال مستقبلَها أيضاً, أي مستقبل سوريا القادم مجتمعاً ودولة ونظاماً سياسياً. أو كما عبّر الفرنسي – جان بيار فيليو – في حوار مع ليبراسيون " إن سقوط بشار الأسد لا ريب فيه, ولكن درجة عسكرة عملية إسقاطه سوف تحدد وجه سوريا المقبل ".

 

يقول هذا المنطلق : إن عسكرة الثورة, وحرْفها عن السلميّة باتجاه اللجوء إلى العنف والسلاح, كان مطلباً جوهرياً وحاسماً للنظام نفسه منذ البداية, ويكاد يشكّل مسألة حياة أو موت بالنسبة لنظام يقوم أساساً على الترهيب والقمع وتزوير الحقائق, وليس لديه – على الإطلاق - ما يقدمه على مستوى الشرعية السياسية والدستورية والإصلاح المجتمعي والسياسي.

 

من هنا فإن هذه المقاربة تعتبر أن عسكرة الثورة السورية, وتوغلها أكثر في انتهاج أسلوب العنف, هو أمر لا يبعدها – فحسب - عن الطبيعة البنيوية الأصلية للثورة بوصفها حراكاً شعبياً سلمياً, بتعبيرات مدنية خالصة, ويحمل مطالب وأهدافاً ديمقراطية؛ وإنما تساهم أيضاً – أي العسكرة - في الدفع بالثورة إلى أن تتموضع في الملعب المفضّل للنظام, بوصفه نظاماً أمنياً تتجلى فعاليته وخبراته المتراكمة منذ عقود, في ساحة القمع والمواجهة العسكرية مع شعبه.

 

لقد دأبت – مؤخراً - نخبٌ سياسية وثقافية سورية معارضة, على القول : إن المكون العسكري في الثورة السورية بات أمراً واقعاً ولم يكن خياراً, وليس من المفيد الآن رفضه أو إنكاره, بل يجب العمل على ضبطه وتنظيمه. إنّ هذا القول يقفز – كما سيتضح – على حقيقة أن هذه الصيرورة كانت منذ البداية هدفاً مركزياً للنظام, الذي عمل طوال الأشهر الماضية على خلق الشروط والمقدمات التي كفلت تحققه أخيراً. وبالتالي فإن نقد العسكرة هو جزء من نقد النظام وألاعيبه الأمنية والإعلامية, مما يمهد للكشف الكامل عن البنية القمعية التلفيقية لهذا النظام ذي الطبيعة المميزة.

 

 

 

* * *

 

 

 

 

 

منذ بداية الثورة, كان النظام يستبطن في معالجته الأمنية لأزمته المتفاقمة, تلك المواجهات العنيفة مع الأخوان المسلمين في الثمانينيات من القرن الماضي. كان يمتلك كلّ الخطط الأمنية والعسكرية التي وضعها ونفذها لاحقاً ضباطُ النظام ومستشارو الأسد الأب الأمنيون. وكان واضحاً أن النظام قرر تطبيق تلك الخطط نفسها للخروج من أزمته الراهنة, كما حصل سابقاً وتمكن من النجاة قوياً راسخَ السيطرة. لكن ما كان ينقصه للبدء بالتنفيذ هو وجود طرف مسلح بملامح أصولية دينية. وهو عنصر أساسي وحاسم لضمان نجاح السيناريو الدموي. أمام ذلك لم يجد النظام – في البداية – بُدّاً من اختراع ذلك الطرف – إعلامياً وأمنياً -, والتعامل مع حالة وجوده المختَرَعة المزعومة كأمر واقع وحقيقي. وهنا بدأ إعلامه بالترويج لوجود – عصابات إرهابية مسلحة- , مما يعكس ضغط الحاجة الشديد إلى وجود هذا العنصر الأساسي, من أجل البدء في تطبيق سيناريو الثمانينيات.

 

إن الرجوع إلى الخطاب الإعلامي للنظام في الأسابيع الأولى للثورة, وبخاصة بعد اتساع نطاقها باتجاه وسط سوريا – حمص وتلكلخ – وشمالها – جسر الشغور وجبل الزاوية – يبيّن لنا الترداد المستمر في ذلك الخطاب لثنائية : الجيش الوطني / العصابات الإرهابية المسلحة, جيشنا الباسل/ الجماعات المسلحة...الخ, مع إشراك متعمّد للجمهور في تأكيد وتبنّي هذه الثنائية, من خلال استغاثات – مزعومة - يطلقها المواطنون أنفسهم – على الهواء مباشرة – تطالب الجيش الوطني بإنقاذهم من ( العصابات المسلحة), وذلك في سياق حملة إعلامية محمومة مهدت آنذاك لإجراءات عسكرية اتسمت بالعنف والقسوة, خاصة في جسر الشغور. إن هذه الثنائية تكثف في الواقع الملامحَ الأساسية للخطة الاستراتيجية التي وضعها النظام وجهّز نفسه للعمل بمقتضاها في مواجهة الثورة السلمية. بحيث أن كل الإجراءات القمعية التالية, والموجهة أساساً للجم الحراك السلمي والقضاء على الثورة, واستعادة المجال العام من شاغليه الجدد, ستتخذ طابع الحرب العسكرية الشرسة التي يقودها الجيش والشعب معاً ضد عصابات مسلحة مزعومة.

 

لكن, وبموازاة الادعاء والتلفيق الإعلامي – الأمني بداية , حول وجود عصابات مسلحة تقوم بأعمال عنف ضد الدولة والمجتمع, كان النظام قد بدأ سعياً محموماً وممنهجاً ومنظماً من أجل خلق هذا الوجود حقيقة وبالفعل, وعدم الاكتفاء بالادعاء والكذب والتلفيق الإعلامي والأمني, الذي لن يثبت طويلاً أمام الحقائق على الأرض. كان يمكن لهذه الكذبة أن تحقق متطلبات تحرك عسكري - أمني سريع وأولي, لكنها لم تكن تفي بالغرض من أجل خطة استراتيجية تعمل باستمرار في مواجهة الثورة, وتكفل دائماً خلق مبررات التنكيل بالمتظاهرين ولجم الحراك والسيطرة على المجال العام.

 

كان لابد – إذاً – من خلق الظروف المواتية لظهور ذراع عسكرية للثورة, ترتبط بها وتُكْسبها تدريجياً سمة العَسْكرة والعنف. و لتحقيق ذلك كله أعد النظام وطبّق خطة متكاملة ومنتظمة أسفرت بالفعل عن تحقيق هذا الهدف الذي يُعتبر إنجازاً حاسماً للنظام, أسهم في تمكينه من الإمساك من جديد بزمام المبادرة, بعد فترة ارتباك وتخلخل واضحين أبداهما النظام أمام انطلاق وانتشار الثورة الشعبية السلمية الشجاعة وغير المتوقعة.

 

و في المقابل أسهم تحقيق ذلك الهدف بإرباك الثورة, وتراجع حراكها السلمي, وتفكيك حاضنها الاجتماعي, وتنحي محتواها السياسي القائم على مطلب الديمقراطية والدولة المدنية, لصالح مطلب إسقاط النظام بأي شكل. فضلاً عما تكبده السوريون من خسائر بشرية ومادية هائلة وفظيعة. وسوف أستعرض الآن أبرز العناصر التي قامت عليها خطة النظام من أجل استدراج الثورة إلى العسكرة وحمل السلاح, عوضاً عن الاستمرار في نهجها الأساسي القائم على السلمية والتعبيرات المدنية الخالصة.

 

 

 

* * *

 

 

 

الخطوة الأولى باتجاه ذلك الهدف ( أو الفخ الاستراتيجي كما عبّر الكاتب ميشيل كيلو) تمثلت في استخدام العنف والقسوة بمستويات عالية ضد المتظاهرين, وبأسلوب استفزازي يقوم على مزيج التنكيل الفظيع بالأجساد والإهانة البالغة لكرامة المواطنين, وإلحاق الأذى والإتلاف بالممتلكات. مع حملة منظمة عبر الصورة وأشرطة الفيديو المسرّبة, لنقل وقائع ذلك العنف إلى أكبر عدد من المواطنين, مما أسهم بشحن الرأي العام في سوريا بنزعة متصاعدة الحدة تدعو إلى ضرورة حمل السلاح للدفاع عن النفس والعرض والممتلكات, أو للانتقام من الشبيحة ورجال الأمن. ( أشار تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش صدر في 16 ديسمبر2011 بعنوان- بأي طريقة - إلى " خطر – رأيناه متجسداً بقوة في أماكن مثل مدينة حمص – أن تقوم قطاعات أكبر وأكبر من الحركة الاحتجاجية بالتسلح رداً على هجمات قوات الأمن والشبيحة" ).

 

في هذا السياق نقرأ فيديو ساحة البيضا ببانياس – نيسان 2011 - , حيث ظهر الشبيحة وهم يدوسون المواطنين المرميين على الأرض مكبلي الأيدي, بأقدامهم, ويركلونهم على وجوههم, بينما يتولى جنود نظاميون حماية العملية. وإلى تلك المرحلة والأسابيع القليلة التالية, تعود أشرطة فيديو باتت معروفة ومتداولة على نطاق واسع, تظهر فيها عمليات تنكيل وإهانة وتعذيب وانتهاك أعراض, وتحمل قدرة استفزازية كبيرة ( الركل بالبسطار العسكري على وجوه المعتقلين وهم في حالة ركوع, وتوجيه صفعات متتابعة على الوجه - وإجبارهم على ترديد هتافات الولاء والتقديس للأسد, والسجود لصورته...الخ ). حدث ذلك بالترافق مع إرسال جثث لناشطين وأطفال إلى ذويهم, وعليها آثار التعذيب والمثلة ( الطفل حمزة الخطيب والناشط غياث مطر ). ويبدو بوضوح من خلال هذا المسلك البربري المرتسم على أجساد الضحايا, ومن الممارسات المصورة في أشرطة الفيديو التي سُرّبت وتم تأمين مجالات واسعة لتداولها؛ الرغبة الكبيرة بشحن جمهور الحراك السلمي بالحقد والكراهية ونوازع الانتقام. وقد وصلت حملة تعميم مشاهد التعذيب والإهانة على الجمهور ذروتها في خريف عام 2011, وهي الفترة ذاتها التي تعالت فيها - بشكل واضح وحاسم أيضاً- أصوات الداعين إلى التخلي عن السلمية, واللجوء إلى السلاح لإسقاط النظام. وقد أفضى هذا المسار إلى زيادة ملحوظة في عدد الهجمات المسلحة للمعارضة على قوات النظام. ( انظر تقرير هيومان رايتس ووتش : بأي طريقة. حيث يذكر التقرير زيادة هذه الهجمات منذ سبتمبر 2011).

 

لقد استخدَم النظامُ السوريّ التعذيبَ والإهانة خلال هذه الفترة في سياقين متكاملين: لجم الحراك السلميّ أن يتسع ويمتد, من خلال البطش والتخويف, واستفزاز جمهور الثورة الذي كان في عمومه مؤمناً بالسلمية وأشكال الاحتجاج المدني, بهدف دفع الكثيرين إلى التخلي تدريجياً عن إيمانهم هذا, وتبني أشكال عنفية مسلحة لها مرتكزاتها الوجدانية والثقافية الراسخة في الوعي العام للجمهور. ( راجع تقرير – بأي طريقة – المشار إليه, ففيه توثيق ممتاز لممارسات النظام ضد المتظاهرين منذ انطلاق الثورة وحتى خريف 2011 ).

 

بالتساوق مع ممارسة التعذيب والإهانة بقصد الاستفزاز وتكريس فكرة اللجوء للعنف لدى جمهور الثورة, عمل النظام أيضاً على تهيئة الفضاء المناسب لممارسة العنف من قبل جمهور الحراك السلمي, وذلك من خلال إثارة المسألة الطائفية, مع الترويج المكثف لفكرة التسلّح والعمل ميدانياً على توفير السلاح – ضمن حدود معينة – ليصبح عنصراً حاسماً في التعبير عن الموقف من – الآخر- الذي بلورته وحددته الآن استبطانات الوعي الطائفي المستثار. وهنا تبرز مدينة حمص – وسط سوريا – كمجال اجتماعي ومادي مناسب جداً لهذا التوجّه.

 

فالمجال الاجتماعي بحمص يتوفر على تنوع طائفي مناسب من أجل نجاح خطة النظام, حيث تتركز طوائف معينة في أحياء محددة, وتكاد تقتصر عليها – الطائفة العلوية تحديداً –. وبهذا الشكل فإن الشبكة الحضرية السكانية في المدينة تتضمن – حكماً – تحديدات وتعيينات طائفية, وترسم خطوط تماس وتوتر, مما يساعد على إطلاق التمثلات الطائفية التي لن تلبث أن تنقلب إلى ممارسة عنفية تتعزز بتوفر السلاح لدى أطراف الصراع.

 

من ناحية ثانية فإن قرب حمص من الحدود اللبنانية شكل عاملاً جيداً من أجل إدارة موضوع تهريب السلاح, وتحويل فكرة تسليح الحراك من مجرد رغبة إلى أكثر من ضرورة, ثم إلى حقيقة. إن قدرة النظام على ضبط الحدود السورية – اللبنانية من الجانبين, مكنته من الإشراف على توريد السلاح بالشكل المطلوب نوعاً وكماً, وتبعاً لحاجات الخطة المتبعة للوصول إلى عسكرة الثورة, من دون تهديد حقيقي لقدرات النظام العسكرية التي تكفل تحقيق السيطرة الكاملة والسهلة على ميادين المواجهات.

 

عند هذه النقطة المتعلقة بالمسألة الطائفية وتشجيع التسلح, أودّ الإشارة إلى روايات متواترة عن ناشطين ميدانيين وشهود عيان, عما حدث فجر 19 نيسان 2011, بعد ارتكاب قوات الأمن مجزرة الساعة بحمص, والتي ذهب ضحيتها ما لا يقل عن 200 شهيد :

 

" بعد أن هاجم الأمن والجيش الاعتصام بالرشاشات لتمزيقه, وذلك قرابة الثانية فجراً, تبعها بعد نصف ساعة نداءات من جوامع وسيارات تضع مكبرات صوت, تدعو السنة إلى الجهاد, وأحياناً تدعو إلى الجهاد ضد ( ... العلوية ) , وأحياناً تدعو إلى مهاجمة أحيائهم. لقد سمعتُ هذه النداءات كثيراً, وهي انطلقت في معظم جهات المدينة. تبين لي أن سيارة إطفاء كانت إحدى هذه السيارات, وبعضها سيارات تابعة للجهات الأمنية. ودخل عناصر ملثمون على الجوامع, وأجبروا المؤذنين فيها على إطلاق هذه الدعوات الجهادية. وأحياناً خلعوا أبواب الجوامع وبثوا دعواتهم " ( من رسالة بعثها إليّ الناشط الميداني في حمص – يامن حسين ).

 

إن الوقائع التي تنقلها هذه الرسالة الهامة جداً, تكاد تتطابق حرفياً مع ما حدث صباح يوم الأربعاء 2 شباط 1982 في حماه, حيث قامت أيضاً مجموعات ملثمة من عناصر أمنية معدة مسبقاً لهذه المهمة, بتحريض الناس على الخروج من منازلهم لمهاجمة رموز السلطة في المدينة. وقد وزعت هذه المجموعات أسلحة على الشبان الذين خرجوا تحت تأثير النداءات والتكبيرات عبر المآذن. وفيما بعد تم اعتقال كل الذين خرجوا من بيوتهم استجابة لتلك النداءات, كما تمت تصفية الذين حملوا سلاحاً, بعد خروجهم من بيوتهم بوقت قصير أو فيما بعد. أما المجموعات المحرضة تلك, فقد انسحبت بعد ساعات من المدينة, لتفسح المجال لدخول وحدات عسكرية, وتبدأ حملة المجازر والتدمير في المدينة طوال شهر شباط. لقد قدمت هذه المكيدة للنظام حجة وجود مقاومة مسلحة في المدينة فجر الثاني من شباط, وذلك كتبرير لما ارتكبته وحدات الجيش تالياً من مجازر مروعة.

 

في حمص, تساوقت خطة النظام في التحريض الطائفي, مع تسهيل دخول السلاح والتشجيع على حمله واستخدامه كوسيلة حاسمة لإدارة الصراع بين الأطراف. وقد ذكر لي الناشط الميداني من حمص ( أبو علي صالح ) في رسالة خاصة, ما يلي:

 

" النظام حاول التركيز كثيراً على حمَلَة السلاح. كان يعتقل الناس فمن كان مسلحاً يطلق سراحه, ومن كان سلمياً يُحال إلى المحكمة بتهمة حَمْل السلاح !!. والناشطون والمناهضون لحمل السلاح كان يتم قنصهم بالمظاهرات, حتى طلبنا من بعض الأسماء المميزة عدم الخروج إلى الشارع" .

 

في سياق رسالته, يشير هذا الناشط إلى – تشجيع الخطف الطائفي – من قبل النظام. وأنه بذلك " كان يدفعهم دفعاً إلى السلاح ". وختم أبو علي صالح رسالته قائلاً :

 

" وأخيراً أسأل : كيف يدخل السلاح إلى المقاتلين بينما نعجز عن بعض الدواء..؟ حتى الألبسة الداخلية تمت مصادرتها, ولم تتم مصادرة سلاح في الطريق إلى التوزيع ".

 

إن مشاركة قوى لبنانية موالية لسوريا, في تمرير السلاح إلى حمص , وتسهيل الحصول عليه, أمر مؤكد. وقد حصلتُ على شهادات تفيد بأن مسؤولاً أمنياً في تنظيم المَرَدة سهل وصول شحنات أسلحة مجانية إلى الثوار بحمص. وفيما بعد ساهمت أطراف في المعارضة السورية نفسها في عملية توفير السلاح عبر لبنان إلى الداخل السوري, وذلك بعد استكمال تحول الثورة إلى الخيار العنفي المسلح.

 

 

 

* * *

 

 

 

قدّمت ظاهرة الجنود المنشقين عن الجيش النظامي, فرصة ممتازة أيضاً للنظام, ليدفع بعسكرة الثورة قدماً. وعلى الرغم من أن ظاهرة الانشقاق هي ابنة المرحلة السلمية للثورة, وهي في جوهرها عمل سلميّ أخلاقي مناقض تماماً للعنف؛ إلا أنها – وللأسف – استُثمرت وأُعيد إدراجها في سياق مختلف تماماً, بهدف عسكرة الثورة, وخلق حالة مواجهة عسكرية تتوفر على عنف هائل.

 

حدثت الانشقاقات منذ الأسابيع الأولى للثورة, كردة فعل مباشرة وميدانية على أعمال قتل المتظاهرين المدنيين من قبل الجيش وقوات الأمن. ولكنها في هذه الفترة كانت ذات طابع فردي بدافع أخلاقي نابع من رفض الجندي الانصياع لأوامر قادته الخالية من الرحمة والوطنية والإنسانية. ومما لاشك فيه أن المنشقين الأوائل كانوا يستبطنون بالأساس موقفيّ الجيشين التونسي والمصري من المتظاهرين هناك, ويقارنون بين الموقفين وبين موقف قادتهما في الجيش السوري, مما شكل حافزاً إضافياً للتمرد, فضلاً عما اتسمت به الردود الأمنية للنظام على المتظاهرين من وحشية وعنف كبيرين ومقصودين كما أوضحتُ سابقاً. لكن انشقاق المقدم حسين هرموش في حزيران 2011 ثم الإعلان عن تأسيس الجيش الحر بقيادة العقيد رياض الأسعد, حوّل ظاهرة الانشقاق من الطابع الفردي والموقف الأخلاقي, إلى الطابع الجماعي المنظم والخاضع لمنظور مسبق عسكري وسياسي, في إطار عام هو الثورة السورية.

 

في مرحلة الانشقاقات الفردية كان النظام يواجه المنشقين بإعدامات ميدانية فورية بالغة القسوة واللؤم. ولاحق المجموعات التي تشكلت منهم في درعا وتلكلخ وجسر الشغور...بشكل حثيث وبانهماك دموي واضح. وقد سمح له ادعاؤه آنذاك بوجود مجموعات مسلحة, بتصوير ضحاياه من الجنود المنشقين, على أنهم ضحايا تلك المجموعات .

 

توالي الانشقاقات, ثم تأسيس الجيش الحر, سمح في الوقت نفسه لمدنيين ناقمين بالانضمام إلى هذا الجيش الذي لن يلبث أن يصير محط إعجاب وترحيب الحراك الشعبي الذي بات يدرك شيئاً فشيئاً أنه مضطر للدفاع عن نفسه أمام وحشية النظام. إن شدة القمع, وإحساس المواطنين بانكشافهم أمام آلة القتل الدموية للنظام, سمحت بتحويل الجيش الحر سريعاً إلى رمز باهر الإشعاع ونموذجاً للبطولة المثالية المشبعة بقيم التضحية والشجاعة والفداء...الخ. هذا على الرغم من أن الإنجازات العسكرية الفعلية للجيش الحر في مواجهة النظام لا تكاد تُذكر.

 

لقد استثمر النظام ظاهرة الانشقاقات عن الجيش النظامي وتشكل الجيش الحر, من أجل الدفع نحو عسكرة الثورة, وتشجيع مطلب التسليح فيها. وقد أشار جان بيار فيليو في حديثه لصحيفة ليبراسيون إلى مصلحة النظام في تضخيم أهمية الجيش الحر, بغية التشهير بثورة سلمية أساساً.

 

من الواضح أن الأشهر الأخيرة من عام 2011 شهدت تساهلاً مقصوداً من قبل النظام مع ظاهرة الانشقاق والظهور العلني للجنود المنشقين والمقاتلين المدنيين إلى جانب المتظاهرين السلميين ( أحياء عديدة من حمص, حي الحميدية وباب قبلي في حماه, درعا البلد...الخ). وثمة شهادات من شهود عيان في حمص تتحدث عن تحرك الثوار المسلحين على بعد أمتار من قوات الجيش النظامي من دون أن يبادر هؤلاء إلى مواجهتهم. وقد ترافق ذلك مع تسهيلات متعمدة لحركة الجنود والضباط المنشقين, بين المناطق والبلدات السورية ( وصول مجموعة من الجنود المنشقين إلى حمص القديمة – بستان الديوان في 7/9/2011 ). وقد دفع النظام بهذا المنحى إلى درجة ساطعة عندما سمح بخروج مناطق معينة من تحت سيطرته, وانتقالها إلى سيطرة الجيش الحر, كما حدث في الزبداني وبابا عمرو بحمص أواخر عام 2011. وكان الإعلان عن مفاوضات بين جيش النظام وبين الجيش الحر- بطلب من الأول - حول فك الاشتباك في الزبداني, ذروة هذه الخديعة التي أراد النظام من خلالها لفت أنظار العالم إلى وجود المكون العسكري, وإثبات ذلك بالوقائع والصور وبادعاء وجود مفاوضات. لقد أكد عضو في تنسيقية الثورة بالزبداني لموقع – كلنا شركاء – أن كل ما قيل عن مفاوضات بين النظام والأهالي عار عن الصحة. وألمح ذلك العضو إلى أن النظام هو من يطلق هذه الشائعات. أما في بابا عمرو فقد أطال النظام من عمر الحصار, حتى صار الحي وحالة الحصار القائمة حوله محط أنظار العالم, مثبتاً بذلك للرأي العام العالمي والداخلي وجود مقاتلين في بابا عمرو.

 

وفّرت هذه المناطق المحررة للنظام مكاسب هامة دعمت خطته المشار إليها لعسكرة الثورة. فهي شكلت نقاط جذب للمقاتلين العسكريين والمدنيين وبعض الجماعات السلفية أيضاً ( كما لاحظت صحافية أعدت فيلماً وثائقياً لقناة الجزيرة الانكليزية), مما سهل على النظام فيما بعد توجيه ضربات قوية إليهم. كما أنها شجعت على مزيد من الانشقاق والالتحاق بكتائب الجيش الحر المتواجدة في تلك المناطق, مما يعني إيغالاً في عسكرة الثورة. لكن الفائدة الأساسية التي تطلع النظام إلى تحقيقها كانت إثبات وجود مقاتلين وسلاح بيد الثوار, وأن الثورة ليست سلمية كما تزعم المعارضة. ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف, فقد سمح النظام, بشكل مباشر وغير مباشر, بدخول صحافيين – أفراداً أو كفرق متكاملة – لنقل مشاهد حية مما يحدث داخل تلك المناطق المحررة, وتصوير المقاتلين المسيطرين على الشوارع والأبنية. وإجراء مقابلات ميدانية معهم, وتسجيل أفلام وثائقية طويلة أتيحت رؤيتها لملايين المشاهدين عبر العالم.

 

 

 

* * *

 

عندما بدأت بعثة مراقبي الدول العربية عملها في سوريا ( 24/12/ 2011 ) كان النظام قد أنجز مهمته في عسكرة الثورة السورية, وحَرْفها عن سلميتها باتجاه التسلح والعنف. وصار بوسع النظام الآن أن يُريَ لجنة عربية رسمية تمثل إرادة الدول العربية كلها, الجماعاتِ المسلحة التي تعمل على الأرض ضد الدولة, بعد أن شاهد الناس ذلك عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت. وبالفعل فإن التقرير النهائي للبعثة يتحدث عن وجود طرفين مسلحين يحتربان ويتبادلان العنف في غير موقع من مواقع المواجهات ( سادساً – فقرة 26 على سبيل المثال ).

 

ويشير التقرير في صياغة لافتة ( تاسعاً – فقرة 71 ) :" ثبت للبعثة وجود عنصر مسلح غير مخاطب بالبروتوكول, وهو لاشك تطوّرٌ ظهر على الأرض نتيجة الاستخدام المفرط للقوة من جانب القوات الحكومية, قبل انتشار البعثة, عند التصدي للاحتجاجات التي طالبت بسقوط النظام. ويعتدي هذا العنصر في بعض القطاعات على القوى الأمنية السورية وعلى المواطنين كرد فعل, يواجَه أيضاً برد فعل حكومي عنيف..." .

 

وفي الفقرة 74 : " وقد أُبلِغتْ البعثة من المعارضة, وبالأخص في درعا وحمص وحماه وإدلب أن جزءاً من المعارضة لجأ إلى السلاح نتيجة لمعاناة الشعب السوري من قهر واستبداد نظام الحكم والفساد الذي طال كافة قطاعات المجتمع. بالإضافة إلى ممارسات التعذيب من قبل الجهات الأمنية وانتهاكات حقوق الإنسان ".

 

هذا ما كان يسعى إليه النظام منذ البداية: أن يكون داخل الثورة عنصر عنف مسلح, وأن يشاهد العالم ذلك, ويعرف الرأي العام أن النظام لا يواجه متظاهرين سلميين, وإنما عصابات إرهابية مسلحة. وقد أنجز النظام هذا المطلب الحاسم, غداة وصول بعثة المراقبين العرب إلى سوريا, حيث سيكون هؤلاء شهوداً معتمدين على صدق رواية النظام التي انطلقت منذ الأيام الأولى للثورة.

 

وما إن غادرت اللجنة سوريا بعد الانتهاء من عملها المرتجى ( 18/1/2012 ), وكتابة تقريرها الذي صار وثيقة تاريخية وقانونية مودعة في أرشيف جامعة الدول العربية؛ حتى بدأ النظام, اعتماداً على ما ترسخ كحقائق واضحة ومثبتة حول وجود عصابات مسلحة؛ حملة عسكرية شاملة تتوفر على عنف استئصالي وتدميري غير مسبوق, منتهجاً سياسة الأرض المحروقة, ومرتكباً مجازر فظيعة بحق المدنيين والمقاتلين على حد سواء. وقد مهد الأسد لذلك كله بالإعلان في كلمة له عن أنه يتعهد بضرب الإرهابيين بيد من حديد. وهكذا تم اقتحام الزبداني أوائل شباط وطرد المقاتلين الذين ادعى النظام قبل شهر أنه كان يفاوضهم. كما بدأ بحملة تصعيد وقصف لحمص, ستنتهي باقتحام بابا عمرو مطلع آذار. بينما كانت قوات أخرى تقتحم الحميدية وباب قبلي وتقصف حي مشاع الأربعين بحماه, وتحاصر قلعة المضيق المشرفة على سهل الغاب, وتتوغل في ريف إدلب الشمالي لتصفية عناصر الجيش الحر في كمائن ومجازر دموية لم يسبق لها مثيل. كل ذلك جاء أيضاً بالتزامن مع تقريرين صدرا عن لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق ( شباط 2012 ), وعن منظمة هيومان رايتس ووتش, عبر رسالة مفتوحة إلى قيادات المعارضة السورية ( 20 آذار 2012 ) وفي كلا التقريرين إشارات عديدة إلى وقائع موثقة لانتهاكات قامت بها الجماعات المسلحة التابعة للمعارضة.

 

لقد بات المشهد في سوريا كما يشاهده العالم هو التالي: قوى عسكرية نظامية, تمثل الدولة والسلطة والمجتمع, تقوم بملاحقة مجموعات إرهابية مسلحة, تنتهك حقوق الإنسان, وتريد إسقاط الحكومة بالقوة العارية.

 

لقد نجح نظام مستبد وقاتل في حرف واحدة من أكثر ثورات الربيع العربي شجاعة وسلمية, عن مسارها, لتقع في فخ مكلف دام أراده النظام منذ البداية, وسعى إليه بكل السبل.

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

*كاتب وباحث من سوريا – عضو رابطة الكتاب السوريين.

 

 

راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 

Share on google Share on facebook Share on twitter Share on email More Sharing Services

 


 

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0