الرئيسية | ثقــافــة وفنــون | اتفاقية عام 1207م بين حلب والبندقية "فينيسيا "

اتفاقية عام 1207م بين حلب والبندقية "فينيسيا "

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
اتفاقية عام 1207م بين حلب والبندقية "فينيسيا "

الأستاذ محمد قجة

 

استمرت علاقة حلب الوثيقة بأوروبا خلال الفترة الرومانية التي بدأت 64 ق.م "بومبيوس". وأصبحت واحدة من المدن الهامة دينيناً واقتصادياً بسبب موقعها الفريد.

وفي الفترة البيزنطية غدت حلــب مركز اسقفية مسيحية كبرى. وبنت فيها هيلانة أم الامبراطور قسطنطين كاتدرائية عظمى هي اليوم المدرسة الحلوية. وقد تحولت من كاتدرائية إلى مدرسة ومسجد عام 1124م خلال حصار الصليبيين لمدينة حلــب.

ومنذ عام 636م تدخل حلــب في العصور الإسلامية المتتابعة: أموي، عباسي، حمداني، سلجوقي، زنكي، أيوبي، مملوكي، عثماني.

*****

خلال كل تلك العصور وآلاف السنين بقيت حلب تشكل المركز الاقتصادي العالمي الذي يربط بين القارات والمحيطات، وبقيت الطريق البري والدولي الذي تمر به تجارات الحرير والتوابل والمنسوجات والعطور. وهذا المركز المتميز تؤثر فيه عوامل كثيرة منها:

1- خصوبة الأراضي الزراعية.

2- الحجارة الكلسية التي تكسب الأبنية قوة وبقاء.

3- الموقع الاستراتيجي الحصين، وسهولة الحركة شرقاً وغرباً.

4- الاتصال بالأناضول والجزيرة العربية.

5- التنوع الحضاري والديموغرافي الذي عرفته المدينة خلال تاريخها.

6- المركز التجاري بين أوربا من جهة والشرق الأقصى من جهة اخرى.

ورغم الخلافات السياسية بين أوروبا وبين الدول الإسلامية المتتابعة، فإن حلــب بقيت مركزاً أساسياً للتجارة العالمية..

*****

ورغم ضراوة الحروب الصليبية فقد شهدت حلــب عام 1207م عقد اتفاقية تجارية مع دولة البندقية أيام الظاهر غازي الأيوبي وهي أول اتفاقية اقتصادية بين أوربا والشرق الأوسط. وتجددت هذه الاتفاقية في الفترة المملوكية. وشملت بقية المدن الإيطالية إلى جانب البرتغال وأسبانيا وغيرها.

كانت الأوضاع الدولية مطلع القرن الثالث قد أفرزت توازنات جديدة في الصراع الدائر في المنطقة, فبعد الهزائم القاسية التي ألحقها صلاح الدين بالممالك الفرنجية إثر نصره الحاسم في معركة حطين 1187 م وتحريره القدس . نشأ توجه جديد لدى القوى البحرية الأوربية وبخاصة جمهورية البندقية, مفادها ضرورة ضم القسطنطينية وتصفية الدولة البيزنطية والكنيسة الأرثوذكسية لمصلحة النفوذ الاوربي الغربي و الفاتيكان .

وهكذا توجهت الحملة الصليبية الرابعة عام 1204 إلى القسطنطينية ودخلتها وجعلتها جزءاً من الممالك اللاتينية وذلك بقيادة ورعاية "داندولو" دوق البندقية .

وتمكنت البندقية بذلك من إحكام نفوذها التجاري و البحري شرق المتوسط, وكان لا بد لها من تأمين الممرات البحرية لأساطيلها و الاستفادة من الاستقرار السياسي الناشىء شرق المتوسط مع الممالك الايوبية , فأرسلت وفداً عام 1207 إلى مملكة حلب الأيوبية, وهي أهم الممالك الايوبية شرق المتوسط وكانت تسيطر على الشواطئ الشرقية لذلك البحر, وكان الوفد برئاسة بيترو مارينيانيp. Marignani  الذي التقى ملك حلب الايوبي الظاهر غازي بن صلاح الدين, ووقع معه الاتفاقية التجارية.

*****

نص الاتفاقية:

بسم الله الرحمن الرحيم:

- إن مملكة حلب الأيوبية تمنح رعايا جمهورية البندقية حق الإقامة في حلب وممارسة العمل التجاري .

- كما تمنحهم حق تشييد خان يكون مقراً لإقامتهم وعملهم ويحق لهم أن يحتوي الخان على كنيسة وفرن وحمام واصطبل للخيول والجمال وفندق للمبيت وغرف لممارسة التجارة. ويدعى المكان خان البندقية .

- يقدم الموظفون من أبناء مملكة حلب كافة التسهيلات اللازمة للتجار البنادقة المقيمين في حلب أو في أرجاء المملكة كاللاذقية وحارم وسواها.

- يسمح بتداول النقود المعروفة في البندقية إلى جانب النقود المتداولة في البلاد الإسلامية .

- لا تتأثر هذه الاتفاقية بما يجري من حروب أو اعتراضات أو تحريم أو مضايقات .

*****

وعلى الرغم من أن الحروب الصليبية كانت لا تزال مستمرة , والإمارات الصليبية موجودة في انطاكية و طرابلس وبعض مدن الساحل, إلا أن هذه الاتفاقية تم احترامها و تجديدها عدة مرات خلال الفترة الأيوبية ومن أبرز مراحل التجديد:

- عام 1225 أيام الملك محمد العزيز بن الظاهر غازي . وكان رئيس الوفد البندقي هذه المرة "فوسكاريني" وتوسعت الاتفاقية لتشمل اللاذقية التي كانت تابعة لمملكة حلب, وتم منح البندقية حق إقامة فندق وكنيسة وحمام وفرن في اللاذقية .

- عام  1229 وفد جديد من البندقية برئاسة "جيوفاني سوكوغلو" وتم تجديد الاتفاقيتين السابقتين وأضيف إليهما حق إقامة فندق للبنادقة قرب جسر الشغور .

- عام 1254 وصل وفد جديد من البندقية برئاسة "جيوفاني ساغريدو" أيام يوسف الناصر الثاني بن محمد العزيز وتم تجديد الاتفاقيات السابقة و تبادل عبارات الود والاحترام .

- وفي عام 1260 دخل هولاكو حلب ودمرها لتبدأ مرحلة جديدة تزول معها الدولة الأيوبية , وهي تستحق دراسة خاصة حول علاقة الممالك الأوربية بدولة المماليك التي قامت على أنقاض الدولة الأيوبية .

- لقد تم توقيع الاتفاقيات المذكورة وأولها  عام 1207 في القصر الملكي الأيوبي في قلعة حلب بحضور كبار رجال الدولة الأيوبية، وفي طليعتهم الأتابك شهاب الدين طغريل, والقاضي ابن شداد والمؤرخ ابن العديم. وطائفة من العلماء و المسؤولين في المملكة الحلبية الأيوبية .

 

*****

    في عام 2007 حضر وفد من البندقية الى حلب للاحتفال بمرور ثمانية قرون على الاتفاقية . وتم تنظيم حفل امام قلعة حلب عرضت فيه مسرحية توثق تلك الاتفاقية  . وقد قمت بكتابة نص هذه المسرحية .

   ولا يزال خان البنادقة في حلب شاهدا على تلك الفترة التي تم فيها افتتاح اول قنصلية اوربية وممثلية تجارية في المشرق العربي في مدينة حلب.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع