الرئيسية | دراســـــات | (دراسات ) مفاهيم في ثقافة الحوار ... حرية الاختيار وحق الاختلاف

(دراسات ) مفاهيم في ثقافة الحوار ... حرية الاختيار وحق الاختلاف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

أ .محسن حزام


تتردد في هذه الأيام عبارات*الحوار*ثقافة الحوار*احترام الرأي الآخر*في سياق ممارسة الحرية...
الحوار لا يكون إلا بين اثنين مختلفين ومتعارضين أو أكثر،أو يكون بين اتجاهين فكريين،أو حزبين سياسيين أو أكثر،أو بين شعبين أو أمتيين أو أكثر.
يقولون إن الحوار مع الذات/مونولوج/والحوار مع الأخر/ديالوغ/ومع العالم جملة وتفصيلا/ديالكتيك/.الحوار مع الذات هو جهاد النفس،أي مجاهدتها لكبح جماح الهوى فيها ، والحوار مع الآخر يفترض الاعتراف به على انه*أنا*وحقوقه ضمانة موضوعية لحقوقي،وحريته ضمانة موضوعية لحريتي،فكل واحد منا هو*أنا*لذاته و*آخر*لغيره ،من هنا عرف ماركس الإنسان/بأنه مجموع علاقاته الاجتماعية و الإنسانية.
ولا حوار بدون تناصت وتعارف وبلا اعتراف بقانون القول/الإنسان سيد كلامه وخادمه/.ويطلق عليه العامة"احترام الكلمة".لكن الرأي بالغالب ملازم للمصلحة لا ينفك عنها،وعندما تستوعب هذه المصلحة جميع المصالح الفردية والخاصة ترقى إلى مستوى أعلى يطلق عليها"المصلحة العامة أو المصلحة الوطنية"التي لا يمكن أن تكون كذالك إلى عندما تلبي المصالح الخاصة والفردية.
يؤكد المهتمون بأدبيات التربية بان الحوار هو من أدوات التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي تتطلبها الحياة في المجتمع المعاصر،وهي التي تساعد الفرد في تنمية قدراته في التفكير المشترك والتحليل والاستدلال،والحوار من الأنشطة التي تحرر الإنسان من الانغلاق والانعزالية،كما انه طريق للتفكير الجماعي،وهو وسيلة للتفاهم والتالف والتعاون. اليوم أصبح الحوار في عصر المتغيرات المتسارعة مهارة حياتية لا غنى عنها للجميع في كل مجالات الحياة،وخاصة بعد أن دخلت الاكتشافات العلمية والانفجارات المعرفية في كثير من مناحي الحياة على المستوى الكوني وخاصة بعد ظهور القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي.
في الأساس لا يكون الحوار إلا مع الآخر وتحديدا الآخر المختلف،ويكون هدفه شرح وجهة النظر المخالفة وفي الوقت نفسه الانفتاح على الآخر لفهم وجهة نظرة ثم للتفاهم معه.
في الثقافة الإسلامية:من اجتهد وأصاب فله اجرين،اجر الاجتهاد واجر إصابة الحق،ومن اجتهد واخطأ فله اجر واحد لاجتهاده..وفي هذه الثقافة أيضا"رأي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" لذالك لا يمكن لأحد أن يدعي الحقيقة المطلقة،لان هذه الحقيقة نسبية.ولا يحق لأحد أن يخطئ الآخرين لمجرد اقتناعهم برأي مخالف لرأيه ،والبحث عن الحقيقة أسمى أنواع الحوار.
الحوار يتطلب الاعتراف بالأخر أولا، واحترام حقه بالدفاع عن رأيه المخالف.من هنا يمكن القول:انه كلما سما الإنسان عن أنانيته وحبه لذاته واقتناعه بها بشكل لا يحتمل الخطأ وترفع عنها، اوجد في ذاته مكانا للأخر. وهذا الآخر قد يكون فردا أو جماعة.. والإسلام يقرر الاختلاف كحقيقة إنسانية طبيعية لان البشرية مكونة على الاختلاف الاثني والاجتماعي والثقافي واللغوي ، علما أنهم بالأساس امة واحدة" كان الناس امة واحدة فختلفوا" سورة يونس١٩ ،وهذا الاختلاف لا ينفي الوحدة الأساسية،وفي القران الكريم " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين" الروم٢٢ ويقول الرسول " ص" /لا فرق لعربي على أعجمي ولا ابيض على اسود إلا بالتقوى/ بحيث أن الاختلاف العرقي لا يشكل قاعد للأفضلية. فإذا كان احترام الآخر قاعدة من قواعد السلوك الديني فان احترامه كما هو،عقيدة ودينا ومذهبا، هو احترام لمبدأ حرية الاختيار والالتزام بقاعدة عدم الإكراه في الدين.
وهنا لابد أن نذكر أن آمر الخلافة بعد وفاة الرسول محمد" ص" حسمت بالحوار في سقيفة بني ساعدة التي انتهت بمبايعة أبو بكر الصديق وقال حينها الشاعر اليمني:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تبقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت
فان تولت فبالأشرار تنقاد
وفي العلاقات الإنسانية هناك فوارق كثيرة بين علاقة الإرادة وبين علاقة الفرض.ففي الحالة الأولى: هي نتيجة حوار وثمرة تفاهم وهي بالتالي فعل إرادي تحقق بالمحبة والاحترام والثقة .وفي الحالة الثانية: تنكر لحق الأخر وتجاهل لتمايزاته وخصائصه وتجاوز للحوار كوسيلة للتفاهم، إذن هي حالة مرفوضة، وكل ما هو مفروض مرفوض من حيث المبدأ و الأساس، لذلك لا تحقق سوى البغضاء والكراهية وعدم الثقة.
من هنا لا يمكن على الإطلاق إنسانيا ومجتمعيا إلغاء الآخر...فالحوار- كصداقة- لا يولد بالضغط أو الترهيب كما جاء في وثيقة المجتمع الفاتيكاني الثاني بشأن الحوار مع الإسلام، حيث يستشهد النص الفاتيكاني بالمستشرق/ ماسينون/ في قوله" لكي نفهم الإنسان الآخر يجب أن لا نستولي عليه و ندمجه فينا بل يجب أن نكون ضيوفه ".

أهداف الحوار:
إما أن يكون تنفيسا لأزمة ومنع انفجارها، وإما أن يكون سعيا لاستباق وقوع الأزمة ولمنع تكون أسبابها، وإما إن يكون محاولة فهم الأزمة القائمة واحتواء مضاعفاتها.وأن أي حوار يستلزم أولا: التفاهم لماذا نتحاور ومن ثم على ماذا سنتحاور، أي تحديد منطلقات الحوار وقواعده...الذي يفترض أن ينطلق من قاعد منطقية وعلمية تعتمد على الحجة والبرهان... لا تعتمد على السب والتسفيه لرأي الآخر.. ودائما الأجواء الهادئة البعيدة عن الانفعال هي أجواء الحوار المنتج الذي يحترم الإنسان وحريته في الاختيار، كما يحترم حقه في الاختلاف وفي المجادلة / وجادلهم بالتي هي أحسن.

آداب الحوار:
١- الإقبال نحو المستمع
٢- عدم المبالغة في إظهار الانفعال وحركات الأيدي والتوسط في سرعة الرد.
٣- حسن الخطاب وعدم الاستفزاز وازدراء الآخرين...فالحوار غير السجال والجدال / الذي يسمى الحوار السلبي/.
ألوان الحوار السلبي:
١/ الحوار العدمي التفجيري: الذي لا يرى إلا سلبيات وأخطاء الآخرين.
٢/ حوار المناورة: ( الكر والفر) يعتمد على التفوق اللفظي في المناقشة ويصرف النظر عن مهمة المناقشة الأساسية.
٣/ الحوار المزدوج: إعطاء معنى في الكلام الظاهر خلاف ما يبطن لكثرة التورية والالفاظ المبهمة.
٤/ الحوار السلطوي: ( اسمع واستجب) نجده في التسلط داخل الأسرة، المدرسة، مجالات العمل الوظيفي، عند السلطة الحاكمة.
٥/ الحوار السطحي: ( لا تقترب من الأعماق فتغرق) لذلك يتم تسطيح الحوار طلبا للسلامة.
٦ حوار الطريق المسدود: ( لا داعي للحوار فلن نتفق) ويكون مباشرة عبر التمسك بالثوابت المضادة التي تغلق الطريق على الحوار واستمراره.
٧/ الحوار الالغائي أو التسفيهي: ( كل ما عداي خطأ) المحاور لا يرى غير رأيه، وهذا يصنف أعلى درجات الحوار السيئ.
٨/ حوار البرج العاجي: حوار المثقفين النخبة المقطوع الصلة بالواقع والمجتمع عبر راهنيته.
٩/ الحوار المرافق: ( معك على طول الخط) فيه يلغي احد الأطراف حقه في الحوار لحساب الآخر، أما استخفافا" خذه على حسب عقله" أو خوفا أو تبعية.
١٠/ الحوار المعاكس: عكس دائما.
١١/ حوار العدوان السلبي: ( صمت العناد والتجاهل) يلجئ احد الأطراف إلى الصمت السلبي رغبة في مكايدة الآخرين.

مواصفات الحوار الايجابي:
حوار متفائل- حوار صادق- حوار متكافئ يعطي لكل الآخرين حق التعبير ويحترم رأي الآخر- حوار واقعي يتصل بالحياة اليومية- حوار موافقة الهدف النهائي البعيد عن التعصب والانغلاق ولا يضع عراقيل من اجل التفاهم.

الحوار والوحدة الوطنية
أمام التحديات والمخاطر التي تواجهنا لا بد من تصليب الوحدة الوطنية وتخليصها من كل الشوائب والرواسب العالقة بها، لان الوحدة الوطنية ممارسة متواصلة ومشروع مفتوح من اجل رص الصفوف وتوحيد الكلمة وتمتين التلاحم الوطني.. فيجب السعي من اجل تكريس هذه الوحدة بالواقع الاجتماعي، وقيم التواصل والتفاهم لتخطي واقع الانقسام وحلة الجفاء والتباعد من خلال الحوار الوطني المستديم.. الحوار المفتوح على كل القضايا التي تعتمد على الوضوح والشفافية، الذي يعتني بالأفكار والقناعات المشتركة .. على قاعدة العدالة والموضوعية في الحوار.. لان هذا الحوار الوطني يجب أن لا يستهدف فقط التعارف بين مدارس المجتمع وتوجهاته المتعددة بل يستهدف صوغ برنامج وطني متكامل ،يتبنى العيش المشترك والسلم الأهلي واحترام حقوق الإنسان وتطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية وعملية التحول الديمقراطي .

الحوار والعنف
يحمل العنف مخزونات التعصب والانقسامات والتناقضات الموروثة كلها، وينتج عنه باستمرار الحط من إنسانية الإنسان في قيم الحضارة والثقافة ، ان والروح الدينية الحقيقية القائمة على التسامح والمحبة التي يجب أن تعيد حضورها داخل النسيج المجتمعي / في المدرسة، البيت، الحزب السياسي الفعاليات الفكرية والدولة بجميع مؤسساتها..غايتها طرد مخزون العنف واجتثاثه من الحاضنة الشعبية من خلال تنقية ثقافتها من كل هذه الشوائب والمفاهيم العالقة بشكل خاطئ.. أوطاننا لم تعد تتحمل دورات جديدة من العنف الأعمى التي لا نحصد عبرها إلى الكوارث.. والحوار أولا وأخيرا أن يقف على حقيقة أن الوطن يتسع للجميع.

في الختام:
أثبتت تجارب التاريخ القديم والحديث ، إن أعظم الحضارات كانت عند الأمم الذي ساد فيها العقل والحكمة/ اليونان، الصين، الهند وبلاد الدولة الإسلامية/ وان اضعف الأمم التي تسود فيها الحروب والنزاعات كحال العرب قبل الإسلام والدول الإفريقية في هذا العصر، واليوم حال نماذج ثورات الربيع العربي مع الاستبداد والطغيان.

الحوار وأهميته في التعامل المجتمعي وأوقات الأزمات يسحبنا إلى مسألة مهمة نعيشها في واقع الأزمة السورية وهي /مسألة التفاوض/ طريق الحل السياسي الذي لابد منه للخروج من هذه الأزمة ،هذا يتطلب بحثا خاصا لأنه فن قائم بذاته.
١٠/٥/٢٠١٥

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0