الرئيسية | ثقــافــة وفنــون | ذكريات الزمن الجميل : عن الزعيم جمال عبد الناصر السيدة أم كلثوم تقول

ذكريات الزمن الجميل : عن الزعيم جمال عبد الناصر السيدة أم كلثوم تقول

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ذكريات الزمن الجميل : عن الزعيم جمال عبد الناصر السيدة أم كلثوم تقول

 

بعد عام واحد من رحيل الرئيس (جمال عبدالناصر) أصدرت مجلة الهلال التي كان يرأس تحريرها الشاعر الكبير (صالح جودت) عددا خاصا بعنوان «عام مضى على جمال عبدالناصر» تضمن عشرات المقالات والقصائد، أما مفاجأة العدد فكان المقال البديع الذي كتبته السيدة (أم كلثوم) بعنوان (كيف عرفت عبدالناصر) وشغل ثماني صفحات من المجلة.

كتبت (أم كلثوم) تقول : (لا أزال أذكر أجمل الذكر، المرة الأولى التي رأيت فيها (جمال عبدالناصر)، كان ذلك في عام المأساة الكبرى في تاريخ الأمة العربية (مأساة فلسطين) سنة 1948 حين هبت مصر للذود عن الأرض السليبة وذهب الجيش إلى هناك وكان على أبواب النصر، لولا أن دبرت له الدول الكبرى المؤامرة التي انتهت بخدعة الهدنة الأولى ثم الثانية فانقلب النصر إلى هزيمة، وحوصر أبناؤنا فى الفالوجا حصارا قاسيا مريرا أبدوا خلاله ألوانا أسطورية من البطولات.

كنت أتتبع أبناء إخوتي وأبنائي أبطال الفالوجا يوما بيوم وساعة بساعة وقلبي يخفق لهم في كل لحظة ويضرع إلى الله أن يؤيدهم فى صمودهم العظيم إلى أن يردهم إلينا سالمين، واستجاب الله الدعاء.

وعاد أبطال الفالوجا إلى القاهرة وعلى رأسهم القائد البطل المرحوم (السيد طه) الذي اشتهر يومئذ باسم (الضبع الأسود) ودعوتهم جميعا - جنودا وضباطا- إلى حفلة شاي في بيتي، ووجهت الدعوة كذلك إلى وزير الحربية فى ذلك الحين الذي اتصل بي معتذرا عن عدم استطاعته تلبية الدعوة.

وجاء الأبطال إلى بيتي واستقبلتهم بدموع المصرية الفخور بأبناء مصر وجلست بينهم وأنا أشعر أنهم أسرتي، صميم أسرتي، إخوتي وأبنائي.

وأذكر يومئذ أنني أقمت لهم في حديقة البيت محطة إذاعة صغيرة تذيع عليهم ما يطلبون من أغنياتي.. بعد ذلك تروى (أم كلثوم) كيف أن البطل (السيد طه) أخذ يقدم لها ضباطه وجنوده واحدا واحدا ويحدثها عن بطولاتهم وتضيف : وكان في مقدمة أصحاب هذه البطولات الضابط الشاب (جمال عبدالناصر) وشددت على يده وأنا أصافحه وأتأمل ما يتألق فى عينيه من بريق الوطنية وحدة العزم وعمق الإيمان، وكان هذا هو أول لقاء لى بالبطل قبل أن يلعب دوره التاريخي في حياة مصر بأربع سنوات).

------

ثم يأتي اللقاء الثاني وكان يوم الثورة -23 يوليو 1952 حين اتصل بها ابن شقيقتها الضابط بسلاح الإشارة وأخبرها بقيام الثورة ويطلب منها أن تسمع الإذاعة وتقول (أم كلثوم) :

كنت يومئذ أصطاف بالإسكندرية وهرعت إلى الراديو وسمعت (أنور السادات) بصوته القوى المؤمن يبشر الناس بقيام الثورة، ونهضت على الفور وأعددت عدتي للسفر إلى القاهرة، واتجهت إلى مطار الإسكندرية.

ونزلت من الطائرة فذهبت رأسا إلى إدارة الجيش بكوبرى القبة لأهنئ الأبطال الثائرين على الظلم والبغى والطاغوت.. وكنت أتصور أنني لن أعرف منهم أحدا، ولكنني عندما قلبت عيني في وجوه هؤلاء الأبطال تبينت أنني أعرف من بينهم وجوه أبطال الفالوجا الذين احتفيت بهم في بيتي منذ أربع سنوات، وفى طليعتهم وجه (جمال عبدالناصر) وتصافحنا للمرة الثانية وقد ازداد في عينيه هذه المرة بريق الإصرار على النصر.

وعدت إلى بيتي واتصل بي الأستاذ الشاعر (أحمد رامي) وسألته أن يعجل بنظم تحية أقدمها للثورة، فنظم لي الأغنية التي مطلعها :

مصر التي في خاطري وفى فمي

أحبها من كل روحي ودمى

بني الحمى والوطن

من منكمُ يحبها مثلى أنا ؟!

 

وتمضى (أم كلثوم ) في مقالها فترصد مسيرة الثورة التي واكتبها بصوتها وأغنياتها فتقول : (وتابعت الثورة مسيرتها المنتصرة بقيادة (جمال عبدالناصر) وخرج الإنجليز من مصر وانكسر احتكار السلاح، وأممت القناة، وقام العدوان الثلاثي وانتصرت مصر مرة أخرى وأقيم السد العالي.. إلخ

وأنا أنفعل بهذه الأحداث وأترجم كل انفعال إلى أنشودة من أناشيد الثورة وهى خير ذخر أعتز به في حياتي ومنها (منصورة يا ثورة أحرار و(طوف وشوف) و(يا حبنا الكبير) و(على باب مصر) إلخ.

غير أن هناك أنشودتين من بين كل هذه الأناشيد، أحسست بانفعال أعمق وأنا أغنيهما، وقد ظللت أستشعر عمق هذا الانفعال كلما ذكرتهما.

الأولى هي الأغنية التي غنيتها لجمال عبدالناصر يوم كتب الله له النجاة من الحادث الأثيم الذي أطلق فيه عليه الرصاص بالإسكندرية يوم غنيت له :

-(أجمل أعيادنا الوطنية بنجاتك يوم المنشية)

والثانية عقب النكسة (1967) يوم أعلن (جمال) ذلك النبأ الأسود الذى انخلع له قلب مصر بل قلب الأمة العربية كلها نبأ تنحيه عن الحكم، وكنت منذ الساعة التى تأكدت فيها أنباء النكسة قد خاصمت النوم.. وفى تلك الليلة قلت لصديقي (صالح جودت) ونحن نتحدث بالتليفون:

إن الأمل الباقي، هو أن يبقى جمال عبدالناصر فى مكانه!

وبعد منتصف الليل عاود (صالح جودت) الاتصال بي وتلا على هذا المعنى منظوما في أنشودة تحمل صورة نداء إلى (جمال) مطلعها:

قم واسمعها من أعماقي..

فأنا الشعب

أبق فأنت السد الواقي

لمنى الشعب

ابق فأنت الأمل الباقي

لغد الشعب

ابق فأنت حبيب الشعب

وأملى على كلمات الأنشودة بالتليفون، وأيقظت (رياض السنباطي) وأمليتها عليه بالتليفون أيضا، ولم ينم السنباطى ليلته، وفى الصباح كان قد انتهى من تلحينها، وبعد يوم واحد سجلتها وقدمتها الإذاعة للجماهير، جماهير 9 و10 يونيو التي خرجت عن بكرة أبيها تطالب ببقاء (جمال عبدالناصر) وبقى جمال عبدالناصر، وعاد الأمل يطل علينا من جديد).

••

وتواصل (أم كلثوم) - مقالها الوثيقة - فتروي جوانب عديدة من علاقتها بجمال عبدالناصر وخاصة ما يتعلق بالفن والغناء فنقول:

(لقيت) جمال عبدالناصر قبل ذلك وبعده عشرات المرات في مختلف المناسبات، وكان لا يفوته - رحمه الله - في كل حفلة أغنى بها ويشهدها في نادي الضباط أو جامعة القاهرة أو غيرهما أن يدعوني إلى الاستراحة وتدور بيننا أحاديث طويلة عن الفن.

كان شديد الاعتزاز بالفن المصري، قوى الإيمان بأن أهل الفن كتيبة عزيزة من كتائب المعركة. وكان لأغاني (رابعة العدوية) وقع خاص في نفسه لما فيها من تصوف وروحانية، وكثيرا ما كان يقول لأهل الفن. كلما التقى بهم في مناسبة من المناسبات أن أغاني رابعة العدوية يجب أن تكون نصب أعينهم دائما كأنموذج لمثالية الغناء.

وكان حبه للغناء والموسيقى دليلا على حسه المرهف، إلى حد إنه كثيرا ما كان ينكب على العمل فى مكتبه وهو يستمع إلى الغناء المنبعث هادئا من ركن الغرفة، وكنت أشعر بالفخر كل الفخر حين أسمع أنه يطلب أغنياتي فور تسجيلها في الإذاعة وقبل أن تذاع على الناس.

وتمضى (أم كلثوم) في مقالها الرائع إلى أن تقول :

(كنت أعرف أنه متعب القلب ومع هذا فإنه يبذل من روحه وجسده ما فوق طاقته لخدمة مواطنيه ورفعة شأن وطنه، وآمنت به وبما يفعل.

وفى حدود طاقتي حاولت أن أحذو حذوه وأتخذ منه أسوة حسنة ولهذا أبيت أن أستسلم لليأس بعد النكسة. لم يكن أمامي إلا أحد أمرين، فإما أن ألتزم الصمت، وأقبع في ركن من الانهيار النفسي، أو أن أمضى بسلاحي - وهو صوتي - أبذل ما أستطيع من جهد من أجل المعركة. واخترت الأمر الثاني، أحسست أنني أكون سلبية لو امتنعت عن الغناء.

وأحسست أنني أقف وراء رسالة عبدالناصر، لو غنيت داخل الحدود وخارج الحدود لأرفع صوتي باسم وطني وأجمع ما أستطيع أن أجمع من عدة وعتاد من أجل المعركة، لعلى أرد بعض جميل مصر وبعض جميل البطل الذي يحترق من أجل مصر والذي كرم الفن أجمل تكريم والذي زين صدري بأرفع وسام في الدولة، وأعز قدري بجائزة الدولة التقديرية للفنون، هذه الجائزة التي أحسست أن (عبدالناصر) لا يكرمني بها وحدي، وإنما يكرم بها جميع إخواني، خدام الفن، ولهذا تبرعت بمنحتها المادية لصندوق الفنانين.

وبهذا الدافع غنيت في كثير من المحافظات بعد العدوان، ثم غنيت في ليبيا وتونس والمغرب والسودان ولبنان والكويت وباريس، وكان آخر المطاف في موسكو، ذهبت لأغنى لهؤلاء الأصدقاء الذين وقفوا معنا في المعركة.

ولم أكن أدرى ما يخبئ القدر وأنا في موسكو إلا حينما أيقظني ابن أختي في الصباح الباكر وهو يجاهد نفسه ويجالدها ليلتمس الوسيلة التي يقول لي بها أن عبدالناصر قد ذهب إلى لقاء الله وأن مصر قد فُجعت في أعز ما تملكه.. ورحت أصرخ.. مصر وطني.. بلدي.. مصير بلدي.. المعركة.. ما المصير يا رب.. لطفك يا رب.

وعدت من موسكو دون أن أغنى، عدت أسائل نفسي : هل أستسلم ليأس ثان كيأس النكسة أو بنفس الإيمان الراسخ في أعماقي، الإيمان الذي تعلمته من عبدالناصر وأطرح اليأس وراء ظهري وأمضى في طريقي أغنى للنصر حتى يوم النصر.

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

الكلمات الدلالية:

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع